الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةتقاريرتقرير: منع الاختلاط في مدارس الخرطوم.. ما هي الدوافع؟

تقرير: منع الاختلاط في مدارس الخرطوم.. ما هي الدوافع؟

جبراكة نيوز: مآب الميرغني

أصدرت الإدارة العامة للتعليم الخاص بوزارة التربية والتعليم في ولاية الخرطوم قرارًا يمنع الاختلاط بين الطلاب والطالبات في جميع المدارس الخاصة، من المراحل الأساسية وحتى الثانوية، وتم اعتماده بتاريخ 5 أغسطس.

ونصّ القرار على أن أي مدرسة مختلطة لا تلتزم بفصل الجنسين ستُعتبر مخالفة وتُسحب منها التصديقات الرسمية بعد انتهاء المهلة المحددة لتصحيح الوضع.

القرار أثار جدلًا واسعًا في الأوساط التعليمية والمجتمعية، وسط تساؤلات عن جدواه في ظل الانهيار العام الذي يضرب قطاع التعليم في العاصمة والبلاد عمومًا، بسبب الحرب والنزوح وتردي الأوضاع الاقتصادية.

قرارات هروب لا إصلاح

وصف المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر، قرار وزارة التربية والتعليم الخاص بمنع الاختلاط في المدارس الخاصة بأنه “فرقعة إعلامية” تهدف لصرف الأنظار عن الانهيار الحقيقي في قطاع التعليم، مؤكدًا أن القرار لا يحمل أي قيمة حقيقية في ظل الواقع المتأزم الذي يعيشه التعليم في السودان.

وقال الباقر إن قرار منع الاختلاط بهذه الكيفية يعني أنه ليس هناك تصديق بمدرسة مختلطة، ويشير إلى توقف التصديقات للمدارس المختلطة، وهو في الأصل لا يوجد شيء اسمه تصديق بمدرسة مختلطة، ما اعتبره محاولة لإثبات الحضور لا أكثر، موضحًا: “الاختلاط الموجود حاليًا لم يكن خيارًا، بل فرضته ظروف الحرب وقلة الكوادر. هذا القرار رسالة جوفاء تقول فقط: نحن ها هنا باقون”.

وهاجم المتحدث بشدة خطاب وزير التعليم الخاص، واصفًا إياه بأنه انعكاس مباشر لأيديولوجيا تيار الإسلاميين ورغبتهم في إعادة إنتاج نمط الحكم الأبوي والهوس الديني الذي ساد في عهد الإنقاذ.

وأضاف: “هذا الحديث ليس عن التربية ولا عن التعليم، بل عن سلطة أيديولوجية مشغولة بالنسونة وفصل الجنسين، بينما التعليم ينهار”.

وتساءل: “هل هذا هو وقت الجدل حول الاختلاط؟ المعلمون والعاملون في التعليم الخاص هجروه منذ عامين، والمدارس تهدمت، لا كتب، لا إجلاس، والبيئة التعليمية في أسوأ حالاتها، وبدلًا من مواجهة هذا الواقع، يهرب الوزير إلى معارك وهمية لا تخدم أحدًا”.

وأكد الباقر، أن القرار لا يعدو كونه انصرافًا عن الواجبات الأساسية، ومناورة لصناعة عدو وهمي لصرف الانتباه عن الفشل المتراكم، مضيفًا: “إذا كان للوزير نية حقيقية للإصلاح، فليسأل نفسه أين هم المعلمون الآن؟ ما مصير المدارس؟ وهل هناك رؤية حقيقية لتعليم ما بعد الحرب؟.”

وختم بالقول: “قرار منع الاختلاط لا يُصلح تعليمًا، ولا يُعيد مدرسة، ولا يُرجع كتابًا، بل يعكس عقلية مأزومة تحاول تسويق الأيديولوجيا في زمن الخراب”.

الواقع أصعب

من جانبها، وصفت حبايب كامل، ولية أمر بولاية الخرطوم، القرار بأنه “عبث إداري في زمن الانهيار”، وقالت: “ما في مؤسسات تعليمية أصلًا، كثير من المدارس تحوّلت إلى مقابر، الأولوية يجب أن تكون لإعادة الإعمار وتهيئة البيئة المدرسية، مش الاختلاط”.

وانتقدت ما وصفته بتجاهل الوزارة للأعباء الاقتصادية التي تُثقل كاهل الأسر، مؤكدة في حديثها لـ”جُبراكة نيوز” أن التعليم أصبح مكلفًا لدرجة أن بعض الأسر فضلت إرسال أبنائها إلى مدارس خارج السودان.

وأضافت: “في مصر مثلًا، الحد الأدنى للتكلفة 400 دولار سنويًا، لكنه أرحم من واقع المدارس في الخرطوم”.

كما شددت على أهمية مراجعة المناهج وتوفير المعلمين قبل الحديث عن قرارات شكلية، قائلة: “في كتير مدارس ما فيها أساتذة، تعليم الأطفال في بيئة جيدة وبمناهج قوية وصحة نفسية وجسدية أهم من قرار الاختلاط”.

قرار واقعي ولكن

في تعليقها على قرار منع الاختلاط في المدارس، قالت آسيا محمد الحسن أحمد علي، مديرة مدرسة المهندسين الخاصة في الخرطوم، إن القرار يعد واقعيًا في ظل الظروف الراهنة، وخاصةً لطلاب المرحلة المتوسطة نظرًا لكبر سنهم، وأشارت إلى أن هذا القرار لا يمس مدرستها، لأنها تعتمد بالفعل نظام الفصل التام بين البنين والبنات، وهي سياسة تحظى بتأييد كامل من أولياء الأمور.

وشددت في حديثها لـ”جُبراكة نيوز”، على أن الوزارة كان عليها أن تأخذ في الاعتبار واقع المدارس المتضررة من الحرب، وأوضحت أن الكثير من هذه المدارس لا تمتلك الإمكانيات اللازمة لتنفيذ قرار الفصل، وقد لا تتمكن من مواصلة العملية التعليمية إلا بوجود الاختلاط، بسبب نقص المباني والبنية التحتية.

وأكدت آسيا أن الأولويات يجب أن تكون مختلفة، قائلةً: “إن استمرار العام الدراسي أهم من التعقيدات الإدارية.

وترى مديرة المدرسة أن الأولوية الحقيقية يجب أن تكون للمدارس التي تضررت بسبب الحرب ووضع المدارس الحكومية، بالإضافة إلى النظر في رواتب المعلمين. هذه هي القضايا التي تحتاج إلى معالجة فورية لضمان استمرارية العملية التعليمية بشكل فعّال.

وسط كل هذا، يظل التعليم في السودان يترنح بين أطلال المدارس المدمرة، ونزيف الكوادر، وأطفال يُحرمون من حقهم الأساسي في التعلم، بينما تنشغل الجهات الرسمية بقرارات لا تعالج أصل الداء، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت هذه القرارات تهدف لصالح التعليم في البلاد، أم لإعادة إنتاج أدوات السيطرة باسم الأخلاق؟

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات