تقرير: جُبراكة نيوز
أثارت قضية مشاركة مرتزقة كولومبيين في الحرب الدائرة بمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، موجة واسعة من الانتقادات، وسط اتهامات للحكومة السودانية بالتعامل ببرود. حيث وصف المراقبون بالاعتداءات السافرة على المدنيين، الذين يسقطون يومياً بفعل قصف مدفعي موجه نحو الأحياء السكنية، تنفذه وحدات قتالية تضم مقاتلين أجانب.
وفي تطور لافت، كشفت وسائل إعلام كولومبية أن ما بين 300 و380 جندياً كولومبياً متقاعداً يشاركون في القتال بدارفور، جرى تجنيدهم عبر شركة Global Security Services Group، ومقرها أبو ظبي، بتمويل إماراتي.
ووفقاً لهذه التقارير، يتم نقل المقاتلين من كولومبيا إلى الإمارات، ومنها إلى مطار بوصاصو في إقليم أرض الصومال، قبل مرورهم عبر ليبيا أو تشاد وصولاً إلى السودان للانضمام إلى قوات الدعم السريع.
رسائل إلى الكولومبيين
بدوره، وجه رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس رسالة إلى الشعب الكولومبي وجميع المجتمعات الناطقة باللغة الإسبانية، دعا فيها إلى ضرورة وقف تجنيد المرتزقة وإرسالهم إلى السودان.
وجاء في رسالته: “انطلاقاً من روح الإبداع والتضامن والالتزام بالسلام، نوجّه هذا النداء للوقوف معنا بثبات من أجل إنهاء الحصار على مدينة الفاشر، ووقف تجنيد المرتزقة وإرسالهم إلى أرضنا”.
وفي السياق نفسه، أشاد كامل إدريس بالموقف الذي عبّر عنه رئيس وزراء كولومبيا، الداعي إلى إنهاء تجنيد المرتزقة الكولومبيين في دارفور.
وأكد رئيس الوزراء أن العالم الناطق بالإسبانية قدم إسهامات خالدة للبشرية، من فن بابلو بيكاسو إلى شعر بابلو نيرودا، ومن سرديات غابرييل غارسيا ماركيز إلى أدب ماريو بارغاس يوسا.
وأكدت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صدر في 4 أغسطس 2025، امتلاكها وثائق تثبت تورط مرتزقة كولومبيين وآخرين من دول مجاورة في القتال إلى جانب الدعم السريع، برعاية وتمويل من أبوظبي، التي تنفي ذلك وتتهم الجيش السوداني بالتنصل من مسؤولياته وتلفيق التهم لها.
وأوضحت أن هذه المستندات قدمت سابقاً لمجلس الأمن، وأن منظمات إقليمية ودولية وتقارير إعلامية وثّقت هذه الظاهرة، محذّرة من أن وجود هؤلاء المقاتلين يحول الحرب السودانية إلى صراع إرهابي عابر للحدود يهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

والي شمال دارفور، الحافظ بخيت محمد، كشف أن معركة الفاشر الأخيرة، التي جرت يوم الإثنين الماضي واستمرت أكثر من ست ساعات، شهدت هجوماً واسعاً من قبل قوات الدعم السريع، مدعومة بأكثر من 300 عربة قتالية ومئات المقاتلين، بينهم عدد كبير جداً من المرتزقة الكولومبيين، مؤكداً أن القوات الحكومية والمجموعات المساندة كبدتهم خسائر بشرية ومادية فادحة.
وتحاصر قوات الدعم السريع مدينة الفاشر منذ أكثر من 14 شهرًا، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وسط المدنيين، وتدهور الأوضاع الصحية ونفاد السلع الأساسية، إلى جانب القصف المدفعي المستمر عن طريق المدافع والطائرة المسيرة، إضافة إلى الهجمات البرية التي وصلت إلى 228 هجومًا لقوات الدعم، وفقًا لإعلام القوة المشتركة.
كما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو، مسربة من هواتف جنود كولومبيين قتلوا في معارك الفاشر يوم السبت 2 أغسطس 2025، تظهر عمل المرتزقة في مطار نيالا بولاية جنوب دارفور، الذي يعد الحصن اللوجستي لقوات الدعم السريع لاستقبال الإمدادات العسكرية، بما فيها الطائرات المسيّرة الحديثة التي استُخدمت خلال الأشهر الأخيرة لاستهداف مناطق تحت سيطرة الجيش شرقاً وشمالاً.
وأفادت وكالة الأنباء الفرنسية بأنها شاهدت هذه المقاطع، لكنها لم تتمكن من التحقق منها بشكل مستقل، مؤكدة في الوقت نفسه أن تقارير عديدة سلطت الضوء على مشاركة أجانب في حرب السودان.
وأشارت وسائل إعلام دولية إلى أن وحدة قتالية كولومبية تتولى تدريب عناصر الدعم السريع. وفي مقابلة مع صحيفة كولومبية، قال قائد إحدى هذه الوحدات: “إنهم أطفال يموتون بسرعة في المعارك، نحن ندربهم على حماية أنفسهم وكيفية القتال. نحاول تقليل عدد القتلى، ففي كل معركة نخسر ما بين 100 إلى 300 مقاتل”.
القضية أخذت بعداً دولياً جديداً عقب إعلان تلفزيون السودان، الأسبوع المنصرم، أن سلاح الجو السوداني شن غارة على طائرة إماراتية في مطار نيالا، كانت تقل عشرات المرتزقة الكولومبيين.
وفي 6 أغسطس 2025، علق الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو على هذه التقارير، معلناً عزمه الدفع بتشريع عاجل يجرم الارتزاق والمشاركة في حروب خارجية، مع المطالبة بإعادة جثامين القتلى الكولومبيين لدفنهم في وطنهم.
مصادر عسكرية سودانية أكدت أن مشاركة المرتزقة الكولومبيين مثبتة، خاصة في معارك الفاشر الأخيرة، مشيرين إلى أن الأدلة التي ظهرت مؤخراً دحضت الرواية التي كانت تنفي وجودهم في ساحات القتال بالسودان.
كما أعادت بعثة السودان لدى الأمم المتحدة التأكيد على امتلاكها وثائق رسمية تثبت مشاركة مقاتلين أجانب يتم جلبهم من مناطق بعيدة لشن هجمات على المدنيين في الفاشر ومناطق أخرى.
وفي شهادة صادمة، كشف المرتزق الكولومبي الملقب بـ”سيزار” لصحيفة (لا سيا باثيا) أن المرتزقة الكولومبيين يقومون بتدريب أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عاماً في معسكرات قرب نيالا، على استخدام أسلحة رشاشة وقاذفات RPG، ضمن برنامج تدريب يومي مكثف يمتد لستة أيام في الأسبوع، بهدف الدفع بهم مباشرة إلى القتال في الفاشر.
وأضاف أن الإمارات تشرف على نقل المرتزقة من قاعدة قرب أبوظبي إلى مطار نيالا عبر ميناء بوصاصو في الصومال، مع فرض قيود صارمة على استخدام الهواتف ومنع تسريب الصور.
كما أورد التقرير اتهامات من مرتزقة كولومبيين لشركة إماراتية وشبكة تجنيد يديرها العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو كينخانو وزوجته، بالاحتيال وعدم دفع الأجور الموعودة، مع استبدال الشركة الأصلية بأخرى وهمية مسجلة في بنما باسم فينيكس.
بدورها تنفي وزارة الخارجية الإماراتية دعم بلادها لأي طرف من أطراف الحرب الدائرة في السودان، وتشدد – في بيان نشرته مايو الماضي – على أن “الموقف الإماراتي الثابت والواضح المتمثل في عدم تزويد أي من الأطراف المتحاربة في السودان بالسلاح أو الدعم العسكري”.
الخاسر الأكبر
تفتح مشاركة المرتزقة الكولومبيين في معركة الفاشر الباب واسعاً أمام تساؤلات خطيرة حول مستقبل الحرب في السودان، وحدود التدخلات الأجنبية التي باتت تشكل عاملاً حاسماً في موازين القوى على الأرض.
وبينما تسعى الحكومة السودانية لتقديم الأدلة إلى المجتمع الدولي، وتعلن كولومبيا نيتها ملاحقة المتورطين من مواطنيها، يبقى المدنيون في دارفور هم الخاسر الأكبر، يدفعون ثمن حرب تتداخل فيها الحسابات المحلية مع أجندات إقليمية ودولية معقدة.
مرتزقة خارج القانون
قال المحامي والمستشار القانوني عبدالباسط الحاج، المهتم بقضايا العدالة الدولية، إن ظهور المرتزقة، وتحديداً في المعارك الدائرة بالفاشر، يمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العرفي، اللذين يحظران استخدام المرتزقة في النزاعات المسلحة، سواء كانت دولية أو داخلية.
وأوضح في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” أن حالة السودان تعد نزاعاً مسلحاً داخلياً بين الجيش وقوات الدعم السريع، وبالتالي يسري عليها هذا الحظر.
وأشار الحاج إلى أن أي أجنبي يقاتل في صفوف أحد الأطراف ضد الآخر يُعتبر مرتزقاً، إلا في حالات استثنائية، مثل الاتفاقيات العسكرية بين الدول، أو قوات حفظ السلام، أو العمالة العسكرية المشروعة. وما عدا ذلك يُعد وجود الأجانب مشاركة غير قانونية في القتال.
وأكد أن المرتزقة لا يتمتعون بالحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني للمقاتلين النظاميين أو أسرى الحرب، بل تتم محاكمتهم وفق القوانين الوطنية، ما لم تقرر الدولة المضيفة منحهم معاملة خاصة.
وأضاف أن المسؤولية قد تطال الدول أو الشركات التي تقوم بتجنيدهم وتمويلهم، وتتحمل المسؤولية عن جرائمهم إذا ثبت تورطها.
الحوار هو المخرج
من جانبه، رأى المحلل السياسي عبد الله خاطر أن ظهور المرتزقة الكولومبيين في المعارك الجارية بدارفور يؤكد دخول الحرب في السودان طوراً جديداً من التدخلات الأجنبية، سواء من دول الإقليم أو من أطراف دولية بعيدة مثل كولومبيا.
وأوضح في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” أن هذا التطور يتطلب إدانة وطنية واسعة ضد أي تدخل أجنبي في نزاع داخلي، مؤكداً أن مثل هذه التدخلات تعقّد الأزمة أكثر مما تساهم في حلها.
وأشار إلى أن التجربة السودانية أظهرت إمكانية تجاوز الأزمات عبر توسيع دائرة الحوار الوطني، كما حدث عقب ثورة ديسمبر، لكن ضيق الأفق السياسي أسهم في اندلاع هذه الحرب. وأضاف أن الفرصة ما زالت قائمة لإعادة فتح منافذ الحوار بعد انتهاء القتال.
وفيما يتعلق بالموقف الكولومبي الرسمي، لفت خاطر إلى أن الرئيس غوستافو بيترو أعلن إدانته لوجود مواطنين كولومبيين في الحرب بالسودان، ودعا البرلمان لإصدار تشريعات تجرّم “الارتزاق الدولي”، معتبراً أن هذا الموقف يستحق الترحيب في السودان.
وشدد على أن الدول التي تجند المرتزقة للمشاركة في حرب “غير أخلاقية” يجب أن تُحاسب دولياً، ليس فقط عبر القنوات الدبلوماسية، بل أيضاً في مسارات قانونية وجنائية مستقبلية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن أن يشكل هذا الملف حافزاً لإيقاظ الضمير الدولي لوقف تدفق المرتزقة والسلاح إلى السودان، أم أنه مجرد فصل جديد في حرب طويلة تدار بالوكالة على أرض دارفور؟




أحدث التعليقات