الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةتقارير2025.. عام الانهيار الصحي في السودان بين الحرب والأوبئة

2025.. عام الانهيار الصحي في السودان بين الحرب والأوبئة

 

جبراكة نيوز: تقرير – مآب الميرغني

مع دخول الحرب في السودان عامها الثالث خلال 2025، تحولت الأزمة الصحية من حالة طوارئ مؤقتة إلى انهيار هيكلي شامل.

وبحسب تحذيرات منظمة الصحة العالمية في 23 ديسمبر 2025، بات النظام الصحي مهددًا بالانهيار الكامل، وسط تفشي واسع للأوبئة وسوء تغذية حاد ونقص في التمويل والكوادر، في وقت لا تزال فيه المرافق الصحية هدفًا مباشرًا للهجمات.

حين سقطت المستشفيات أولًا

في مطلع عام 2025، بدأت ملامح الانهيار البنيوي للقطاع الصحي تتكشف بوضوح، ووفق تقرير قناة الجزيرة نُشر في يناير 2025، أدت الحرب إلى إخراج أكثر من 20 مستشفى تخصصيًا وما يزيد عن 40 مركزًا صحيًا عن الخدمة في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، بعد تعرضها لدمار واسع.

وأشار التقرير إلى أن مستشفى ود مدني التعليمي، الذي كان يخدم أكثر من 6 ملايين شخص، تعرض لأضرار جسيمة، كما دُمرت أكثر من 200 صيدلية، ما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من الأدوية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة والأوبئة. هذا التدمير الواسع شكّل ضربة مباشرة لقدرة النظام الصحي على الاستجابة لأي طارئ لاحق.

تفشي الأوبئة منتصف العام

بحلول منتصف 2025، بدأت نتائج الانهيار تظهر في تفشي الأوبئة. وفق تقرير وكالة السودان للأنباء (سونا)، 15 يوليو 2025، سُجلت 674 إصابة جديدة بالكوليرا و13 وفاة خلال الأسبوع السابع والعشرين فقط، لترتفع الحصيلة التراكمية إلى 87,762 إصابة و2,264 وفاة في 111 محلية بـ17 ولاية.

كما شملت الحالات إصابات بحمى الضنك في الخرطوم، والحصبة دون وفيات، إضافة إلى وفيات بسبب ضربات الشمس في البحر الأحمر والشمالية، في مؤشر على هشاشة النظام الصحي وتراجع قدرة المرافق على الاحتواء.

الأطفال في قلب الكارثة

خلال أشهر الصيف، تزايدت المخاطر على الأطفال. وفي أغسطس 2025، أفادت منظمة اليونيسف بأن بلدة طويلة في شمال دارفور سجلت أكثر من 1,180 حالة إصابة بالكوليرا منذ 21 يونيو، بينها نحو 300 حالة بين الأطفال، إضافة إلى 20 وفاة.

حتى 30 يوليو 2025، بلغ إجمالي حالات الكوليرا في ولايات دارفور الخمس 2,140 حالة و80 وفاة. أكثر من 640 ألف طفل دون الخامسة يواجهون مخاطر متزايدة من المرض والجوع، مع تضاعف حالات سوء التغذية الحاد الوخيم في شمال دارفور خلال عام واحد.

سوء التغذية الكارثة الصامتة

بحلول الربع الأخير من 2025، كشفت أطباء بلا حدود، 25 نوفمبر 2025 عن أرقام صادمة بين النازحين في الفاشر، حيث يعاني أكثر من 70% من الأطفال دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، و35% من سوء التغذية الحاد الشديد.

كما يعاني 60% من البالغين المفحوصين من سوء التغذية، بينما نصف النساء الحوامل في الفاشر (حوالي 6,500 امرأة) يعانين من سوء التغذية الحاد.

وقد سجلت وفيات بين الأطفال الذين عولجوا في مستشفى الدمازين التعليمي بالنيل الأزرق بين يوليو وسبتمبر 2025.

الواقع مقابل الطمأنة

في 9 أغسطس 2025، حاول وزير الصحة د. هيثم محمد إبراهيم تهدئة المخاوف في مقابلة مع الجزيرة نت، مؤكدًا أن معدل وفيات حمى الضنك منخفض جدًا وأن أكثر من 80% من الحالات يمكن علاجها في المنازل.

لكن هذه التصريحات جاءت في وقت كانت فيه المنظمات الإنسانية تشير إلى تزايد الإصابات، ونفاد الأدوية من الصيدليات بسبب الهلع، وتدهور البيئة الصحية نتيجة تدمير المنازل وتراكم المياه الراكدة.

دارفور: أزمة صحية كارثية

وفق اندبندنت عربية، ديسمبر 2025، تقلصت المستشفيات والمراكز الصحية في دارفور إلى أقل من 40% من طاقتها السابقة، ما أعاق وصول السكان للخدمات الأساسية وزاد معاناتهم.

توقفت معظم المرافق، باستثناء مستشفيات مثل جبل مرة، فيما تعرضت مراكز غسيل الكلى للتخريب والنهب. واستهدفت القوات المسلحة و”الدعم السريع” المستشفيات، ما أدى إلى مقتل وخطف الكوادر الطبية.

انتشرت الأمراض المعدية (الحصبة، الكوليرا، الملاريا، حمى الضنك)، وسوء التغذية وفقر الدم، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل. وارتفعت وفيات الأمهات في جنوب دارفور إلى أكثر من 7% بين يناير وأغسطس 2024، مع تقلص مرافق الرعاية الإنجابية من 164 إلى 44، والمستشفيات الريفية من 14 إلى 7 فقط.

تعرضت المستشفيات لهجمات بالقصف المدفعي والجوي، مع توثيق أكثر من 90 هجومًا على المستشفيات والمدارس خلال 2024، ما دفع بعض المنظمات مثل أطباء بلا حدود لتعليق أعمالها في مناطق محددة، وزاد خطر وفاة المرضى المصابين بالأمراض المزمنة.

تعافٍ محدود

في سبتمبر 2025، أفادت شبكة أطباء السودان بعودة 34 مستشفى و214 مركزًا صحيًا للعمل في ولاية الخرطوم، بعد عامين من الحرب التي بدأت في أبريل 2023.

مع ذلك، أكدت الشبكة أن 46 مستشفى لا تزال خارج الخدمة، ما يعكس هشاشة هذا التعافي وعدم قدرته على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.

قتلى الكوادر الطبية

وفق شبكة أطباء السودان، 15 ديسمبر 2025، ارتفع عدد قتلى الكوادر الطبية منذ أبريل 2023 إلى 234، مع أكثر من 507 جرحى، و59 مفقودًا، و73 محتجزًا، في واحدة من أعلى نسب استهداف قطاع صحي في نزاع معاصر.

صمود ولاية الجزيرة

رغم الصورة القاتمة، برزت ولاية الجزيرة كنموذج نسبي لتعافٍ تدريجي. وفق شبكة أطباء السودان، 29 ديسمبر 2025، عاد أكثر من 88 مستشفى للعمل مقارنة بـ11 فقط في مطلع 2024، واستؤنفت الخدمة في نحو 85% من المراكز الصحية.

تم تشغيل 6 مراكز لغسيل الكلى من أصل 12، إضافة إلى مراكز تخصصية مثل مركز القلب ومركز الأطفال.

كما جرى إدخال أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) واستلام 8 عربات إسعاف جديدة، والاعتماد على الطاقة الشمسية في بعض المرافق، لضمان استمرار الخدمة رغم انقطاع الكهرباء.

رغم هذا، شددت الشبكة على أن التعافي لا يزال هشًا، وأن الدعم العاجل للإمدادات الدوائية والمستهلكات الطبية وحماية الكوادر الصحية أمر حيوي.

تحسن نسبي واختلال إداري

وفق شبكة أطباء السودان، 30 ديسمبر 2025، تكبد الصندوق القومي للإمدادات الطبية خسائر تجاوزت 500 مليون دولار نتيجة الحرب، شملت تدمير ونهب المخازن وفقدان أسطول الترحيل وتخريب المكاتب الإدارية.

مع ذلك، تم تسجيل تحسن نسبي، حيث بلغت التغطية الدوائية 80% ووفرة الأدوية 88% مقارنة بـ40% في 2024. وتم توزيع 24,288 طنًا من الأدوية والمستهلكات الطبية خلال 2025، مقابل أقل من 10 آلاف طن في 2024، لتغطية أكثر من 400 مستشفى و2,774 مركزًا صحيًا في 12 ولاية.

رغم ذلك، حمّلت الشبكة إدارة الصندوق مسؤولية تفاقم الخسائر بسبب مركزية التخزين وضعف خطط الطوارئ، ما كشف هشاشة إدارة المخزون الاستراتيجي وفقدان أدوية منقذة للحياة.

تحذير دولي

مع اقتراب الحرب من يومها الألف، أكدت منظمة الصحة العالمية، 23 ديسمبر 2025 أن السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الصحية وسوء التغذية عالميًا، مع معاناة أكثر من 21 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، وتوقع إصابة نحو 800 ألف طفل بسوء تغذية حاد خلال العام.

الواقع الصحي لعام 2025 يُظهر أن الأزمة لم تعد قابلة للاحتواء بإجراءات جزئية، بل تتطلب وقف الحرب، وضمان الوصول الإنساني، واستجابة دولية عاجلة قبل أن يتحول الانهيار الصحي إلى كارثة غير قابلة للإصلاح.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات