السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةتقارير7 سنوات على ديسمبر.. مواكب الثوار تطوف الخرطوم والشرطة تدخل

7 سنوات على ديسمبر.. مواكب الثوار تطوف الخرطوم والشرطة تدخل

 

جبراكة نيوز: تقرير – أم درمان

مرّت سبعة أعوام على ثورة ديسمبر، التي سطّرها الشعب السوداني بتضحياته ودمائه، لتصبح واحدة من أعظم الملاحم الشعبية ضد الظلم والاستبداد. اندلعت الثورة في 19 ديسمبر 2018 احتجاجًا على غلاء المعيشة، وتفشي البطالة، وارتفاع الأسعار، وانعدام حرية التعبير، وتضييق الخناق على المعارضين لحكم المؤتمر الوطني بقيادة الديكتاتور عمر حسن البشير.

أدّت المظاهرات والعصيان المدني في شوارع الخرطوم والولايات، والاعتصامات في الميادين، إلى إسقاط النظام في 11 أبريل 2019.

ومع أن البداية كانت للمطالبة بإصلاحات اقتصادية، تحوّل الحراك لاحقًا إلى مطلب إسقاط النظام بالكامل، ثم مطالب تتعلق بالحكم المدني الديموقراطي وابعاد العسكر عن السلطة.

ورغم مرور سبع سنوات، لا يزال النظام البائد يحاول العودة إلى السلطة، منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي قاده رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه حينها محمد حمدان دلقو، ووصولًا إلى حرب 15 أبريل 2023 ما يجعل ذكرى ديسمبر لحظة حيّة في وجدان كل سوداني وسودانية.

صور ومواكب حية وتطورات ميدانية:

في ذكرى ثورة ديسمبر، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور المواكب والمليونيات، ولافتات كتب عليها شعارات مثل: “لا لحكم العسكر”، “19 ديسمبر”، “حرية وسلام وعدالة”، و”الثورة نارها حية”. كما شهدت بعض الولايات مثل الخرطوم، وأم درمان، والولاية الشمالية مواكب حية لإحياء الذكرى.

وخرجت عدد من الكيانات الثورية بما في ذلك عدد من لجان المقاومة في محلية أمدرمان بالعاصمة الخرطوم، وتجمع الموكب الساعة الواحدة ظهرا في ميدان الخليفة بأمدرمان، مرددًا شعارات ثورية متعلقة باستعادة الحكم المدني، والقصاص “لشهداء الثورة” في خطوة متقدمة وغير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في البلاد.

وأفادت مصادر ميدانية “جبراكة نيوز” بأن شرطة ولاية الخرطوم عملت على فض الموكب باستخدام الغاز المسيل للدموع في مواجهة المتظاهرين، مؤكدةً تعرضه إلى قمع، إضافة إلى أن عدد من الثوار تعرضوا إلى عمليات نهب طالت هواتفهم ومتعلقاتهم من قبل منسوبي الشرطة.

وقال م. س. وهو أحد الأعضاء الفاعلين في لجان المقاومة في أمبدة بمدينة أم درمان لـ”جبراكة نيوز”، إن خروج مواكب تدعم ثورة ديسمبر في هذا اليوم هو “محطة عبور ونقطة تحول كبرى”، مؤكدًا أن هذا اليوم إذا كان قد مضى دون أن تتخذ خطوة الخروج للشوارع هذه، قد يمثل ذلك موتًا فعليًا للثورة.

وأوضح أن هذا اليوم سيعيد كافة الاعتبارات للثورة التي اعتقد الكثيرون أنها قضي عليها، غير أن هذه الخطوة أثبتت حاجة مهمة في قضية الثورة وصوتها.

وأكد أن ثورة ديسمبر نجحت في تحقيق هدفها الأساسي متمثلًا في اسقاط نظام الانقاذ، بسبب فساده. غير أن الثورة اصطدمت بما أسماه عقبة “الفساد البنيوي الكامن في مؤسسات الدولة” مرجعًا ذلك أيضًا لبقايا النظام البائد، وشبكات مصالحه، موضحًا أن الثورة ليس أمامها طريق للاستمرار سوى تحديد هدف هو “سودان بلا كيزان”، كحد أدنى جامع ببن كل قوى الثورة.

ديسمبر مسار مستمر:

الذكرى السابعة لثورة ديسمبر في ظل أوضاع سياسية وإنسانية معقدة، لتعيد إلى الواجهة جوهر الثورة وأهدافها في الحرية والسلام والعدالة. وأكدت بيانات القوى السياسية والمجتمعية أن ديسمبر لم تكن حدثًا عابرًا، بل مسارًا نضاليًا مستمرًا شكّل وعيًا جمعيًا متجددًا لدى الشعب السوداني.

وأشارت قوى سياسية مثل حزب المؤتمر السوداني إلى أن الثورة جاءت نتيجة ثلاثة عقود من القمع، وأن الانتكاسات التي أعقبت الفترة الانتقالية والحرب الحالية تمثل محاولات للانقلاب على مكتسبات ديسمبر، مؤكدة أن الثورة ما زالت حيّة، والتمسك بالحكم المدني الديمقراطي هو السبيل لإنهاء الأزمة وبناء دولة القانون.

بنية دولة مبنيةً على العنف

وعن الحرب وأثرها على ثورة ديسمبر يقول الباحث في دراسات السلام مجاهد الصافي إن الحرب لا تعتبر افشال للثورة وللانتقال الديمقراطي، وإنما يرى أنها  احدثت خرقًا في نظام الحكم الديكتاتوري في السودان واستطاعت أن تضع السودان أمام تحول ديمقراطي جديد بالآيات سلمية، ما يعد نجاحًا لثورة ديسمبر.

وأشار في حديثه لـ”جبراكة نيوز” إلى أن تعثر الانتقال أتى نتيجةً لبنية الدولة التي وصفها بأنها مبنية على العنف وسلطة السلاح، لافتًا إلى أن تجربة الكفاح المسلح الطويلة في البلاد أدت إلى أن تحرص الدولة لحماية السلطة بالسلاح، وأكد أن الثورة نجحت في الإطاحة بنظام الانقاذ من الداخل وبأدوات سلمية، ما جعلت السودان أمام تحول ديمقراطي حقيقي.

لافتًا إلى أن هذا التحول الديموقراطي تعثر نتيجةً لعدم امتلاكه غير الأدوات السلمية والإصلاح المدني المدعوم من قبل الحركات المطلبية الاحتجاجية ودعم المجتمع الدولي، واختتم  الصافي حديثه بأن ديسمبر رغم ذلك الفرصة متاحة أمامها للعودة لخط التحول الحقيقي.

وفي السياق نفسه، شددت منظمة مشاد على ضرورة المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، معتبرة أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بإنهاء الحروب، وتفكيك المليشيات، وبناء دولة مدنية عادلة تحترم حقوق الإنسان.

وربطت قوى وطنية مثل التجمع الاتحادي بين ثورة ديسمبر ومسار النضال التاريخي للشعب السوداني منذ الاستقلال، معتبرة أن إنهاء الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي يمثلان جوهر الصراع الراهن.

أما الاتحاد النسائي السوداني، فسلط الضوء على التأثيرات الكارثية للحرب على النساء والأطفال، مؤكدًا أن الوفاء لعهد ديسمبر يقتضي وقف الحرب فورًا، وفتح الممرات الإنسانية، وضمان وصول الغذاء والدواء، وحماية المدنيين، مع استمرار المطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم.

ومن جهتها، دعت لجان مقاومة السودان والقوى الموقعة على الميثاق الثوري إلى توحيد صفوف القوى الثورية والوطنية، وتنظيم الفعل السلمي رفضًا للحرب والتدخلات الخارجية، وتمسكًا بأهداف الثورة، مؤكدة أن جذوة ديسمبر ما تزال متقدة رغم الحرب والدمار.

اختتمت البيانات بالتأكيد على أن ذكرى ثورة ديسمبر تجدد العهد مع الشهداء، ورسالة واضحة بأن الثورة مستمرة حتى تحقيق دولة مدنية ديمقراطية، يسودها السلام، وتُصان فيها الحقوق، وتتحقق تطلعات الشعب السوداني.

ديسمبر.. مشروع مستمر:

أكد سامي الباقر، المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، أن ثورة ديسمبر ما زالت حية، وأنها قامت من أجل قضايا ومشروع حقيقي يسعى للتغيير. وأوضح أن مشروع التغيير يمثل الطريق للوصول إلى حلول مستدامة للمشكلات التي يعاني منها السودان منذ الاستقلال.

وأضاف الباقر أن الثورة ليست حدثًا عابرًا، بل مشروع مستمر لبناء وطن معاف ومزدهر، مشيرًا إلى أن جذوة الثورة لا تزال مشتعلة، وأن “الديسمبريون” لن يستسلموا، كونهم وحدهم يحملون مشروع التغيير نحو الأفضل.

مستمرة إلى استئصال الظلم والفساد:

من جهته، يرى عمر زهران، المتحدث الرسمي باسم لجان المقاومة، أن ثورة ديسمبر ليست حدثًا لحظيًا، ولا كان هدفها مجرد إسقاط نظام 30 يونيو، بل هي فعل تراكمى وصل ذروته في 19 ديسمبر واستمر حتى 11 أبريل لإسقاط النظام البائد وخلق وعي شعبي.

وأوضح أن الثورة، رغم الانتكاسات والانكسارات والمؤامرات على المستويين المحلي والإقليمي، ما تزال حيّة طالما هناك من يقاوم الظلم والاضطهاد، مؤكداً أن شعلتها ما تزال موقدة.

وأضاف أن الدعوات للمواكب وظهورها على منصات التواصل الاجتماعي تعكس استمرار الحراك الشعبي، وأن الثورة الآن في مرحلة فرز الأوراق، وفهم العدو بدقة، وتجربة وتطوير الأساليب، لكنها ستظل مستمرة حتى تتحقق شعاراتها في الحرية والسلام والعدالة، وإلى أن يتم استئصال الظلم والفساد من السودان.

حية رغم الحرب:

د. بكري الجاك، الناطق باسم تحالف صمود، قال إن ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة تمر في وقت تعيش فيه البلاد أصعب الظروف، حيث يعاني الشعب من ويلات الحرب، ويشرد الكثيرون بين الفيافي ودول الجوار، كما تواجه البلاد أسوأ حالة انقسام اجتماعي بسبب خطاب الكراهية والتحشيد.

وأضاف الجاك في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” أن التفاف الشعب السوداني في كل بقاع الأرض حول شعارات الثورة واحتفائهم بها يؤكد أن الثورة ما زالت حية في صدور الناس، وأن نبراسها ما زال ينير طريق البلاد نحو إنهاء الحرب ومرارتها، عبر التوافق حول مشروع وطني قائم على المواطنة المتساوية والعدالة والحرية.

ويقول الكاتب الصحفي فرح أبو روضة لـ”جبراكة نيوز”، إن التآمر على ثورة ديسمبر بدأ مبكرًا قبل سقوط نظام الانقاذ واستمر بعده عبر مراحل متتالية، دفعت وما يزال يدفع السودان وشعبه ثمنه الباهظ، وصولًا إلى الحرب الحالية التي اعتبرها مرحلة حاسمة لقوى الثورة المضادة، تجلّت في تدمير البنى التحتية والتهجير والقتل وحروب الإبادة بهدف الهيمنة على البلاد.

مشيرًا إلى أنه رغم تعدد المبادرات الخارجية لوقف الحرب، وعلى رأسها مبادرة الرباعية، ورغم ما صاحبها من تدخلات خارجية معيقة أسهمت في تعقيد الأزمة، فإن بعض بنود هذه المبادرات يمكن الاستناد إليها كمدخل لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة.

وتابع: من بينها الإعلان عن هدنة لفترة زمنية ومراقبتها، وفتح المعابر إيصال المساعدات الانسانية، ثم التمهيد للدخول في عملية سلام مستدامة، منوها إلى أن قيام المجتمع الدولي بواجبه تجاه السودان وشعبه، أمر ملزم يجب الا يخضع لموازين المصالح الإقليمية والدولية الحل السوداني المستند على مطالب وشعارات ثورة ديسمبر المجيدة.

الثورة في عيون البعض

أحد ثوار ديسمبر لجأ إلى دولة ليبيا عقب اندلاع الحرب في البلاد، يقول إن الثورة تغيرت عند الكثير  من اللاجئين السودانيين في مناطق غرب ليبيا، نتيجةً لما تعرضوا لهم من فظائع جراء الحرب في دارفور وكردفان، مؤكدًا أن ما بقي من ذاكرتهم ألم فقدان الحرب، لا جمال ومطالب ثورة ديسمبر السلمية، التي انتزعتها الحرب، وفق قوله.

ويشير إلى أن الكثير من الفاعلين كانوا ينظرون إلى الثورة على أنها فعل لم تكتمل شروطه المتمثلة في نضوج الوعي السياسي بما في ذلك مؤسسات حزبية أثبتت عدم أهليتها لقيادة البلاد وأن هذه الفئة ترى أن انعدام الوعي أدى لخوض هذه الحرب الجارية، نتيجة لترك عملية تعدد الجيوش في الوقت الذي كان بامكانهم فعل شيء يحد من تعددها.

أمل في استعادة الثورة

الشاعر والمثقف السوداني بدر الدين صالح عيسى قال لـ”جبراكة نيوز” إن ثورة ديسمبر، رغم تعثرها وعدم بلوغ غاياتها النهائية، ما تزال مستمرة بوصفها فعلاً تراكمياً طويل الأمد، مشيرًا إلى أن الإحباط الذي أصاب بعض الثوار نابع من تصور خاطئ بأن الثورات تحقق أهدافها سريعاً.

موضحًا أن التغيير السياسي والاجتماعي يتطلب وقتاً أطول، واستشهد بتجارب ثورية استمرت لسنوات قبل أن تؤتي ثمارها من بينها الثورة السورية.

وأشار صالح إلى الدور المحوري الذي لعبه الشعراء والمبدعون في إشعال الثورة وصناعة وجدانها، من خلال شعارات وأعمال أدبية أسهمت في توحيد الشارع وتعزيز الإيمان بحتمية التغيير.

ولفت إلى أن الحرب أعادت تشكيل مواقف السودانيين، ما انعكست هذه الانقسامات في الخطاب الثقافي، بما في ذلك الشعر، في ظاهرة تعكس عمق الأزمة لكنها تبقى مرتبطة بزوال أسباب الصراع ومعالجته.

وتمر الذكرى السابعة لثورة ديسمبر في ظل تحديات كبيرة، بين حرب وانتكاسات سياسية، لكنها تظل رمزًا للصمود والإصرار على الحرية والعدالة.

ما شهدته البلاد من مواكب وإحياء للذكرى، ومن بيانات القوى السياسية والمجتمعية، يؤكد أن الثورة ليست حدثًا عابرًا، بل مشروع مستمر لبناء وطن ديمقراطي عادل. والالتزام بأهداف ديسمبر في الحرية والسلام والعدالة ومحاربة الفساد والظلم يظل الطريق لضمان مستقبل مزدهر للسودان وشعبه.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات