تقرير: حيدر عبدالكريم
“لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الاحتفالات، وذلك وفقاً لما يتطلبه القانون والنظام العام، ولا يكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس أو شعائر لا يقبل بها طواعية”، هذا ما تنص عليه الوثيقة الانتقالية التي تحكم السودان منذ سقوط نظام البشير عام ٢٠١٩.
لكن ما تنص عليه الوثيقة لم ينطبق على وضع مريم محمد (٣٠ عاماً). تقطن مريم في منطقة الكرمك بولاية النيل الأزرق، وتعتنق الكجور وهي اعتقاد بوجود قوة روحية تستطيع إنزال الخير أو الشر بالآخرين. عبّأت مريم استمارة الرقم الوطني وكتبت في خانة الديانة “مسلمة” لوجود خيارين فقط، مسلمة أو مسيحية. وعندما قررت مريم تغيير ما كتب في الخانة وتصحيح الخطأ، رفضت ضابطة بالسجل المدني فعل ذلك، بعد أن تم استخراج المستندات لها على أنها مسلمة وهي لا تعتنق الإسلام. وتستذكر ما حصل معها بأسى: “ما أحزنني أن الضابطة رفضت تصحيح الخطأ الوارد في المستند رغم اني طلبت منها ذلك بلطف، وما أحزنني أكثر شعورها أنها سترتكب خطيئة اذا ساعدتني في تغييره”.
وتنص المادة 35 (1) من قانون السجل المدني السوداني لسنة ١٩٩٤، أن لكل سوداني ينطبق عليه اشتراطات الجنسية السودانية بعد بلوغ سن ١٦ عاماً مطالبة مكتب السجل المدني في دائرة اختصاصه بإستخراج بطاقة إثبات الشخصية بينما يسمح قانون الجنسية لسنة ١٩٩٤ في المادة “٤” لكل من يمتلك الجنسية السودانية بالميلاد الحصول على الوثائق التعريفية وفقاً للدستور.
المواطنة ليست كافية للحصول على الوثائق
يقول الناشط المجتمعي بمنطقة أبيي الملك يوسف “يمنحك ميلادك بالأراضي السودانية أو أصولك الاجتماعية الممتدة حق أن تقول أنا سوداني، ولكن كي تحصل على الوثائق الثبوتية عليك أن تكون من معتنقي الديانة الإسلامية أو المسيحية، وألا تتكبد ويلات السفر والترحال بين مقر إقامتك والعاصمة الخرطوم للوصول إلى مركز أم درمان للسجل المدني”، والذي يمنح حق استخراج أوراق رسمية لا تحتوي استمارتها على خانة الديانة.
تقع منطقة أبيي جنوبي السودان وتتمتع بنظام حكم ذاتي منذ انفصال دولة جنوب السودان في العام 2011، وتم تصنيفها منطقة تماس تقطنها قبيلتي دينكا نقوك والمسيرية، وتتوزع انتماءات سكانها الدينية بين المسلمين والمسيحيين بالإضافة إلى معتنقي الديانات التقليدية، وليس بها مركز للسجل المدني يضمن لمواطنيها حق الحصول على الوثائق.
ويؤكد يوسف أن “عبدة الماديات”، وهي مجموعة تعبد الشمس والأشجار في أبيي التي تبعد عن العاصمة الخرطوم حوالي ألف كلم يواجهون معاناة كبيرة في سبيل استخراج وثائقهم الشخصية وتثبيت حقهم في الانتماء إلى دولة السودان، مضيفاً أنهم لم يختاروا الذهاب الى دولة جنوب السودان الوليدة بعد استقلالها والانفصال عن السودان في عام 2011. ويشرح يوسف: “يعاني الناس كثيراً من أجل الوصول إلى العاصمة والذهاب إلى مركز خاص ضمن مكتب السجل المدني بأم درمان لأغراض استخراج الوثائق الثبوتية بالرغم من أن الدستور الانتقالي الساري يكفل حق حرية الدين والمعتقد لكافة المواطنيين السودانيين وأن يتم استخراج الوثائق التعريفية في منطقة الإقامة فقط (دائرة الاختصاص)”.
ويمثل المسلمون نحو 90% من الشعب السوداني، والمسيحيون نحو 7%، بينما يمثل معتنقو الديانات الأفريقية التقليدية ما يقارب 2.5% من عدد السكان، بجانب الملحدين الذي لا تتجاوز نسبتهم 0.5%، وذلك حسب إحصائيات غير منشورة أعدتها عام 2020 جمعية الفكر والمعتقد وهي جمعية محلية غير مسجلة ناشطة في قضايا الأديان، بينما يقدر مركز بيو الأميركي للأبحاث عدد المسلمين في البلاد بـ 91% والمسيحين 5.4% و2.8 ديانات تقليدية و0.8 غير منتمين لأي ديانة
وتتركز المجموعات السكانية التي تعتنق ديانات تقليدية محلية في مناطق جبل مرة بوسط دارفور، وجبال الميدوب، وجبال النوبة بجنوب كردفان ومناطق النيل الأزرق.
ويقول الباحث في الديانات التقليدية بكري سليمان إن الدولة لا تعترف إلا بالديانات السماوية وبسبب الظروف التاريخية تعايش أصحاب الديانات المحلية مع تلك الظروف وعاشوا وضعية دينية إلزامية تجبرهم على التخلي عن ارتباطهم بالديانات التقليدية، مشيراً إلى أن الفوارق الدينية لم تكن واضحة قبل مجيء حكومة الجبهة الإسلامية عام 1989، حيث خلقت الجبهة “تهميشاً ضد أصحاب الديانات التقليدية وحرمتهم من حقوقهم في المواطنة المتساوية بعيداً عن الانتماء الديني”.
ويرى سليمان أن “الوضعية الدينية القائمة على عدم اعتراف الدولة بالديانات التقليدية ساهمت في إبعاد من يعتنقونها من دائرة المجتمع وفقدان الصفات الرسمية والحصول على وثائق تعريفية بحرية وإرادة”، مردفاً أن هذه التعقيدات خلفت “آثارا اجتماعية وثقافية واقتصادية” بسبب عدم تمكن أتباع الديانات التقليدية من الوصول إلى المؤسسات للمطالبة بحقوقهم.
صعوبات متوارثة ومتشابكة
يقول المحامي شنبانقو عوض مقدم إن تداخل القوانين السارية يشكل أكبر تحدٍ يعرقل ضمان حقوق الأقليات الدينية، لا سيما القوانين المرتبطة بالمواطنة والحق في استخراج الوثائق التعريفية وفقاً لمقتضيات الدستور الذي يحكم المواطنين عامة، مضيفاً أنه “حتى الآن فإن معاناة أتباع الديانات التقليدية مستمرة، وهم مضطرون لاستخراج وثائقهم التعريفية عبر تعبئة استمارة تحتوي على خانة الديانة” التي لا تضم سوى خياري مسلم أو مسيحي، ويتابع أنهم من دون هذه الوثائق التعريفية فإنهم غير قادرين على ضمان حقوق أساسية مثل السفر والإقامة.
وبحسب مقدم، فإن أتباع الديانات التقليدية يواجهون صعوبات في استخراج شهادة الميلاد لأبنائهم بسبب عدم امتلاك وثائق زواج بالأساس، مشيراً إلى أن الحالات من هذا النوع كثيرة وينتج عنها عدم القدرة على إلحاق أطفالهم بالمدارس. ويوضح مقدم أن “هنالك زيجات تتم بين شخصين يتفقان على تكوين أسرة ولكنهما يواجهان مشكلة في استخراج وثائق تعريفية لأبنائهم”، متسائلاً “هل المواطنة المتساوية تعني امتلاك وثائق تضمن للمواطنين المساواة في الحقوق أم جر بعض الأشخاص إلى المحاكمات بتهمة الزنا بسبب لجوئهم إلى السجل المدني لاستخراج وثائق تعريفية للأبناء؟”.
بدوره، يشدد المحامي عبدالباسط الحاج أن وضع خانة الديانة على الوثائق التعريفية نوع من التمييز بين المواطنين على أساس الدين، لافتاً أن الدين يجب أن لا يكون معيارا للمواطنة أو تقديم الخدمات أو مخاطبة الأشخاص.
وحاولنا توجيه أسئلة لإدارة السجل المدني حول دواعي وجود خانة الديانة في الأوراق التعريفية بالرغم من أن الدستور يكفل حرية الدين والمعتقد وأن القوانين المتعلقة بالجنسية لا تستند على قواعد دينية، إلا أننا لم نتمكن من تحديد موعد لإجراء مقابلة مع أي من مسؤولي السجل المدني بمركز خدمات الجمهور بكل من أم درمان والخرطوم بسبب إجراءات بيروقراطية.
*تم أنتاج التقرير ضمن دورة صحافة البيانات بأشراف منظمة انترنيوز.




أحدث التعليقات