الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةاخبار السوداناقليم دارفورالمدنيون في دارفور بين نيران الطائرات وضربات المسيّرات

المدنيون في دارفور بين نيران الطائرات وضربات المسيّرات

جُبراكة نيوز: تقرير

أفادت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن ما بين 16 و20 أغسطس قُتل ما لا يقل عن 32 مدنيًا، سبقها مقتل 57 آخرين في هجمات بتاريخ 11 أغسطس. كما استهدفت غارات جوية في 20 أغسطس قوافل إغاثة ومركبات تجارية شمال دارفور.

وقالت تنسيقية التغيير للسلام الاجتماعي بمحلية الكومة إن الطيران شن غارة على منطقة أم بطيطيخ، ما أدى إلى احتراق شاحنتين وسقوط قتلى وجرحى، ووصفتها بأنها “الغارة رقم 134” على محلية الكومة.

وفي مليط، أعلنت منظمات محلية أن مسيّرات قصفت قوافل إغاثة تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، ما أسفر عن احتراق شاحنتين محمّلتين بمساعدات للنازحين.

بينما نفى الجيش مسؤوليته عن استهداف قوافل الإغاثة، مؤكدًا أن الاتهامات تهدف إلى “تضليل الرأي العام”، مشيرًا إلى فتح ممرات إنسانية عبر معبر “أدري” الحدودي مع تشاد.

وفي 1 يونيو 2025، قُتل 89 شخصًا على الأقل في قصف جوي استهدف سوقًا مكتظًا بمدينة الكومة. وكان الجيش قد أوقف استخدام الطائرات الحربية في أبريل ومايو بعد إسقاط قوات الدعم السريع طائرتين في نيالا والفاشر، لكنه استأنف الغارات لاحقًا.

أحداث متكررة

أعادت هذه الحوادث إلى الأذهان أحداثًا مأساوية في إقليم دارفور بسبب قصف الطائرات الحربية من جانب الجيش والمسيّرات التي يستخدمها الطرفان، خاصة الدعم السريع، وقد خلّفت عشرات القتلى والجرحى. ورغم التنديد الدولي، ما زال التصعيد مستمرًا.

منذ ما يزيد على عام، تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، حصارًا خانقًا وقصفًا متواصلًا من قبل قوات الدعم السريع، مما أجبر الآلاف على الفرار إلى القرى المجاورة بحثًا عن الأمان. لكن حتى في أماكن نزوحهم، لم يسلموا من العنف.

في أحدث حلقات المأساة، تحوّل سوق بلدة طرة، الذي كان يعجّ بالمتسوقين، إلى مسرح لمجزرة مروّعة، حيث قُصِف السوق في وضح النهار، مخلّفًا مئات القتلى والجرحى في واحدة من أسوأ الهجمات التي شهدها الإقليم.

يوم الإثنين 24 مارس 2025، عند الساعة الثانية والنصف ظهرًا، كانت بلدة طرة، الواقعة على بُعد 40 كيلومترًا شمال الفاشر، تعيش يوم سوقها الأسبوعي. تجمع المواطنون لشراء مستلزمات العيد، وبينما كانوا يتجولون بين الأكشاك، أسقطت طائرة عسكرية أربع براميل متفجرة على السوق.

أسفر القصف الجوي عن مقتل 270 شخصًا على الفور، لكن العدد ارتفع لاحقًا إلى أكثر من 350 قتيلًا، بينما أصيب أكثر من 290 آخرين بجروح متفاوتة. تفحّمت بعض الجثث بالكامل، مما صعّب التعرف عليها، ودُفن كثير من الضحايا في مقابر جماعية.

ورغم نفي الجيش السوداني قصف المنطقة بعد اتهامات وجهتها له قوات الدعم السريع، فإن ناشطين محليين أكدوا العثور على بقايا براميل متفجرة تشير إلى تورط الجيش، مشيرين إلى أن طائرة من طراز “أنتونوف” هي التي نفذت القصف، كما حدث سابقًا في سوقي مليط والكومة.

كان بعض الضحايا من القرويين، بينهم رجل قاد قطيعًا من الماشية إلى السوق لبيعها وشراء مستلزمات العيد لأطفاله، إلا أن القصف بدد أحلامه. كما اصطحب آخرون أفراد عائلاتهم لشراء الملابس الجديدة مع اقتراب العيد، لكنهم لقوا حتفهم أو أصيبوا في الهجوم.

يشير هذا التصعيد في دارفور إلى مرحلة جديدة من الصراع، وسط تحذيرات دولية من تزايد الانتهاكات ضد المدنيين. فمع تحول الإقليم إلى ملاذ لقوات الدعم السريع، يبدو أن دارفور ستظل ساحة حرب مفتوحة يدفع ثمنها الأبرياء الذين يُقتلون في الأسواق، كما حدث في طرة.

معلمة فقدت حياتها في مجزرة طرة

قال أسعد عجيب، ابن الضحية مدينة أحمد أبكر جمعة (43 عامًا)، وهي أم لـ10 أبناء ومعلمة في روضة أطفال ببلدة طرة شمال دارفور، إنها كانت تعيش حياة مستقرة تجمع بين التدريس والزراعة. لكن مع اندلاع الحرب فقدت مرتبها واتجهت إلى التجارة، فصارت تبيع المحاصيل الزراعية في الأسواق الأسبوعية، ومنها سوق طرة. كان هذا مصدر رزقها الوحيد إلى جانب الزراعة، ومن خلاله ساعدت ابنها حتى تخرج من جامعة نيالا.

في اليوم المشؤوم، توجهت مدينة أحمد إلى السوق برفقة ابنها أحمد (18 عامًا) لشراء مستلزمات العيد. وحين وقع القصف، تفحمت أجسادهما ولم يُعثر عليهما إلا عبر بقايا ملابسهما المحترقة، فدُفنا في مقابر جماعية.

مع تزايد أعداد الجرحى وعجز المراكز الصحية الريفية عن استيعابهم، نُقل المصابون إلى مستشفيات بعيدة، بينما لجأ آخرون إلى العلاج التقليدي بسبب التكلفة الباهظة. وأطلق سودانيون مغتربون حملة تبرعات لدعم علاج المصابين.

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تدهورت الأوضاع الإنسانية في دارفور بصورة غير مسبوقة، حيث تعيش مئات الآلاف من الأسر في مخيمات مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

شهادات الناجين

تروي بهجة عبد الله (27 عامًا)، طالبة بجامعة الفاشر، أنها نجت من القصف. ذهبت إلى السوق برفقة شقيقتيها وابنتي خالها لشراء مستلزمات العيد، لكنها فوجئت بالقصف قبل دخولها السوق. شاهدت أشلاء الجثث متناثرة والجرحى يصرخون طلبًا للمساعدة، ووصفت المشهد بأنه “مروّع يدمع العيون ويفطر القلوب”.

وأكد الشرتاي الصادق عبد الله علي، أحد المسؤولين المحليين، أن السوق كان يعجّ بحوالي 3,000 متسوق وقت الهجوم. قُتل أكثر من 350 شخصًا، بينهم عائلات بأكملها، بينما توفي 60 من أصل 290 جريحًا بسبب نقص الرعاية الصحية. وأضاف أن القصف استهدف مربط الدواب وسوق الملابس، ما أدى إلى مقتل 150 حمارًا و140 جملًا.

وقال التاجر عمر عبد الجبار إن السوق كان مكتظًا منذ الصباح، لكنه نجا لأنه افترش بضاعته في طرف السوق الشرقي، فيما سقط الصاروخ الأول في مكانه المعتاد بوسط السوق. وأكد أن أجساد أكثر من 250 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، تفحمت على الفور. ووصف ما حدث بأنه “مجزرة مكتملة الأركان لا تُغتفر”.

إدانة حقوقية ودولية

أكدت المحامية بابل إسحاق أن قصف السوق يمثل انتهاكًا لاتفاقية جنيف لعام 1949، مشيرة إلى أن القوات المسلحة تتحمل المسؤولية الجنائية. وطالبت المحكمة الجنائية الدولية بضم هذه الانتهاكات إلى القضايا المطروحة أمامها.

وقال الحقوقي عبد العظيم قولو إن ما حدث “جريمة إنسانية وانتهاك صارخ للقوانين الدولية”، مضيفًا أن قتل المدنيين يظل مدانًا أيًّا كان الفاعل، سواء الجيش أو الحركات المسلحة أو قوات الدعم السريع.

واتهمت قوات الدعم السريع الجيش السوداني بارتكاب “مجزرة” أسفرت عن مقتل أكثر من 400 مدني، بينما نفى الجيش ذلك مؤكدًا أنه “لا يستهدف المدنيين”.

ندد الأمين العام للأمم المتحدة بالهجوم، قائلاً إنه “غير مقبول”، فيما عبّر المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قلقه البالغ، داعيًا الأطراف إلى حماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية.

استمرار التصعيد

رغم اختلاف الأطراف المتحاربة في دارفور على الأرض، إلا أن القصف الجوي بالطائرات الحربية والمسيّرات يكشف عن وجه آخر للحرب، حيث يدفع المدنيون وحدهم الثمن الأكبر. ومع استمرار التصعيد من الجو بلا تمييز، يتزايد الخوف من اتساع رقعة الكارثة الإنسانية، في ظل غياب حلول سياسية تضع حدًا لمعاناة السكان. وبينما يترقب العالم بقلق، تبقى سماء دارفور محمّلة بالدخان والذعر، في انتظار تدخل يوقف نزيف الأرواح.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات