جُبراكة نيوز: مآب الميرغني- نعمات الحاج
»الطيّارة قامت».. هو التوصيف الذي يُطلق على أحد أكثر أساليب التعذيب وحشية لدى الجماعات المسلحة في السودان. إذ ُتُعلَّق الضحية من يديها ورجليها على أحد الأعمدة أو الأشجار بطريقة تُحاكي شكل الطائرة. وقد عُرفت هذه الطريقة كتقليد ظلّ يمارسه المقاتلون وأجهزة الأمن ضد خصومهم في السودان.
أثناء الحرب الجارية، وخلال هذا العام، تكرّر هذا المشهد المروّع، ورآه كل السودانيين على منصات التواصل الاجتماعي. غير أنّ الضحية هذه المرة لم تكن جنديًا ولا مقاتلًا، بل فتاة مدنية تُدعى قسمة علي عمر من مدينة زالنجي بوسط دارفور.
في مقطع فيديو صادم تمّ تداوله على مواقع التواصل في سبتمبر الماضي، ظهرت قسمة ـ التي كُشف لاحقًا عن مقتلها على يد قوات الدعم السريع ـ وهي تُعذَّب بطريقة مروّعة، فيما كان الجاني الذي ينتمي إلى تلك القوات يوثّق فعلته ضاحكًا.
أثار المشهد موجة غضب عارمة على المنصات، وطرح تساؤلات حول الدافع وراء هذا العنف المفرط ضد امرأة أعزل. وكشف تقرير أعدّته »جُبراكة نيوز« أنّ حادثة قسمة لم تكن مجرّد واقعة فردية، بل نمطٌ ممنهج يتبعه المقاتلون أثناء صراعاتهم السلطوية في السودان، عبر استهداف النساء.
قسمة لم تكن الضحية الأولى، وربما لا تكون الأخيرة. فمنذ اندلاع النزاعات في السودان ـ من حرب الجنوب مرورًا بجبال النوبة ودارفور وصولًا إلى حرب أبريل الأخيرة ـ دفعت النساء الثمن الأكبر، بعد أن تحوّلت أجسادهن إلى ميدانٍ للحرب: قتلٌ واغتصابٌ واعتقالٌ وسبي.
أمل صالح.. من النزوح إلى الرعب
تروي أمل صالح، وهي شاهدة من مدينة المالحة بشمال دارفور، لـ«جُبراكة نيوز» ما شهدته عقب دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة في مارس 2024.
تقول إنها نزحت من أم درمان بالخرطوم إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، ثم إلى مليط بولاية شمال دارفور، حيث كانت تقيم أسرة زوجها منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. لكن تصاعد القصف والانتهاكات في مليط دفعها لمحاولة العودة إلى كوستي عبر المالحة، غير أنّ قوات الدعم السريع سيطرت على المدينة وأغلقتها لأسبوعين، وارتكبت خلالها أبشع الجرائم من قتل ونهب واغتصاب.
تحكي أمل أنهم كانوا في «حوش الجمارك» حين اندلع حريق ضخم بسبب تناكر الوقود. لجأوا إلى منزل قريب، لكن عنصرين من الدعم السريع اقتحما المكان، أطلقا النار في الهواء، وهددا بإخراج الشباب المختبئين. وبعد مغادرتهما بدقائق، عادا عندما سمعا بكاء إحدى الفتيات.
تقول أمل: «صرخ أحدهم غاضبًا: (البكاء الدايراهو دا بتلقيه مني الليلة). أخذ الفتاة إلى فناء آخر، وسمعنا صراخها من داخل العريشة. كنّا عاجزات عن التدخل لأن الجندي الآخر كان يصوّب سلاحه نحونا
لاحقًا، علمت أمل أنّ عشرات الفتيات في المدينة تعرّضن للاغتصاب، بينهنّ بنات تاجر وقود، وأخريات تجمعهنّ صلة قُربى بمقاتلين في صفوف «المقاومة الشعبية«.
الفاشر – طويلة.. 90 حالة في شهر واحد
تشير تقارير حقوقية متطابقة إلى أنّ مدينة الفاشر ومحيطها شهدا أكبر عدد من الاعتداءات الجنسية ضد النساء أثناء فرارهنّ من المدينة المحاصرة.
قال موظف بإحدى المنظمات الحقوقية إنّ الطريق بين الفاشر وطويلة عبر «قرني حلة الشيخ» سجّل نحو 90 حالة اغتصاب في شهر واحد.
إحدى الناجيات، تُدعى سارة (27 عامًا)، وافقت على مشاركة قصتها التي وقعت تفاصيلها في يوليو الماضي. تقول لـ«جُبراكة نيوز»: «طلعت من الفاشر مع أختي قاصدين طويلة عبر كورما. تعبنا فقررنا نبيت في شقرا غرب الفاشر. لقينا عربية دعم سريع فتّشتنا ومشوا، لكن بعد شوية جاتنا عربية تانية عند الغروب. ودونا ورا شجر العُشر واعتدوا علينا«.
تضيف سارة بصوتٍ بدا أنّ كل تلك الفظائع لم تهزه: «ما عندي أي مشكلة الناس تعرف قصتي، الزول لازم يشيل حقّو«.
كلمندو.. فتيات بين 12 و16 عامًا
في كلمندو جنوب شرقي الفاشر، اقتحمت قوات الدعم السريع قرية صغيرة انتقامًا من الأهالي بعد معركة خسرتها هناك. فرّ السكان مع فتياتهم إلى المزارع شرق المنطقة، لكن القوة لحقت بهم واغتصبت ثلاث فتيات تتراوح أعمارهنّ بين 12 و16 عامًا.
تروي شاهدة تُدعى (س.ع) ـ وهي من أقرباء إحدى الضحايا ـ أنّه في أبريل هذا العام حضر أفراد من الدعم السريع وقالوا للأهالي إنهم سيحققون مع الفتيات ثم يعيدونهنّ، لكنهم أخذوهنّ خلف تلة رملية واعتدوا عليهنّ جنسيًا بوحشية، قبل أن يختفوا تاركين أجسادهنّ ملقاة على الأرض.
تضيف (س.ع): «أهل البنات مشوا للارتكاز القريب ودوّنوا بلاغًا، لكن انتهى الموضوع هناك. الحمد لله ما حصل حمل، لأن قابلة لحقت وأدتهن حبوب منع الحمل«.
عنفٌ ممنهج ضد النساء
ضمن نشاطاتها التوثيقية، تتابع منظمة مشاد الحقوقية الانتهاكات الممنهجة ضد النساء في دارفور منذ اندلاع الحرب.
يقول الدكتور أحمد عبدالله، رئيس المنظمة، لـ«جُبراكة نيوز» إنّ الوضع في الفاشر بلغ مستوى من التوحش غير المسبوق، مؤكّدًا أنّ المئات من النساء والفتيات يتعرّضن للاعتقال والاغتصاب، وبعضهنّ قُتلن تحت التعذيب، وأخريات يُجبرن على العمل القسري في خدمة المليشيات.
ويشير إلى أنّ القتيلة قسمة علي عمر كانت من بين من حاولن الفرار من الفاشر قبل أن تُعتقل وتُعلّق على شجرة في سبتمبر الماضي. قاومت محاولة اغتصابها بشجاعة، فقام الجناة بتعذيبها حتى الموت لبثّ الرعب في نفوس الأخريات.
صمت موجع
منذ حروب الجنوب ودارفور إلى الحرب الحالية، ظلّ العنف الجنسي أحد أبشع الأسلحة المستخدمة في النزاعات السودانية.
غير أنّ الأرقام المعلنة حول هذه الجرائم لا تعكس الواقع، إذ يصعب الوصول إلى الضحايا في ظلّ انقطاع الاتصالات وغياب الأمن، فضلًا عن السياق الاجتماعي المحافظ الذي يدفع النساء إلى الصمت خوفًا من الوصمة.
ذلك الصمت ـ كما تكشف جُبراكة نيوزـ لم يكن حماية، بل غطاءً لتمادي الجناة. وبينما تواصل النساء دفع الثمن، يواصلن في الوقت ذاته الصمود؛ أجسادهنّ تصرخ بالحق، وتشهد أنّ الحرب لم تنتصر عليهنّ بعد.
تبقى هذه القصص عيّنة صغيرة من آلاف القصص التي لم تُروَ بعد، لنساءٍ يحلمن بعدالةٍ تُعيد إليهنّ كرامتهنّ، وتجعل من أجسادهنّ دليلًا على النجاة لا على الانكسار.




أحدث التعليقات