جبراكة نيوز: كمبالا
في تطور لافت يعكس حجم التصدعات داخل الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، أعلنت قيادات سياسية في حركة تحرير السودان قيادة مني أركو مناوي، عن تشكيل هيئة قيادية مؤقتة. وذلك تمهيدًا لعقد مؤتمر عام خلال ستين يومًا، في خطوة تهدف إلى ما وصفوه بتصحيح المسار واستعادة روح الثورة والمؤسسية داخل الحركة.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقدته المجموعة المنشقة في العاصمة الأوغندية كمبالا، الخميس 7 أغسطس 2025، وسط تصاعد حدة الخلافات بين قيادات الحركة، خاصة في ظل “تورط مناوي” كما جاء على لسان المجموعة في اتخاذ قرارات فردية أدخلت الحركة في مسار جديد، يتناقض مع مبادئ الحياد الثوري التي تبنتها منذ توقيع اتفاق السلام في 2020.
قرارات فردية واتهامات بالانحياز
واتهمت القيادات المنشقة رئيس الحركة، مني أركو مناوي، بالانحراف عن الخط الثوري، عبر اتخاذه قرارًا منفردًا بالانحياز لطرف في الحرب الدائرة بالسودان منذ 15 أبريل 2023، دون الرجوع إلى مؤسسات الحركة أو قواعدها. واعتبروا أن هذا القرار أدخل الحركة في مواجهة مع جماهيرها، وأفقدها استقلاليتها.
في المقابل، ردت قيادة الحركة، عبر قرارات أصدرها مناوي بتاريخ 2 أغسطس ونشرت لاحقًا في 6 أغسطس، بإعفاء عدد من مساعديه ومستشاريه، من بينهم محمد محمود كورينا مساعده للشؤون القانونية، وآدم النور مستشاره للشؤون المالية، إلى جانب مستشاره الإعلامي مصطفى عبد الله.
وقررت الحركة كذلك تجميد عضوية هؤلاء وفتح تحقيق معهم، في خطوة فسرها البعض بأنها رد مباشر على التحركات الانشقاقية.
هيئة قيادية مؤقتة
في بيان تلاه المشاركون في المؤتمر الصحفي، أعلنت القيادات عن تشكيل هيئة قيادية مؤقتة برئاسة محمود كورينا، وعضوية متوكل محمد موسى نائبًا، وعصام الحاج، والفاضل التيجاني، وعصام كتر.
وقال البيان إن مهمة الهيئة تقتصر على الإعداد للمؤتمر العام وجمع الموارد اللازمة له، على أن تحل فور انعقاده.
وقال عصام الحاج، مسؤول مكاتب الحركة في أوروبا، ورئيس لجنة الإعداد للمؤتمر، إن الحركة فقدت مؤسساتها وتحولت إلى إدارة فردية بحتة، مؤكدًا أن الخطوة ليست انشقاقًا بل محاولة لاستعادة القرار عبر مسار ديمقراطي نزيه، بعيدًا عن التوجيهات الفردية والخطابات القبلية.
وأضاف الحاج في تصريح لـ”جبراكة نيوز”: “نبحث عن دعم غير مشروط يساعدنا على عقد المؤتمر العام، لأننا نرفض أن ترتهن إرادتنا لأي تنظيم أو شخص”.
كما قال الحاج، إن المؤتمر الصحفي الذي عقد في كمبالا موجه بشكل رئيسي لأعضاء الحركة، بهدف الإعداد والتنادي لقيام المؤتمر العام، في ظل غياب جميع مؤسسات الحركة وافتقارها للفاعلية، حيث تحولت إلى إدارة فردية بحتة بفعل فاعل. وأكد أنه لم يكن أمامهم خيار سوى الدعوة لتكوين هيئة تفضي إلى انعقاد المؤتمر العام.
وأوضح الحاج أن الهيئة لا تضطلع بأي دور سياسي أو تتخذ قرارات تتعلق بالشأن السياسي أو التحالفات، بحكم الواقع السياسي الراهن، وأن مثل هذه الأمور سينظر فيها لاحقاً بعد تكوين القيادة الأساسية للمؤتمر.
وحول الخطوات المتوقعة في المرحلة المقبلة، أشار الحاج إلى أن الهيئة تسعى للانخراط في ترتيبات المؤتمر العام، والعودة إلى جميع الحلفاء والشركاء الذين ساندوا الحركة منذ العام 2003، إلى جانب المؤيدين والداعمين لقضاياها العادلة.
وأضاف: “سنطرق أبوابهم لمساعدتنا في تمويل المؤتمر وتوفير المعينات اللازمة لقيامه، إذ نحتاج إلى دعم مالي رئيسي، ونسعى للحصول على دعم غير مشروط حتى لا ترتهن إرادتنا لأي تنظيم أو جهة”.
وبيّن الحاج أنهم حاليَا في مرحلة ترتيب صفوفهم وبناء الهيكل التنظيمي، والبحث عن الآليات والميكانزمات التي تمكنهم من عقد المؤتمر، على أن يتولى المؤتمر بعد تشكيل الأمانات والقيادة السياسية اتخاذ القرارات المتعلقة بالراهن السياسي.
وقال إن التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر هي في الأساس إدارية، وتشمل إعداد الأوراق وانخراط اللجان في صياغتها، كما ستشكل اللجنة التحضيرية العليا التي ستتولى إدارة شؤون الحركة المتعلقة بعقد المؤتمر، على أن يتم ذلك عبر قواعد الحركة.
وشدد الحاج على أن ما جرى لا يعد انشقاقاً، بل هو دعوة لقيام المؤتمر العام، مشيرًا إلى أن جميع الخطوات القادمة ستتم عبر القواعد وباختيارات ديمقراطية خالصة، بهدف استرداد الحركة التي ظلت مختطفة لسنوات طويلة.
وفيما يتعلق بوجود قيادات عسكرية في صفهم، قال الحاج: “هناك العديد من القيادات العسكرية والسياسية التي تقف معنا وتؤمن بالممارسة الديمقراطية، وهي تتوافق مع هذه الخطوة، ولا توجد اعتراضات إلا من أولئك الذين لا يريدون قيام المؤتمر، وهو وضع غير طبيعي”.
وأردف: “منذ صدور أول ميثاق للحركة وحتى انعقاد مؤتمر حسكنيتة، وقبل أن يتم تشويه النظام الأساسي وتركيز السلطات بيد رئيس الحركة وحل الأجهزة الرقابية، كانت مؤسسات الحركة تعمل بفعالية”. وزاد: “نحن نسعى الآن إلى إعادة تأسيس واقع حركي مؤسسي وسليم”.
وقال الحاج: “أما بالنسبة للرفاق الذين يحملون السلاح، فإن لم يكونوا جميعًا، فمعظمهم يؤيدون هذه الخطوة ويقفون معها، لأنها دعوة لإرساء الديمقراطية داخل الحركة”.
لا شرعية للمنشقين
بالمقابل، وصف محمد الأمين عبد العزيز، أحد قيادات حركة تحرير السودان قيادة مناوي، الخطوة بأنها محاولة لزرع الفتنة وسط الصفوف وتشويش للرأي العام.
وقال في منشور على صفحته بـ”فيسبوك” إن البيان الصادر من كمبالا لا يحمل أي شرعية قانونية، باعتبار أن من أصدروا البيان أقيلوا من مناصبهم وفق اللوائح التنظيمية للحركة.
وأضاف عبد العزيز أن الدعوة إلى مؤتمر عام في ظل الحرب الدائرة هي دعوة غير مسؤولة، وتصب في مصلحة العدو الساعي لتفكيك البلاد، مشددًا على أن موقف الحركة في مواجهة قوات الدعم السريع لم يكن خيارًا بل واجبًا وطنيًا فرضته الجرائم والانتهاكات.
وأكد عبد العزيز أن الحركة ما تزال موحدة تنظيمياً وعسكرياً، وأن محاولات التشويش الإعلامي لن تنال من صلابة القيادة ولا من تأثير رئيسها مني أركو مناوي في المعادلة السياسية والعسكرية.
أزمة الحركات المسلحة
تأتي هذه التطورات في وقت تتعرض فيه الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا لانتقادات متزايدة، إثر عجزها عن حماية المدنيين في دارفور، وضعف حضورها في المشهد السياسي والعسكري مقارنة بما وعدت به عند توقيع الاتفاق.
من جهته، قال الناطق باسم حركة تحرير السودان، الصادق علي النور لـ”جبراكة نيوز” إن أسباب إقالة القيادات وردت في قرار الإقالة، مشيرًا إلى أن الحركة لا يمكنها التعليق على تلك القرارات إلا بعد صدور نتائج لجنة التحقيق التي أُحيل إليها المعنيون.
ويعيد هذا الانقسام في حركة مناوي طرح تساؤلات حول مستقبل الحركات المسلحة في السودان، وجدوى استمرارها كقوى سياسية فاعلة في ظل حرب طاحنة تعيد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد.




أحدث التعليقات