جُبراكة نيوز: نعمات الحاج – مآب الميرغني
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت دارفور إلى مسرح للمعاناة، ليس للسكان فحسب، بل أيضًا للصحفيات اللواتي يقفن على الخطوط الأمامية لنقل الحقيقة.
في هذا النزاع المسلح، تواجه النساء في الصحافة تهديدًا مزدوجًا، القصف المباشر والمخاطر الأمنية، إلى جانب الاستهداف الجندري عبر التحرش والتهديد والضغط المجتمعي.
على الرغم من هذه الظروف القاسية، تواصل نحو 150 صحفية وإعلامية العمل في بيئات خطرة.
كثيرات منهن يعملن بأسماء مستعارة، أو اضطررن للتوقف عن العمل خوفًا على حياتهن.
وسلّط تقرير صادر عن منتدى صحفيات دارفور، الضوء على واقع الصحفيات في الإقليم، مستندًا إلى إفادات النقابة، ومؤسسي المنتدى، وتجارب صحفيات مباشرًة، ليكشف حجم المخاطر والجهود المبذولة لحمايتهن واستمرار رسالتهن الصحفية.
نحرص على الحماية.. ولكن!
بعد البيان الأخير الذي أصدره منتدى صحفيات دارفور حول أوضاع الصحفيات، تواصلنا مع نقابة الصحفيين السودانيين لمعرفة خطواتها وجهودها في رصد الانتهاكات وحماية الزملاء الصحفيين.
وبحسب إفادة إيمان فضل السيد، سكرتير الحريات بالمكتب التنفيذي، فإن النقابة تعمل بشكل دائم على رصد أوضاع الصحفيات والصحفيين.
وتذليل الصعاب التي تواجههم، وتوفير بيئة عمل آمنة قدر الإمكان، بعيدًا عن الانتهاكات والاستهداف.
وقالت فضل السيد لـ “جُبراكة نيوز”: “إن أبرز التحديات التي تواجه النقابة تتمثل في غياب قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للصحفيين وأماكن وجودهم، بسبب النزوح المستمر، وانقطاع الاتصالات، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق”.
وأوضحت أن النقابة تعتمد على تعاون الصحفيين أنفسهم لتوفير المعلومات الضرورية لضمان تدخل فعال يشمل الدعم النفسي، القانوني، المادي، أو المناصرة الدولية.
وأشارت إلى أن النقابة شكّلت لجنة طوارئ لرصد وتقصي أوضاع الصحفيين في دارفور فور صدور بيان منتدى صحفيات دارفور الأخير.
وتم إعداد استمارة لتوثيق أسماء الصحفيين، وأماكن وجودهم، وظروف عملهم، واحتياجاتهم، بهدف توفير بيانات موثوقة للمؤسسات الدولية الداعمة، وتسريع عمليات المناصرة والتدخل.
وفي ما يخص الانتهاكات ذات الطابع الجندري، أكدت فضل السيد أن السكرتارية المعنية بالجندر تتابع قضايا التحرش والاغتصاب والعنف الجسدي والجنسي.
وتعمل على توثيقها بسرية تامة مع احترام رغبة الضحايا بعدم الإفصاح عن هوياتهن، لتجنب أي مخاطر إضافية على حياتهن أو سلامتهن.
وأضافت: “الصحفيات يترددن في مشاركة المعلومات مع السكرتارية المختصة، ما يعيق عملية الرصد والتوثيق كما ينبغي، خاصة بسبب الخوف من الوصمة”.
وناشدت عبر السكرتارية الصحفيات والصحفيين الذين يتعرضون إلى تهديد أو انتهاكات ذات طابع جندري، خصوصًا التحرش والاغتصاب والعنف الجنسي، بالتواصل مع النقابة.
مؤكدة أن المعلومات ستكون في أيدٍ أمينة ولن تُستخدم إلا بما يخدم مصلحة الصحفيين وحمايتهم.
وأضافت أن النقابة تتعاون مع منظمات دولية وإقليمية لتوفير ممرات آمنة للصحفيات.
وتقديم الدعم النفسي والمهني، وتسهيل المناصرة لقضاياهن في مناطق النزاع، رغم أن سرعة الاستجابة أحيانًا تكون محدودة بسبب نقص المعلومات وصعوبة الوصول. وبينت أن سقف طموح الصحفيين في توفير الحماية والظروف المعيشية لا يزال أعلى مما هو متاح، لكن المنظمات الدولية استطاعت أن تقدم الكثير للصحفيين وأسرهم.
وأكدت أن المؤسسات الدولية تتعامل مع الانتهاكات بشكل مختلف: فإذا كان الصحفي مستهدفًا كمواطن، فطريقة الاستجابة تختلف عن حال استهدافه بسبب عمله الصحفي.
فلكل منظمة بروتوكولاتها ومعاييرها التي تستوجب معلومات دقيقة لتفعيل التدخل والدعم.
وأضافت فضل السيد أن انقطاع الاتصال والإنترنت يُعد جزءًا من أدوات الحرب، حيث يحجب تدفق المعلومات ويعيق التضامن الدولي والإقليمي.
ويصعب على النقابة توثيق الانتهاكات بشكل كامل، ما يجعل تعاون الصحفيين أنفسهم في تحديث البيانات أمرًا أساسيًا.
وأكدت أن النقابة، منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، تعمل في حالة طوارئ، مستعدة للتدخل ونقل صوت الصحفيين إلى المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية بحمايتهم. وبعد صدور تقرير منتدى صحفيات دارفور الأخير، تمكّنت النقابة من الحصول على معلومات مهمة حول أوضاع الصحفيات، ما ساعد على تحسين آليات التواصل والتدخل، وفقًا للمتحدثة باسم النقابة.
وأضافت، فضل السيد، أن النقابة شكّلت لجنة للرصد والتقصي والحصر، وضعت برنامج عمل متكاملًا لإنشاء قاعدة بيانات مكتملة عن الصحفيين وأوضاعهم في دارفور، بما يتيح تقديم الدعم والمناصرة بالتعاون مع المؤسسات الدولية ذات الصلة. وأكدت أن النقابة لا تتأخر في التحرك، وأن صدور البيانات والتقارير يمثل أداة قوية للمناصرة، ويوفر للجهات الدولية معلومات موثوقة للتحرك ضد الانتهاكات.
يُذكر أن السودان يحتل المرتبة 156 من أصل 180 دولة في تصنيف 2025 لمنظمة “مراسلون بلا حدود” لحرية الصحافة، مسجّلًا تراجعًا عن العام السابق في ظل تصاعد القمع والانتهاكات ضد الصحفيين.
الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 أجبرت العديد من الصحفيين على الفرار إلى دول الجوار.
فيما توقفت غالبية الصحف المحلية وانقطعت الخدمات الإعلامية المرئية والمسموعة، لتبقى شريحة صغيرة من المؤسسات تعمل خارج العاصمة تحت حماية محدودة.
هذا الواقع يعكس معاناة الصحفيين السودانيين الذين يواصلون نقل الحقيقة رغم المخاطر المباشرة التي تهدد حياتهم وحرياتهم المهنية.
عقود وهمية
وعلى خلفية بيان المنتدى، تحدثت إنعام النور عن جهود المنتدى في متابعة وتوثيق أوضاع الصحفيات في دارفور وخارجها.
وقالت مؤسسة منتدى صحفيات دارفور لـ”جُبراكة نيوز” “إن الواقع الذي تعيشه الصحفيات في فترة الحرب واقع مؤلم وقاسٍ”.
وأضافت: “أن المنتدى يحاول توثيق واقع الصحفيات ومتابعة أوضاعهن لحظة بلحظة، من خلال التواصل مع الصحفيات المنتشرات في ولايات دارفور، وكذلك التواصل مع النازحات داخل السودان واللاجئات خارجه، لأن الوضع فاق حد الاحتمال في السوء”.
وأوضحت إنعام أن معظم الصحفيات توقفن عن العمل تمامًا، لأن الصحافة في دارفور لم تعد تؤمّن الحد الأدنى من تكلفة المعيشة.
بل لا تغطي حتى ثمن المواصلات أو الإنترنت، خاصة بعد توقف معظم المؤسسات الصحفية داخل السودان بسبب الحرب.
وأضافت أن من استطاعت العمل في هذه الظروف تفعل ذلك إما بعقود وهمية أو بصورة طوعية لنقل صوت الأرض فقط، مقابل مواجهة مخاطر كبيرة في ظل انعدام الأمن وغياب التأمين المؤسسي.
وأشارت إلى أن بعض المؤسسات الصحفية تستغل ظروف الصحفيات دون مراعاة الواقع، ما يضطرهن للكتابة بأسماء مستعارة أو حجب أسمائهن بطلب من المؤسسة كنوع من الحماية.
مضيفة: “وهو ما يسلبهن حق التوثيق والاحتراف، كما أن أخريات يخاطرن بحياتهن لنقل الحقيقة لكن دون أن تُذكر أسماؤهن، مما يمنع عنهن حتى أبسط أشكال التقدير، إلى جانب التهديد المجتمعي الذي يواجهنه باعتبارهن نساء وصحفيات”.
وأضافت إنعام: “إن هذا الوضع يفتح الباب أمام التحرشات والتهديدات الجنسية، ما يؤدي أحيانًا إلى ضغط الأسر عليهن لترك العمل”.
وفي مايو 2025، كشفت نقابة الصحفيين السودانيين عن وضع مزرٍ للصحافة بعد عامين من الحرب: 31 صحفيًا قُتلوا، و556 انتهاكًا وُثّق، وفقد نحو 1000 وظيفة. توقفت أغلب الصحف والمحطات عن العمل، بينما يواجه الصحفيون في الداخل والخارج تهديدات واعتقالات وضغوطًا متعددة.
رغم ذلك، يواصل الكثير منهم نقل الحقيقة وكشف الانتهاكات بحق المدنيين وسط بيئة عمل منهارة.
بين اللجوء وفقدان الموارد
على خلفية الحرب والتهديدات المتزايدة، تحدثت حواء داؤود عن تجربتها الشخصية كصحفية من دارفور، والتحديات التي واجهتها أثناء النزوح واللجوء وتأثيرها على استمرارية العمل الصحفي.
وقالت في حديثها لـ”جُبراكة نيوز”: “فقدنا منزلنا منذ اليوم الثاني لاندلاع الحرب، وهو ما جعل حياتنا مليئة بالنزوح الداخلي المستمر والصعوبات الكبيرة لممارسة العمل الصحفي”.
وأضافت أن النزاع أدى إلى غياب الاتصالات وشبكات الإنترنت منذ اليوم الأول، مما صعّب متابعة الأحداث وإنتاج التقارير.
وأوضحت أنها كانت تعمل في صحيفة إلكترونية، لكن انقطاع الشبكة وعدم الاستقرار أجبرها على إنهاء عقدها منذ بداية الحرب.
وتابعت بالقول: “لم تتوفر فرص عمل مناسبة بسبب توقف أغلب المؤسسات أو اعتمادها على نظام قديم يفترض وجود الصحفي داخل الولاية، رغم مخاطر انتشار القوات العسكرية”.
وقالت حواء إنها لجأت إلى أوغندا، لكنها واجهت تحديات كبيرة هناك أيضًا، إذ لا توجد فرص عمل مناسبة.
كما تأثرت قدرتها على الإنتاج الصحفي نتيجة فقدان الموارد والمقرات داخل المؤسسات السودانية، إضافة إلى فقدان مصادر المعلومات بسبب النزوح والتشتت، وتأثر بعض المصادر بانتمائها لأطراف النزاع.
وأشارت إلى أن الصحفيين في الداخل لا يزالون يواجهون تهديدات مركبة، بما في ذلك التصفية الجسدية والاعتقالات، وأن كثيرين يعملون بأسماء مستعارة للحفاظ على حياتهم، رغم استمرارهم في أداء واجبهم.
وأضافت أن مدينة الفاشر فقدت أكثر من خمسة صحفيين نتيجة القصف والتهديدات، معبرة عن أملها في أن تنتهي الحرب لتتمكن من العمل في بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا.
وبخصوص دور نقابة الصحفيين، قالت حواء إن النقابة بحاجة إلى تفعيل شراكاتها مع المؤسسات الإعلامية الإقليمية والدولية، وتوفير الموارد اللازمة، والبحث عن فرص توطين ولجوء للصحفيين في المنفى، لضمان استمرار عملهم وحمايتهم.
وفي 20 أغسطس 2025، أعربت سارة قضاة، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحفيين الدولية، عن قلقها الشديد إزاء تدهور صحة الصحفي السوداني معمر إبراهيم نتيجة الجوع تحت الحصار في الفاشر.
وأكدت أن الصحفيين في السودان يعيشون ظروفًا غير إنسانية لمجرد ممارسة مهنتهم، مشددة على ضرورة ضمان وصول آمن للغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية لهم وللسكان المدنيين وسط الحرب.
الصحفيات في دارفور لا ينقلن الأخبار فحسب، بل يحملن قصص الناس ومعاناتهم وسط الحرب.
كل يوم يمر عليهن وسط النزوح والخطر والتحرش والتهديد هو شهادة على شجاعة غير مرئية. ورغم كل هذا، يواصلن رفع أصواتهن لنقل الحقيقة للعالم.
صمودهن يذكّرنا بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية. حماية هؤلاء النساء ليست رفاهية، بل واجب إنساني؛ لأن سماع أصواتهن يعني الاعتراف بمعاناة الملايين، والحفاظ على أمل يُضيء وسط الظلام الذي تجلبه الحرب.




أحدث التعليقات