جُبراكة نيوز: أم درمان
نزحت وديعة السر مع أسرتها من منزلهم في حي أبو آدم بالخرطوم، إلى إحدى مدن شمال السودان مع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لكنها لم تمكث هناك طويلاً.
تقول وديعة لـ”جبراكة نيوز” إنهم لم يستطيعوا تحمل أوضاع النزوح القاسية، لاسيما أن الإيجارات كانت مرتفعة، ولم يكن لهم دخل ثابت بعد فقدان عملهم الرئيسي في الخرطوم.
وتضيف: “حين عودتنا وجدنا قوات الدعم السريع تسيطر على المنطقة التي نسكن فيها، ما اضطرنا للنزوح مرة أخرى، ولكن إلى مكان أقرب هذه المرة، في أم درمان”.
بعكس وديعة التي حكت عن أوضاع متردية واجهتهم في أم درمان بعد عودتهم، يُبدي الصحفي محمد عوض أحد سكان محلية أمبدة بأم درمان، مخاوف كبيرة من العودة إلى العاصمة، حتى بعد سيطرة الجيش عليها بالكامل.
ويجمل تحديات العودة في انتشار الحميات والأمراض، وانقطاع التيار الكهربائي عن معظم أنحاء الخرطوم بما في ذلك أم درمان، إضافة إلى حالات الانفلات الأمني في بعض المناطق.
ويستدرك عوض في حديثه لـ”جبراكة نيوز” ويقول: “نعم، تبدو الحياة في بعض أحياء الثورة بأم درمان مستقرة، رغم الدمار الجزئي الذي لحق بالمباني ومحطات الكهرباء، ولكن ذلك في مناطق محدودة”.
ويشير إلى أن “الأهالي في هذه الأنحاء أسهموا في تركيب محولات الكهرباء، كما تشهد بعض المناطق حركة يومية للعمال وهم يرممون المنازل المنهوبة.”
أزمات خدمية حادة
وديعة تقول إنها فضلت المكوث في أم درمان بالرغم من كل المشاكل المحيطة، مشيرة إلى أن الأوضاع تحسنت كثيرًا، فحين عادت كانت المدينة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وتضيف قائلة: “لم نجد لا مياه ولا كهرباء ولا مرافق صحية، بل حتى البقالات والأفران كانت مغلقة”.
وقالت إن الأمان كان معدومًا تمامًا حين عودتها منتصف العام الماضي، ولكن رغم ذلك فضلت أم درمان على بقية الولايات، لأنها تعتقد أن المكان الذي ولدت ونشأت فيه أفضل من مكان جديد تبدأ فيه الحياة من الصفر.
وترى وديعة أن “خروج الدعم السريع من الخرطوم أعاد بعض مظاهر الحياة، لكن أزمة انقطاع الكهرباء والمياه لا تزال قائمة، إذ تنقطع أحيانًا لأيام بسبب الاستهداف بالمسيرات”.
الصحفي محمد عوض، النازح في الدامر بولاية نهر النيل، يقول إن العودة أمر لا بد منه، إذ لا يمكن الاستقرار هناك إلى الأبد رغم توفر الخدمات الضرورية.
ويردف بالقول: “يصعب على من لا يمتلك مصدر دخل ثابت أن يستمر في وضع النزوح في الدامر أو غيرها من المدن”.
ويضيف متحسرَا: “هما أمران أحلاهما مر”.
وأخبر عوض “جبراكة نيوز” بعودته لتفقد منزله في أم درمان، لكنه – للأسف – لم يجد لا أبواب المنزل ولا أي قطعة أثاث متبقية. “فقد تمت سرقة كل المحتويات، حتى الكتب”، مثلما يقول.
تسرد وديعة شيئًا من تجربتها بعد العودة وتقول إنهم استبدلوا في الأشهر الأولى الغاز بالفحم للطهي، واستخدموا الطاقة الشمسية للإنارة وشحن الهواتف، ولجأوا للآبار لجلب ماء الشرب.
وعن التفلتات الأمنية تقول: “بعد خروج الجيش من المناطق السكنية أصبح شباب الأحياء يتناوبون في الحراسة الليلية”، مشيرة إلى ضرورة انتشار الشرطة لبسط الأمن ونشر الطمأنينة بين الناس .
قرار شخصي
المهندس محمد الحاج، أحد الذين نزحوا من الخرطوم، يقول: “بعد عامين من النزوح القسري بسبب الحرب، بدأ آلاف المواطنين العودة إلى ديارهم مع خروج قوات الدعم السريع من مدن العاصمة الثلاث”.
ويضيف في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” أنه على الرغم من عودة آلاف المواطنين إلا أنه من الطبيعي أن يكون هناك شعور بالتردد والقلق بشأن العودة لدى البعض.
ويشرح وجهة نظره: “قرار العودة شخصي للغاية، ويعتمد على عدة عوامل، لكن يمكن تلخيص التحديات الرئيسية التي تواجه العائدين في الوقت الحالي في نقاط أساسية”.
ويوضح الحاج، الذي يسكن أم درمان، إن “الوضع الأمني المتقلب هو التحدي الأكبر، فهناك حالات نهب وسلب ومظاهر تسليح خارج الاطار القانوني، مما يجعل العودة محفوفة بالمخاطر”.
ويتابع: “كما أن تدمير البنية التحتية والمنازل يجعل العودة صعبة، فالكثير من المنازل تضررت، والخدمات الأساسية والرعاية الصحية شبه منعدمة في كثير من المناطق”.
ويواصل: “أضف إلى ذلك الندرة في السلع الأساسية مع ارتفاع الأسعار، فكل هذه العوامل تجعل العودة صعبة على الكثيرين، لاسيما في ظل الظرف الاقتصادي المتدهور”.
وفي حين شرعت السلطات بولاية الخرطوم في تشجيع عودة المواطنين، وبدأت في إصلاح أعطال المياه والكهرباء ونشر الشرطة، يرى الحاج أن الأوضاع يمكن أن تتحسن خلال 6 أشهر إلى سنة.
تقول منظمة الهجرة الدولية، في أحدث بياناتها، إنه من المتوقع أن يصل عدد العائدين إلى الخرطوم إلى حوالي 2.1 مليون شخص هذا العام، مقارنة بخمسة ملايين نزحوا من العاصمة في أوج القتال.
وبينما تعود الحياة تدريجيًا إلى شوارع الخرطوم وأم درمان وبحري، يبقى السؤال: هل ستعود الخدمات مع عودة الناس، أم أن الحرب تركت جراحًا عميقة يصعب التئامها سريعًا؟




أحدث التعليقات