جُبراكو نيوز- الخرطوم: مآب الميرغني
أثار القرار الأخير الصادر من سلطات ولاية الخرطوم، والخاص بإخلاء الشقق المفروشة غير المرخصة، حالة من القلق والتخبط وسط المستأجرين، خاصة في ظل غياب الوضوح حول كيفية تنفيذ القرار وعدم وجود إعلان رسمي يتيح لهم فرصة لتوفيق أوضاعهم. وفي هذا السياق، استنطقت “جُبراكة نيوز” آراء عدد من المستأجرين الذين عبّروا عن قلقهم من تأثير القرار على حياتهم المعيشية، مشيرين إلى حجم المعاناة الإنسانية التي قد تترتب على تطبيقه بصورة مفاجئة.
وأعلنت أمس ولاية الخرطوم عن بدء تطبيق إجراءات صارمة تستهدف الشقق المفروشة غير المرخصة، تشمل الإخلاء والإغلاق الفوري لأي شقة لا تحمل ترخيصًا ساريًا من الإدارة العامة للسياحة.
في 19 أغسطس 2025، كانت الإدارة العامة للسياحة والآثار بولاية الخرطوم قد عمّمت إعلانًا تحذيريًا على ملاك ومديري الشقق المفروشة، شددت فيه على ضرورة الحصول على ترخيص قبل ممارسة النشاط، محذّرةً من أن أي مخالفة ستخضع لنص المادة (20)-(2) من قانون تنظيم العمل السياحي لسنة 2008، والتي تنص على عقوبة الغرامة أو السجن لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. وأكدت الإدارة أن عمليات الرصد والحصر للشقق المفروشة تُنفذ بمشاركة الجهات النظامية، مع ملاحظة تزايد حالات التهرب من استخراج التراخيص، خاصة في محلية كرري.
ويُذكر أن قرارات مشابهة كانت قد صدرت في بعض الوحدات الإدارية بالمحليات، حيث عمّمت لجنة المقاومة الشعبية بوحدة عد بابكر الإدارية – محلية شرق النيل – في يوليو الماضي توجيهًا يقضي بعدم اعتماد أي عقد إيجار جديد دون الحصول على موافقة أمنية مسبقة من اللجنة، معتبرة أن أي عقد يتم إبرامه من دون الإذن يُعد لاغيًا.
تحصيل ضرائب
قالت المواطنة حواء الإمام، التي استأجرت شقة مفروشة في أم درمان منذ الرابع من سبتمبر الجاري، إنها لم تتلقَ حتى الآن أي إخطار من مالك العقار بشأن الإخلاء أو وضعية الترخيص عقب القرار الأخير. وأوضحت في حديثها لـ”جُبراكة نيوز” أنها تسدد إيجار شهر كمقدم ثم تجدد بنهايته، مضيفة: “ما عارفة الشقة مرخصة أو لا، ولو طلب مني الإخلاء ما متأكدة إذا حيرجعوا لي المبلغ، وبصراحة ما متوقعة دا يحصل في الخرطوم“.
وأشارت إلى أن قلقها الأكبر لا يتعلق بالجانب المالي، وإنما بصعوبة العثور على سكن بديل إذا اضطرت للمغادرة، خاصة وأنها ليست من سكان أم درمان ولا تملك خيارات أخرى. إذ تعود أصولها إلى شرق النيل ولكن لطبيعة عملها تتواجد في الخرطوم، وانتقدت اقتصار الإعلان على الملاك دون المستأجرين، معتبرة أن القرار كان يتطلب مهلة لا تقل عن شهر حتى يتمكن المواطنون من توفيق أوضاعهم، لافتةً إلى أن نسبة كبيرة من المستأجرين نازحون بلا بدائل.
ووجهت انتقادات حادة للحكومة، معتبرة أن القرارات الأخيرة تستهدف في المقام الأول تحصيل الضرائب دون مراعاة للظروف المعيشية الصعبة: “المواطن دايمًا واقع بين جشع الملاك اللي برفعوا الإيجارات لأسعار غير منطقية في بلد فيها حرب، وبين الحكومة البتزيد معاناة الناس بقرارات ما فيها أي رحمة بالمستأجر الما عندو ذنب“.
قرار موازي
انتقد أحد مواطني الخرطوم القرار بلهجة حادة، واعتبره “موازيًا” للأولويات الحقيقية، قائلًا في حديثه مع “جُبراكة نيوز” إن على السلطات أن تكرّس جهودها للحد من انتشار الوبائيات والأمراض، وأضاف أن توفير الأمان للمواطنين لا يتحقق بمثل هذه القرارات، بل عبر معالجة قضايا السرقات والنهب التي يتعرض لها الناس يوميًا في محليات الخرطوم.
شهادة نازحة
وفي ذات المنحى، قالت نازحة فضلت حجب اسمها لـ”جُبراكة نيوز” إنها تسكن في شقة مفروشة بأم درمان مع أسرتها منذ فبراير الماضي دون أن يطلب منهم أحد أي مستند يخص الترخيص. وأضافت: “هسي مافي زول سألنا من حاجة برضو، الكلام دا جابوه من وين؟ القرار شكلو ما اتنفذ لسة“.
وأوضحت أنهم نزحوا من دار السلام جنوب الفاشر، مرورًا بالدبة، قبل أن يستقروا في أم درمان في شقة تجمع أختها وأطفالها، وأخيها وأسرته، إلى جانب أسرة والدها، مقابل إيجار شهري يبلغ 1300 جنيه.
وتُظهر الإفادات التي استمعت إليها “جُبراكة نيوز” أن المستأجرين لم يتلقوا أي إشعار مسبق بالقرار، مما يعكس فجوة في التواصل بين السلطات والمواطنين، كما تكشف الشهادات أن أغلب المتضررين من القرار هم من النازحين، ما يجعلهم في وضع هش أكثر من غيرهم. وتُعزز هذه الإفادات الانطباع السائد بين المواطنين بأن القرارات الحكومية تُنظر إليها كإجراءات جباية أكثر من كونها تنظيمية أو تصحيحية.




أحدث التعليقات