الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةاخبار السوداناقليم دارفورالفاشر.. من حصار الجوع إلى مدينة المعتقلات

الفاشر.. من حصار الجوع إلى مدينة المعتقلات

تقرير: جُبراكة نيوز

دخلت مدينة الفاشر في مسار تصاعدي من العنف بدأ في أبريل 2024، وانتهى بسقوطها في أكتوبر 2025، بعد حصار خانق استمر لنحو 660 يومًا. شهدت المدينة معارك متتالية بالتزامن مع تدوين مكثف استهدف المدنيين والأعيان المدنية؛ مما أدى إلى انهيار كامل للخدمات الأساسية والبنى التحتية.

يرصد هذا التقرير -اعتمادًا على المصادر المفتوحة بالإضافة إلى تقارير صحفية وحقوقية وشهادات محلية- كيف تحولت الفاشر إلى مدينة مغلقة على الجوع والموت، وكيف استمرت الانتهاكات حتى بعد سقوطها.

قصف المرافق الصحية.. بداية الانهيار

تعرضت المرافق الصحية في مدينة الفاشر لاستهداف مباشر ومتكرر؛ ما أدى إلى خروجها تدريجيًا عن الخدمة. ووثقت “شبكة أتر الإعلامية” قصف المستشفيات والمراكز الصحية في نمط عسكري أدى إلى شلل شبه كامل للنظام الصحي.

ولم يتبقَّ في الخدمة سوى “مستشفى السعودي” بعد خروج “المستشفى الجنوبي” في يونيو 2024، حيث تسلم “المستشفى التخصصي لأمراض النساء والتوليد (السعودي)” راية العمل واستقبال الحالات المرضية والإصابات، حتى تصاعد الاستهداف عليه عبر التدوين المكثف والطائرات المسيرة.

ونتيجة للدمار الواسع في المرافق الصحية، جرى تحويل مبانٍ مدنية وإنسانية إلى نقاط إسعاف بديلة، شملت:

  • مبنى منظمة “بلان سودان”.
  • مبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
  • مبنى برنامج الغذاء العالمي (WFP) في حي الدرجة الأولى.
  • مبنى “داخلية الرشيد” بجامعة الفاشر (حُولت لمعالجة العسكريين بعد سقوط مستشفى السلاح الطبي).
  • منازل مواطنين في أحياء متفرقة سُميت بـ “بيوت المرضى”.

ضحايا بلا علاج: إحصائيات الصراع

تعكس الأرقام حجم العجز الطبي في مدينة كانت تعيش تحت القصف والحصار:

الفترة الإصابات الوفيات
منذ بداية الحرب حتى خروج المستشفى الجنوبي 1,583 513
بعد خروج المستشفى الجنوبي +3,000 +600

القتلى.. أرقام تتجاوز الإحصاء

تشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن عدد القتلى المدنيين بلغ نحو 13 ألف قتيل قبل سقوط المدينة. ومع سقوطها، رجّحت تحليلات دولية —من بينها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل— أن تكون الحصيلة عشرات الآلاف، في ظل مؤشرات على عمليات قتل جماعي دون توفر إحصاء نهائي حتى الآن.

المفقودون.. مدينة بلا أثر

تُقدّر أعداد المفقودين بنحو 150 ألف شخص، من بينهم 15 ألف مواطن غادروا الفاشر يومي 26 و27 أكتوبر 2025 ولم يُعرف مصيرهم حتى اليوم.

الموت داخل الاحتجاز وتفشي الكوليرا

وثّقت مصادر محلية وفاة 860 مواطنًا من المحتجزين قسريًا داخل المدينة بسبب تفشي وباء الكوليرا، في ظل انعدام الرعاية الصحية وسوء ظروف الاحتجاز.

ونقل شهود عيان ادعاءات بوقوع انتهاكات جسيمة شملت سرقة أعضاء بشرية (قرنيات، كلى، كبد) وسحب دم، مع التخلص من الجثث في حفر جماعية، وتحويل مبانٍ طبية سابقة إلى غرف عمليات لهذه الممارسات. (ملاحظة: لم يتسنَّ للصحيفة التحقق المستقل من هذه الادعاءات نتيجة انقطاع الاتصالات وتقييد الحركة ومنع المنظمات الدولية).

العنف الجنسي والاستهداف المباشر

  • العنف الجنسي: سُجلت 90 حالة اغتصاب خلال شهر واحد على الطريق الرابط بين “طويلة” والفاشر، مع تأكيدات طبية بأن العدد الحقيقي أعلى بكثير بسبب الوصمة المجتمعية.
  • المساجد ومراكز الإيواء: استهدفت مسيرة تتبع للدعم السريع “مسجد الصافية” بحي أبو شوك؛ مما أدى لمقتل 80 مدنيًا أثناء صلاة الفجر. كما استهدفت مسيرة أخرى “مركز إيواء دار الأرقم”؛ مما أسفر عن مقتل 30 شخصًا داخل ملجأ واحد و45 آخرين في كرفانات مجاورة.
  • الهجمات الأخيرة: شنّت قوات الدعم السريع هجومًا على محليات (أمبرو، كرنوي، والطينة السودانية) أدى لمقتل 200 مدني كحصيلة أولية، وسط موجات نزوح كبيرة على أساس إثني.

الحصار: الجوع كسلاح حرب

بدأ حصار الفاشر بالسيطرة على الميناء البري، وأُغلقت الطرق البديلة (طريق الإنقاذ ودرب الأربعين) تباعًا حتى الإغلاق الكامل بعد سقوط مخيم “زمزم” في مارس 2025.

أدى ذلك إلى انقطاع الإمداد البري والجوي بالكامل، ومع سقوط مخيم زمزم، تم إحراق مخزون السلع والدواء؛ مما تسبب في اكتظاظ سكاني وانعدام تام للمواد الأساسية. حاول السكان تهريب الغذاء عبر طرق وعرة، وقوبل ذلك بإعدامات ميدانية وفقء أعين المهربين. وفي الأيام الأخيرة، أُجبر السكان على أكل جلود الأبقار وشرب المياه الساخنة لسد الجوع.

تداعيات المعارك وسقوط المدينة

شهدت الفاشر نحو 279 معركة متتالية من أبريل 2024 حتى أكتوبر 2025. ومع إدخال آليات جديدة، سقطت المناطق العسكرية تباعًا، حتى سقطت “الفرقة السادسة مشاة” في 26 أكتوبر بعد معركة شرسة. انسحبت قوات الجيش بصورة غير منظمة، وانتهت قصة صمود المدينة في أمسية 27 أكتوبر بمجازر هزت العالم.

واقع ما بعد السقوط: شبكة المعتقلات

دخلت المدينة مرحلة جديدة من الانتهاكات تمثلت في توسّع مراكز الاحتجاز داخل المرافق المدنية، حيث وثقت مصادر وجود أكثر من 16 مركزًا (يُرجح وصولها لـ 20)، أبرزها:

  • مستشفى الأطفال التخصصي وكلية التنمية الريفية.
  • داخلية الرشيد ودار الأرقم (4 مراكز).
  • مركز أبو طالب (أبو شوك) ومدرسة علي السنوسي ومدرسة دار النعيم.

تُدار هذه المراكز في ظل غياب كامل للإجراءات القانونية والرعاية الصحية، مع منع المحتجزين في بعضها من مغادرة المدينة نهائيًا، مما يثير مخاوف جدية بشأن مصير آلاف المدنيين.

ما جرى في الفاشر ليس مجرد سقوط مدينة، بل انهيار منظومة حياة كاملة. إن توثيق هذه الوقائع ضرورة أخلاقية وخطوة أساسية نحو المساءلة والعدالة وحفظ ذاكرة الضحايا.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات