الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةالعناوين الرئيسيةتقرير: اضطرابات وقلق وتفكك.. أوجه الحرب الخفية

تقرير: اضطرابات وقلق وتفكك.. أوجه الحرب الخفية

جبراكة نيوز: مهند مرشد

لم تقتصر حرب السودان على مقتل وجرح وفقدان ونزوح آلاف المدنيين، بل تجاوزت آثارها ذلك لتطال المواطن السوداني نفسيًا واجتماعيًا. فمع استمرار المعارك وتفاقم الأزمات الإنسانية، تفشّت الأمراض النفسية بين المواطنين بصورة غير مسبوقة، لتشكّل وجهًا آخر للحرب لا يقل قسوةً وخطورة عن تداعياتها المباشرة.

ويصادف اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي تحتفي به منظمة الصحة العالمية في العاشر من أكتوبر من كل عام، مناسبة لرفع الوعي بالقضايا المرتبطة بالصحة النفسية، وتشجيع الجهود المبذولة لدعم من يمرّون بمشاكل نفسية. وقد جاء شعار هذا العام: «الوصول إلى خدمات الصحة النفسية في الكوارث والطوارئ».

وجوه الصدمة النفسية

تُعرَّف الاضطرابات النفسية المرتبطة بالكوارث والحروب باضطراب ما بعد الصدمة، أو اضطراب الكرب اللاحق للصدمة، وهي حالة نفسية معقدة تصاحبها أعراض متعددة مثل القلق المستمر والاكتئاب واضطرابات النوم والأرق واسترجاع مشاهد الصدمة، ما يجعلها من أخطر تداعيات الحروب على الإنسان.

وقال الباحث النفسي وأستاذ علم النفس العلاجي بجامعة الزعيم الأزهري عبدالله آدم لـ«جبراكة نيوز»، إن أبحاث منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن نحو 95% من المتأثرين بالحروب يحتاجون إلى إسعافات نفسية أولية، فيما تتطلب قرابة 5% من الحالات تدخل استشاريين وأخصائيين نفسيين جراء تعرضهم لصدمات شديدة.

وأكد آدم أن اضطرابات ما بعد الصدمة قد تتطور إلى أمراض نفسية أكثر خطورة إذا لم تتلقَّ الرعاية الكافية، مشيرًا إلى أن بعض الحالات أصيبت بما يُعرف بـ«السلوك التخشبي» الذي أثّر على أدائها اليومي، إذ يعيش بعضهم حالة من الجمود النفسي والذهني، ويربطون كل شيء بالعودة إلى منازلهم.

وأوضح أن الأطفال الذين شهدوا الصراع وتعرضوا لصدمة يتحولون أحيانًا من أطفال نشطين وطبيعيين إلى أشخاص انطوائيين ومنعزلين، وتظهر عليهم أعراض مثل التبول اللاإرادي وسلوك عدائي حاد تجاه الآخرين، كما تميل ألعابهم إلى العنف وتزداد معدلات البكاء لديهم، ما يهدد مستقبلهم النفسي.

ولفت إلى أن الأمراض النفسية قد تنتقل إلى الأطفال عبر تغيّر سلوك الوالدين المتأثرين بالاضطرابات، إلا أن الأطفال غالبًا ما يكونون أسرع استجابة للعلاج مقارنة بالبالغين.

واعتبر آدم أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية بسبب تعرضهن للعنف الجنسي والتحرش، إضافة إلى الأعباء المنزلية الثقيلة ومسؤوليات تربية الأطفال في ظل ضغوط الحرب.

مبادرات ودعم نفسي في قلب المعاناة

وعلى الرغم من تدهور النظام الصحي في السودان خلال الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثين شهرًا، بما في ذلك مراكز الرعاية الصحية التي كانت تعاني أصلًا من ضعف البنية ونقص الكوادر والموارد، فقد أشاد آدم بجهود بعض المبادرات التطوعية التي تقدم خدمات الدعم النفسي بمشاركة مستشارين وأطباء، داعيًا إلى دعمها تقنيًا وماديًا، وإلى إجراء دراسات متخصصة حول الأمراض النفسية في الحروب لوضع استراتيجيات علاج فعالة.

من جانبه، قال المراقب الإنساني صلاح الدين نصر إن المنظمات العاملة في معسكرات النزوح تقدم ما يُعرف بـ«احتياجات الكرامة» التي تراعي الفئات المختلفة، مثل الأطفال والمراهقات، ضمن جهود تعزيز المناعة النفسية.

وأوضح في حديثه لـ«جبراكة نيوز» أن كثيرًا من المواطنين يرون هذه المساعدات مادية، لكنها في الواقع نوع من الدعم النفسي، مؤكدًا أن جميع مشاريع المنظمات المحلية والدولية في أوضاع الطوارئ تتضمن برامج دعم نفسي تشمل إنشاء ما يُعرف بـ«المساحات الصديقة» لامتصاص آثار الحرب.

وأضاف نصر أنه أثناء عمله في مدينة ود مدني قبل سيطرة قوات الدعم السريع عليها في ديسمبر 2024، رُصدت العديد من محاولات الانتحار نتيجة الضغط النفسي والشعور بالفقد والعجز عن أداء المهام اليومية، مؤكّدًا أن بعض الحالات نجحت بالفعل، فيما أنقذت فرق الاستجابة حالات أخرى.

وأشار إلى أن سلوك السودانيين بعد الحرب اتسم بالقلق الدائم والشعور بعدم الطمأنينة، ويتجلى ذلك في سلوكيات مثل تخزين المياه والمصابيح المحمولة والبطاريات بشكل مفرط، ووضع المستندات الشخصية في أماكن يسهل الوصول إليها، وهي مؤشرات على فقدان الشعور بالأمان حتى في المناطق المستقرة.

تفكك اجتماعي ووصمة نفسية

وقال الباحث الاجتماعي مجاهد الصافي لـ«جبراكة نيوز» إن خطابات قادة الأطراف المتحاربة خلّفت آثارًا اجتماعية عميقة، إذ أسهمت في تقسيم الناس مناطقيًا، وفككت الروابط الاجتماعية والأسرية من خلال خطاب إعلامي مشحون بالتحريض، مما أدى إلى تصاعد التوترات القبلية والعرقية والجغرافية.

وأشار إلى أن النزوح الواسع من مناطق الصراع أجبر الأسر على العيش في بيئات اجتماعية جديدة وغريبة عنها، ما أضعف التضامن الاجتماعي، رغم أن بعض الحالات أظهرت بوادر إحياء لقيم التعايش والتكافل.

وأضاف أن فقدان كثير من العادات والتقاليد أثّر في البنية الثقافية والقيمية للمجتمع، مشيرًا إلى أن الأطفال فاقدي السند وذوي الإعاقة يواجهون مخاطر اجتماعية كبيرة في المجتمعات الجديدة، إذ يصبحون أكثر عرضة للاستغلال والتجنيد القسري من قبل أطراف الصراع.

ويرى مختصون أن طلب العلاج النفسي في المجتمع السوداني ما زال مرتبطًا بـ«وصمة عار»، فضلًا عن الاعتقاد الخاطئ بأن الأدوية النفسية تسبب الإدمان، بينما يُنظر إلى الشيوخ على أنهم يقومون بدور المعالجين النفسيين، بحكم الموروث الديني والاجتماعي.

ولا يزال كثير من السودانيين يفسّرون الاضطرابات النفسية تفسيرات دينية، ويخضعون علاجها للممارسات التقليدية، في مشهد يعكس التحديات التي تواجه إدماج الصحة النفسية ضمن منظومة الرعاية المجتمعية في السودان.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات