جُبراكة نيوز: تقرير – مآب الميرغني
يعيش اللاجئون السودانيون في جمهورية مصر خلال هذه الأيام حالة من القلق والخوف نتيجة الحملات الأمنية المتزايدة والتدقيق المستمر في المستندات، ما يثير لديهم شعوراً بعدم الأمان وعدم اليقين بشأن مستقبلهم وإقامتهم في هذا البلد.
سفير السودان لدى مصر، جمال عدوى نفى في مؤتمر صحفي الأيام الماضية ما تردد عن طلب الحكومة السودانية ترحيل مواطنيها، مؤكداً أن هذه المزاعم غير صحيحة.
وأوضح أن عدد السودانيين المحتجزين في السجون المصرية لا يتجاوز 400 شخص من بين نحو 6 ملايين مقيم، وأن الإجراءات الأمنية والتنظيمية تشمل جميع الأجانب ولا تستهدف السودانيين بشكل خاص.
كما شدد على عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، مؤكداً دور السفارة في التنسيق مع السلطات لمعالجة أوضاع المحتجزين وتسهيل العودة الطوعية للراغبين دون ترحيل قسري.
تواطؤ الحكومتين أم حملات تحريضية؟
يقول لاجئ سوداني مقيم في مصر إن أوضاع السودانيين خلال الفترة الأخيرة أصبحت بالغة الصعوبة، مشيراً في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” إلى أن الأمر بدأ بخطاب تحريضي على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة عبر مجموعات على “فيسبوك” دعت إلى ترحيل السودانيين، وحملتهم مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية، من ارتفاع الأسعار والإيجارات إلى الزحام وقلة فرص العمل، وحتى الاستحواذ على وظائف المصريين.
وأضاف أن الخطاب امتد إلى الشارع، ما انعكس على تعامل بعض الجهات مع اللاجئين. ووفقاً لشهادته، شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في الحملات الأمنية التي استهدفت اللاجئين، لا سيما السودانيين، مؤكداً أن حملات التوقيف طالت أشخاصاً يحملون بطاقات مفوضية اللاجئين أو إقامات قانونية.
وأوضح اللاجئ أن عمليات التوقيف تتم بشكل عشوائي، حيث يُحتجز الأشخاص لفترات تتراوح بين أسبوع وشهر، إلى حين استكمال إجراءات التحقق من الهوية والعرض على النيابة، مشيراً إلى أن كثيرين وجدوا أنفسهم داخل السجون دون ارتكاب أي مخالفات.
ويشكك اللاجئ – الذي فضل حجب اسمه- في الأرقام الرسمية التي أعلنتها السفارة بشأن أعداد المحتجزين، لافتاً إلى أن الرقم المقدر بنحو 400 شخص لا يعكس الواقع الحقيقي.
كما أشار إلى استمرار الحملات الأمنية في عدة محافظات، من بينها القاهرة والإسكندرية وبورسعيد والساحل الشمالي، معتبراً أن ما يجري يتم في ظل انتهاكات واضحة ودون تدخل فعلي من مفوضية اللاجئين حتى الآن.
يقول إن ما يحدث يبعث برسائل مقلقة للاجئين، ويرى فيه مؤشراً على توتر في العلاقة بين الحكومتين السودانية والمصرية، ويرى أن اللاجئين هم الطرف الأضعف الذي يدفع ثمن هذه التطورات.
إجراءات روتينية أم استهداف متعمد؟
يروي آدم هارون، “اسم مستعار” لاجئ سوداني في القاهرة، تجربته مع الإجراءات الأمنية، واصفاً الأوضاع بأنها معقدة للغاية، مع شعور بالخوف والذعر نتيجة الأنباء المتداولة حول ما يُعرف بـ”الكشات الممنهجة”، التي فسّرها البعض على أنها استهداف متعمد للسودانيين.
ويشير هارون، إلى أن هذه الأنباء جاءت في وقت تشهد فيه مصر عادة تشديداً أمنياً مطلع يناير من كل عام، حيث تزداد الارتكازات الأمنية وتتكثف إجراءات التأمين في مختلف المواقع.
ويصف لـ”جُبراكة نيوز” ما يحدث بأنه جزء من العمل الروتيني السنوي، إذ تُراجع المستندات الثبوتية لجميع الأشخاص، سواء المصريين أو الأجانب، ولا يمكن لأحد التجول في الشوارع دون حمل هويته.
ويؤكد أن الإجراءات تُطبق على جميع الأجانب وليست موجهة للسودانيين وحدهم، لكنه يشير إلى أن كثيرين من السودانيين لا تكتمل لديهم المستندات، ما يجعلهم أكثر عرضة للتدقيق والتوقيف أثناء الحملات الروتينية.
ورغم الطابع التحليلي للإجراءات، لا يخفي هارون شعوره بالخوف والقلق، مؤكداً أن الضجة الإعلامية وتضخيم الأخبار زاد من شعور اللاجئين بعدم الأمان، ما يعكس واقعاً معقداً يعيشه السودانيون في القاهرة.
انتهاكات حقوق الإنسان
في المقابل، ترى لاجئة ومحامية مهتمة بحقوق الإنسان – فضلت حجب اسمها لدواعٍ أمنية – لـ”جبراكة نيوز” أن ما تقوم به السلطات المصرية من اعتقالات تعسفية واحتجازات غير قانونية وإعادة قسرية للسودانيين يشكل انتهاكاً صارخاً للمعاهدات الدولية، بما في ذلك اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكول 1967.
وتؤكد المحامية أن على مصر الوفاء بالتزاماتها عبر عدة إجراءات أساسية، منها: الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وقف الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني، مع ضمان المعاملة الإنسانية للمحتجزين، بجانب تسريع إجراءات التسجيل وتحديد وضع اللاجئ بالتعاون مع مفوضية اللاجئين، وضمان الوصول الفعلي للخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والعمل.
كما طالبت المدافعة القانونية، بالسماح الكامل لمفوضية اللاجئين واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية بالوصول إلى جميع أماكن الاحتجاز لمراقبة الظروف وتقديم المساعدة، والتعاون مع المفوضية في تنفيذ ولايتها لحماية اللاجئين.
وتضيف أن هذه الممارسات لا تمثل انتهاكاً لالتزامات مصر التعاهدية فحسب، بل تتعارض أيضاً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وغيرها من الصكوك الدولية التي صادقت عليها مصر، فضلاً عن تعارضها مع المبادئ الإنسانية العالمية والقيم الإقليمية.
ورغم التطمينات الرسمية، سواء من السفير السوداني أو السلطات المصرية، ما تزال حالة القلق والخوف تنتاب السودانيين الموجودين في مصر، تعززها مقاطع فيديو وصور متداولة يقال إنها لحملات أمنية موجهة ضد السودانيين في القاهرة ومدن مصرية أخرى.




أحدث التعليقات