جُبراكة نيوز: لاهاي
أصدرت الدائرة الابتدائية الأولى بالمحكمة الجنائية الدولية، اليوم 9 ديسمبر 2025، حكمًا بسجن علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ“علي كوشيب”، لمدة 20 عامًا، وذلك عقب إدانته بارتكاب 27 تهمة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت في دارفور بين أغسطس 2003 وأبريل 2004.
وقالت المحكمة في بيان الثلاثاء إن العقوبة صدرت بعد تقدير خطورة الجرائم والظروف الشخصية للمدان، إضافة إلى عوامل أخرى تشمل درجة المشاركة، ونية المدان، والأضرار التي لحقت بالضحايا. وأوضحت أن الدائرة أخذت في الاعتبار بعض الظروف المخففة، وفقًا لنظام روما الأساسي الذي يحدد 30 عامًا كحد أقصى للعقوبة، أو السجن المؤبد في حال كانت الجرائم على درجة عالية من الخطورة.
وأكد البيان أن للادعاء والدفاع حق استئناف الحكم خلال 30 يومًا، لافتًا إلى أنه سيتم خصم فترة احتجاز كوشيب منذ 9 يونيو 2020 من مدة العقوبة الكلية.
وكان قائد كوشيب قد سلّم نفسه طوعًا للمحكمة الجنائية الدولية في جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2020، بعد أقل من عام على سقوط الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، وذلك استنادًا إلى مذكرة توقيف أصدرتها المحكمة عام 2007.
وبدأت جلسات المحاكمة أمام الدائرة الابتدائية الأولى في 5 أبريل 2022، حيث استمعت المحكمة إلى 56 شاهدًا في مرحلة عرض قضية الادعاء. وفي 5 يونيو 2023، قدّم الممثلون القانونيون للضحايا بيانهم الافتتاحي، كما سُمح لهم خلال يونيو وأكتوبر من العام نفسه باستدعاء شاهد واحد وتقديم مداخلات الضحايا.
واستدعى الدفاع 18 شاهدًا، قبل تقديم البيانات الختامية بين 11 و13 ديسمبر 2024. وفي 6 أكتوبر 2025، قضت المحكمة بإدانة كوشيب في 27 تهمة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتُكبت في دارفور.
من جانبه، قال المحامي والمدافع الحقوقي عبدالباسط الحاج لـ“جُبراكة نيوز” إن الحكم يشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقعت في منطقة وادي صالح بوسط دارفور، مشيرًا إلى أن غالبية الضحايا كانوا تستهدف في الأساس أبناء “الفور”. وأضاف أن عقوبة الـ20 عامًا تُعد من أقسى العقوبات التي تصدرها المحكمة، غير أن كوشيب سيقضي فعليًا 15 عامًا فقط بعد خصم مدة الحبس السابقة، وفق عبدالباسط.
ولفت الحاج إلى أن تنفيذ الحكم –في حال أصبح نهائيًا– سيتم في دولة تختارها المحكمة شريطة أن تكون طرفًا في نظام روما الأساسي، مؤكدًا أن للمدان ومحاميه حق استئناف القرار، وأن الحكم يصبح نهائيًا في حال عدم تقديم الاستئناف أو صدور قرار من محكمة الاستئناف.
وفي سياق ذي صلة، اعتبر الحاج محاكمة كوشيب “واحدة من أهم المحاكمات في مسار الصراع السوداني”، مضيفًا أن الجنجويد ارتكبوا “أبشع الجرائم التي أوقعت آلاف الضحايا من المدنيين”، وأن الحكم الصادر يمثل “بارقة أمل للضحايا ورسالة واضحة بأن الإفلات من العقاب ليس قدرًا محتومًا”.
من جهتها، قالت مجموعة محامو الطوارئ في بيان عقب صدور الحكم إن محاكمة كوشيب أثبتت، من خلال ما ورد فيها من وقائع وارتباطات مباشرة، ضلوع قادة نظام البشير في تلك الانتهاكات، وهم ذات القادة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية منذ سنوات.
وأشارت المجموعة الحقوقية إلى أن الحكم يشكل خطوة مؤثرة في مسار توثيق الانتهاكات التي جرت في السودان، “بما فيها الانتهاكات المستمرة خلال النزاع الدائر”، مؤكدة أنه يعزز الثقة في الآليات الدولية باعتبارها مسارًا يحقق العدالة للضحايا في ظل “غياب منظومة عدلية وطنية مستقلة”.
ولفت بيان “محامو الطوارئ” إلى أن الحكم يضع مسؤوليات إضافية على المجتمع الدولي للضغط من أجل تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وعلى رأسهم قادة النظام السابق المتورطون في الجرائم المثبتة، مشددًا على “ضرورة توسيع نطاق التحقيقات ليشمل الانتهاكات الأحدث في مختلف مناطق السودان”.
وأكد البيان أن تحقيق العدالة لضحايا دارفور وسائر النزاعات في السودان “حق غير قابل للتقادم”، وأن “المساءلة والعدالة يجب أن تظلا أولوية مطلقة لجميع الجهات المعنية”.
يُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد وجّهت سابقًا للرئيس المخلوع عمر البشير خمس تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وثلاث تهم بالإبادة الجماعية، وتهمتين بارتكاب جرائم حرب عن أفعال ارتُكبت بين عامي 2003 و2008.
كما وجّهت المحكمة في عام 2012 تهمًا تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لوزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الداخلية الأسبق أحمد هارون، وهما من أبرز قادة نظام الإنقاذ الذي أسقطته ثورة ديسمبر 2019، إلا أن كليهما ما زال خارج قبضة العدالة، كما عطّلت الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين محاكماتهم أمام القضاء الوطني.




أحدث التعليقات