الخميس, يوليو 16, 2026
الرئيسيةتقاريرالمصيدة الرقمية: منشورات التواصل سلاح ضد العاملين الإنسانيين في السودان

المصيدة الرقمية: منشورات التواصل سلاح ضد العاملين الإنسانيين في السودان

 

جبراكة نيوز: يسرى النيل، محمد أحمد

1,158

تفاعل\36ساعة

12

ولايات سودانية

<24h

المنشورالاعتقال

44

حالة موثقة

“في منشور حايم في فيسبوك قاعد يقول إنك دعامية — خشي شوفيه. فتحتُ التطبيق. وجدتُ اسمي كاملاً: عنصر جمع معلومات، تابعة لتحالف صمود، داعمة للجنجويد. انصدمتُ. بعدين    روّقت شوية وبستفسر عن الإجراءات. ما كنت عارفة إنو بعد 24 ساعة حيجو يعتقلوني من البيت.”

— نهى الصامدة، متطوعة إنسانية — بورسودان، 22 أبريل 2026

في الفضاء الرقمي السوداني، وُلدت أداةٌ جديدة للإسكات لا تحتاج إلى سجون أو قضاة تكفيها منشورات فيسبوك وتسجيلات واتساب. أداةٌ تُحوّل التوثيق جريمةً، والشفافية تهمةً، والعمل الإنساني عمالةً. هذا التحقيق يتتبّع آليتها من الداخل، عبر شهادات حصلنا عليها مباشرة من أفراد عاشوا تجربة المصيدة الرقمية وما زالوا يحملون آثارها.

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، باتت اتهامات العمالة والتخوين والتعاون مع العدو سلاحاً ممنهجاً يُشهَر في وجه كل من يُوثّق انتهاكاً أو يُغيث مشرَّداً أو يرفع صوتاً. والأخطر أن هذا السلاح لا يحتاج إلى قرار أمني رسمي يكفيه منشور واحد ينتشر بسرعة الخوارزميات، ليتحوّل إلى اعتقال في ساعات أو ملاحقة تمتد لسنوات عبر الحدود. السلاح متاح للجميع، وضحاياه من العاملين الإنسانيين يدفعون الثمن.

ما يُميّز هذا التحقيق عن التقارير السابقة هو الجمع بين ثلاثة مستويات: الشهادة الشخصية المباشرة من المستهدَفين أنفسهم، والتحليل التقني لبيانات الانتشار الرقمي، والتأطير النفسي والقانوني من خبراء متخصصين. معاً، يُنتجون صورة شاملة لظاهرة لا يُمكن فهمها من مستوى واحد فقط.

رصد هذا التحقيق 44 حالة موثَّقة عبر المصادر المفتوحة خلال الفترة 2023–2026، ووثّق فريق التحقيق التوزيع الجغرافي لـ39 منها عبر استبيان مخصص أُجري خصيصاً لهذا التحقيق وغطّى 12 ولاية سودانية. يستند التحقيق إلى خمس شهادات مباشرة مُسجَّلة، ومقابلات معمّقة مع خبير نفسي ومحامية وباحثة أكاديمية وخبير حماية وخبيرة في السرديات ومنسّق إنساني، إضافةً إلى وثائق أولية: بلاغ شرطي، ولقطات شاشة لتعليقات تخوين من فيسبوك، وخريطة شبكة انتشار مبنية بالمصادر المفتوحة، وتسجيل صوتي مباشر.

▌ التوزيع الجغرافي للحالات الموثَّقة | 2023–2026

هذه هي الخريطة الأساسية لعرض التوزيع الجغرافي للاستهداف — وهي نتاج استبيان مخصص أعدّه فريق التحقيق خصيصاً لهذا الغرض، بخلاف قاعدة الرصد الأوسع بالمصادر المفتوحة (44 حالة) التي لم تُنشر خريطتها التفصيلية حفاظاً على معايير التحقق المستقل.

39 حالة من أصل 44 حالة موثَّقة، موزعة عبر 12 ولاية سودانية: الخرطوم 14 | نهر النيل 4 | شمال كردفان 3 | غرب دارفور 3 | الجزيرة 3 | شمال دارفور 3 | كسلا 2 | جنوب دارفور 2 | شرق دارفور 2 | جنوب كردفان 2 | البحر الأحمر 1 | النيل الأزرق 1  —  المصدر: استبيان مخصص لهذا التحقيق

▌ لمحة عن الـ44 حالة الموثَّقة

44

إجمالي الحالات الموثَّقة

28

أفضت لأثر أمني مباشر

15

توقّف أصحابها عن العمل الإنساني

٪67

من الحالات انطلقت من فيسبوك أو واتساب

٪41

من المستهدَفين نساء ناشطات

٪58

اتهام بالتعاون مع أحد طرفي النزاع

القاسم المشترك في هذه الـ44 حالة أنها كلها تستهدف أشخاصاً يعملون في المجال الإنساني أو المدني ، متطوعون في غرف الطوارئ، موثِّقو انتهاكات، ناشطو بناء السلام. وكلها انطلقت من منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تتحوّل إلى إجراء أمني فعلي على أرض الواقع. وكلها تُوجِد أثراً نفسياً ممتداً يتجاوز الأثر القانوني أو الأمني ليطال طريقة حياة الأفراد وعلاقاتهم الأسرية ومسيرتهم المهنية.

الأرقام المرصودة تعكس ما أمكن توثيقه بشكل مستقل عبر المصادر المفتوحة ،لكن الحالات الفعلية أكبر بكثير. ما يُميّز هذه الـ44 حالة هو قابليتها للتحقق،منشورات بتواريخ، وشهادات متقاطعة، وأحياناً وثائق قانونية. وكلما ازداد التوثيق، ازداد فهمنا لآلية عمل المصيدة ولطرق التصدي لها.

▌ أنماط الاتهامات الأكثر شيوعاً

التصنيف الدقيق لأنماط الاتهامات يكشف منطقاً واضحاً أن الاتهام يستهدف الفرد بصفته الوظيفية داخل المنظومة الإنسانية.حيث أن من أصل 44 حالة موثَّقة، تصدّرت صفة «عميل/ة» قائمة الاتهامات بواقع 15 حالة وهي التسمية الأخطر لأنها تُصوِّر العمل الإنساني نفسه بوصفه غطاءً لنشاط استخباراتي. تلتها مباشرة تهمة «التعاون مع الدعم السريع» بواقع 11 حالة، وهي التهمة الأكثر حضوراً في مناطق سيطرة الجيش، بينما سُجِّلت 6 حالات اتُّهم أصحابها بـ«العمل لصالح منظمة أجنبية» استغلالاً مباشراً لطبيعة التمويل الدولي الذي يعتمد عليه القطاع الإنساني. وسُجِّلت 4 حالات اتُّهم أصحابها بـ«التعاون مع الجيش»، ما يُظهر أن السلاح ذاته يُستخدَم من الطرفين المتحاربين على حد سواء بحسب من يسيطر على المنطقة. أما الفئة الأخيرة «أخرى» (8 حالات) فتضم اتهامات متفرقة من التخوين القبلي إلى الاتهام بالانتماء السياسي تؤكد جميعها أن التهمة تُصاغ بحسب السياق المحلي لا بحسب وقائع فعلية.

أكثر التهم شيوعاً ضد العاملين/العاملات في المجال الإنساني — من أصل 44 حالة موثَّقة — المصدر: استبيان مخصص لهذا التحقيق

اللافت أن أياً من هذه التهم الأربع الرئيسية لا يستند، في الحالات الموثَّقة، إلى دليل مادي واحد يرقى لمستوى الإثبات القانوني وهو ما تؤكده لينا مروان في قراءتها القانونية لاحقاً. التهمتان الأعلى تكراراً («عميل/ة» و«التعاون مع الدعم السريع») تجمعهما سمة مشتركة فكلاهما يُطلَق دون تحديد فعل مادي واضح،استناداً فقط إلى الانطباع العام أو الموقع الجغرافي أو طبيعة العمل الإنساني ذاته.

▌ كيف تصرّف المستهدَفون بعد الاتهام؟

يكشف توزيع ردود أفعال المستهدَفين بعد الاتهام عن فجوة حماية عميقة،حيث أن من أصل 44 حالة، لم يتخذ 22 منهم أي أكثر من نصف الحالات أي إجراء على الإطلاق، غالباً بدافع الخوف من أن يزيد التحرك من تعقيد الوضع أو يُفسَّر كإقرار ضمني بالتهمة. لجأ 7 مستهدَفين للتواصل مع جهة عملهم لطلب الدعم أو التوضيح، بينما اختار 4 نشر رد علني توضيحي — وهو خيار محفوف بالمخاطر لأنه، كما تُظهر حالة نهى الصامدة، قد يُسرِّع التصعيد بدل احتوائه. ولم يُبلِغ سوى 3 أشخاص إدارة المنصة، وطلب 2 فقط دعم أصدقاء أو زملاء، فيما تواصل شخص واحد مع منظمة حقوقية أو إعلامية وشخص واحد أبلغ الشرطة أو جهة رسمية أرقام تعكس ضعف الثقة في قنوات الإبلاغ الرسمية والمؤسسية على حد سواء.

كيف تصرّف المستهدَفون بعد الاتهام من أصل 44 حالة — المصدر: استبيان مخصص لهذا التحقيق

هذا النمط يتقاطع مباشرة مع ما يصفه الدكتور عبدالله آدم بـ«الانطفاء السلوكي»: الخيار الأكثر شيوعاً عدم اتخاذ أي إجراء كاستراتيجية بقاء مُتعلَّمة في بيئة لا تحمي فيها المؤسسات الرسمية ولا تكفل فيها منصات التواصل أي مساءلة حقيقية عن التخوين.حيث أن صمت 22 حالة من أصل 44 هو، في جوهره، الصدى العملي لثقافة الخوف التي يوثّقها هذا التحقيق.

من المنشور إلى المعتقل:أربع وعشرون ساعة في حياة متطوعة 

نهى الصامدة اسم مستعار لمتطوعة إنسانية من بورتسودان،  تعمل منذ 2015 في مجالات الأمن الغذائي وتمكين المرأة والصحة الإنجابية ومناهضة الختان وزواج القاصرات وحماية الطفل. لم تنتمِ إلى أي تنظيم سياسي في يوم من الأيام. سيرتها كلها عمل خدمي ، في مجتمعات الهامش التي تحتاج إلى من يُغيث لا من يُسيّس.

في الساعة السابعة مساء الأربعاء 22 أبريل 2026، رنّ هاتفها. كانت قريبتها تُبلّغها بمنشور على فيسبوك. فتحت التطبيق، ووجدت صفحة «حراس جبل أولياء» تنشر اسمها الكامل مع اتهامات محددة: «عنصر جمع معلومات»، «تابعة لتحالف صمود»، «مشاركة في اجتماعات كمبالا»، «داعمة لمليشيا الجنجويد». أربع تهم محددة، وكلها كاذبة، وكلها في غاية الخطورة في سياق الحرب السودانية.

المفارقة الجغرافية الصارخة التي تكشف طبيعة الاتهام أن صفحة «حراس جبل أولياء» تعمل في منطقة جبل أولياء بالخرطوم,لا علاقة لها بالنيل الأبيض حيث تعمل نهى، ولا بالبحر الأحمر حيث تعلّمت. «حتى الناس التي شاركت في إعادة النشر ما كان عندها علاقة بالنيل الأبيض ولا البحر الأحمر ، كلها من منطقة الخرطوم». هذا الانفصال الجغرافي الكامل يكشف أن الاتهام لم يُبنَ على مراقبة ميدانية أو معرفة شخصية كان أداةً موجَّهة بدوافع أخرى، ربما شخصية وربما مؤسسية.

الوثيقة الأولى — شبكة الانتشار الرقمي بالأرقام

▌ شبكة انتشار الاتهام — المنشورات الثلاثة  —  22–23 أبريل 2026

التاريخ مشاركة إعجاب تعليق الصفحة الناشرة
22 أبريل 26 539 204 حراس جبل أولياء  المصدر الأول
22 أبريل 27 430 189 المتخصصة جنوب الحزام  إعادة نشر
23 أبريل 12 189 96 متفلت ركن  نشر مواكب
65 1,158 489 الإجمالي الموثَّق —36 ساعة

ملاحظة منهجية  الأرقام الواردة تمثّل الحد الأدنى المرصود عبر المصادر المفتوحة. المجموعات المغلقة على واتساب وفيسبوك وتيليغرام وغيرها. والمنشورات التي ربما حُذفت لاحقاً، تظل خارج نطاق القياس الكمي. الحجم الفعلي للانتشار أكبر من هذه الأرقام بكثير.

الوثيقة الثانية — خريطة شبكة الاتهامات بالمصادر المفتوحة

تحليل بيانات المنشورات الثلاثة أنتج خريطة شبكة بصرية تُظهر كيف انتشر الاتهام من نقطة مركزية واحدة إلى عشرات الحسابات في موجات حلزونية متتالية. كل عقدة في الشبكة تمثّل حساباً أو مستخدماً شارك في التداول أو التفاعل. الشكل الحلزوني يكشف عن طبيعة الانتشار الخوارزمي: كل موجة أوسع من السابقة، وتمتد بشكل تلقائي إلى شبكات لا يربطها بالمستهدَف/ة أي رابط.

▌ خريطة شبكة الاتهامات

تحليل بالمصادر المفتوحة | أبريل 2026

▌  كل عقدة = حساب شارك في التداول أو التفاعل. الشكل الحلزوني يكشف موجات انتشار متتالية تضخّمت خلال 36 ساعة لتصل إلى عشرات الحسابات. غالبيتهم لا يعرفون الضحايا شخصياً  لكن تفاعلهم يُبني وهم الإجماع على الإدانة ويدفع المنشور إلى جماهير أوسع عبر الخوارزميات.

 

ما تكشفه هذه الشبكة هو ما يُسمّيه الدكتور عبدالله آدم «العلاقات السائلة في السوشيال ميديا»: أشخاص لا تربطهم بالمستهدَف/ة أي معرفة شخصية يُساهمون في تضخيم الاتهام بمجرد تفاعلهم مع المنشور.فالإعجاب يعني «رأيتُه ووجدتُه مهماً».و التعليق يعني: «أضفتُ نشاطاً يوسّع الانتشار».والمشاركة تعني: «وصّلتُه إلى شبكتي». ثلاث أنواع من التفاعل، كلها تُغذّي المصيدة بصرف النظر عن نية أصحابها.

الوثيقة الثالثة — شواهد من السوشيال ميديا: لقطات شاشة أصيلة

اللقطات التالية موثَّقة من فيسبوك وتُجسّد آلية «التخوين بالتساؤل»: ثلاثة أنماط تعليق تتضافر لتضخيم الانتشار بصرف النظر عن نية أصحابها. اللقطة الأولى من حادثة مرتبطة بجنوب كردفان، واللقطة الثانية من حادثة حالة نهى الصامدة،الثالثة والرابعة بالخرطوم، تقدّم صورة متكررة لكيفية انتشار خطاب التخوين.

▌ شواهد السوشيال ميديا — تعليقات التخوين على فيسبوك  —  لقطتا شاشة أصليتان

 

«دة واحد من المتشبهين والمتشبه بشوفو بيضاً طبعا مفتكرين انو النضال تحشيش زي بتاع البوتيك» ◆ شواهد إضافية — أنماط التخوين الرقمي في الدلنج وكردفان

اللقطتان الثالثة والرابعة من حالات كردفان والدلنج  نفس آلية التخوين بالتساؤل: اتهام مباشر، ثم استنتاج جماعي، ثم تأييد ضمني. الأسماء مُغطّاة لأغراض الحماية.

«اذن هو متعاون» «ماهي تهمته.. ممكن توضح؟» — «ربنا يفك اسره إن شاءالله»

اللقطات توثّق ثلاثة أنماط تعليق: اتهام مباشر (اليسار: «دة واحد من المتشبهين»، ويمين: «اذن هو متعاون») تساؤل يكرّس الاتهام («ماهي تهمته؟») تعاطف يضخّ نشاطاً («ربنا يفك اسره»). الأنماط الثلاثة تُضخّم الانتشار الخوارزمي بصرف النظر عن نية أصحابها. الأسماء المغطاة هي أسماء من نشروا التعليقات طوعاً في فضاء عام.

نموذج توضيحي — كيف يبدو منشور التخوين الرقمي

النموذج التالي يُحاكي البنية المعتادة لمنشورات التخوين في السياق السوداني. الأسماء والتفاصيل الشخصية مُغطّاة بمربعات سوداء، لكن الهيكل العام أسلوب الصياغة، ونمط الاتهامات، وطريقة تقديم الأدلة،يعكس بدقة ما واجهه المستهدَفون في هذا التحقيق.

▌ نموذج توضيحي شكل منشور التخوين الرقمي الأسماء مُغطّاة لأغراض الحماية

f  Facebook

🛡  ██████████ صفحة ████████████   •   22 أبريل 2026  •  🌐

⚠️ تحذير عاجل للمجاهدين

الشخص المدعو / ████████████ من ولاية ████████ ثبت بالدليل القاطع أنه عنصر جمع معلومات لصالح ████████. يعمل تحت غطاء العمل الإنساني. تمت مشاركته في اجتماعات مشبوهة وتلقّى تمويلاً من جهات خارجية. الرجاء الحذر والإبلاغ الفوري عن أي معلومات.

👍 539 إعجاب   💬 204 تعليق   ↗️ 26 مشاركة

* نموذج توضيحي  المربعات السوداء تُغطّي البيانات الشخصية الحقيقية. البنية تُمثّل الشكل المعتاد لمنشورات التخوين في السياق السوداني.

الوثيقة الرابعة الخط الزمني للاعتقال: 24 ساعة محورية

هذا الخط الزمني يُوثّق التسلسل الدقيق للأحداث من لحظة ظهور المنشور حتى لحظة الإفراج ويُجسّد الآلية الكاملة لتحوّل الاتهام الرقمي إلى واقع أمني على أرض الواقع.

الأربعاء مساءً  المنشور الأول  «حراس جبل أولياء»

الاسم الكامل + اتهامات التعاون مع الدعم السريع وتحالف صمود + صلة مزعومة باجتماعات كمبالا

الأربعاء 7م  الاكتشاف الصدمة الأولى

مكالمة من قريبة. فتح التطبيق. قرار التعامل بالقانون: فتح بلاغ في الصباح

الليل 22–23 أبريل  التضخيم السريع  الموجة الثانية والثالثة

«المتخصصة جنوب الحزام» + «متفلت ركن» تُعيدان النشر. 1,158 إعجاباً في 36 ساعة

الخميس الصباح  فتح البلاغ  الخطوة التي عجّلت بالاحتجاز

نهى تذهب كضحية لفتح بلاغ ضد الصفحة الناشرة لم تعلم أن هذه الخطوة ستسرّع احتجازها

الخميس 8ص  الاحتجاز شعبة الاستخبارات المنطقة x

تحري من 8ص حتى الرابعة فجراً | تفتيش الهاتف بالكامل | لا شيء مشبوه

الجمعة–الاثنين  النقل الفرقة العسكرية

7 نساء أخريات بنفس التهم | أيام بلا أسئلة ولا إجابات | الخوف يتراكم | بدأت تدرك خطورة المنشور

أسابيع متعاقبة  جهاز الأمن والمخابرات بالمدينةx

جلسات أسبوعية «تعالي الأحد» «تعالي الثلاثاء» | بلا محاكمة | بلا اتهام رسمي | بلا توقيت للإفراج

الإفراج النهائي  «ما لقينا عندك حاجة» لكن…«المرة الجاية إذا جيتينا تاني ما بحصل خير» الجملة الأشد وطأةً من الاعتقال كله لأنها تُعلّق الملف بدل أن يغلق.

“كنت واثقة من نفسي. ما عملت أي حاجة. ما عندي أي علاقة بسياسة. لكن بعد اليوم الأول خشاني الخوف. مرات أبكي مرات أتجرس. ما باكل. ما بشرب. بكون قاعدة سارحة. وبعد ما طلعتُ، بقيتُ ما أقدر أتحرك. أحسّ في الشارع إنو مراقبة. حتى صوت عربية بتمر — بحسّ إنو ناس جهاز الأمن جوني.” نهى الصامدة، من شهادتها أمام فريق التحقيق

▌ الأثر الموثَّق  أبعاد الضرر المتعدد

الخوف من المراقبة والملاحقة  شديد جداً ومستمر

███████████████████░  97٪

«أمشي في الشارع وأحس إنو مراقبة حتى صوت عربية في الشارع بحسّ إنو ناس الجهاز جو»

توقف العمل الإنساني والتطوعي  كامل مؤقتاً

████████████████████  100٪

جميع الأنشطة توقفت الأسرة ترفض السماح بالاستئناف حتى الآن

الرهاب من منصات التواصل  حاد ومستمر

█████████████████░░░  86٪

«بقيتُ عندي فوبيا من السوشيال ميديا مجرد ما يخش علي زول بروح أتأكد ما في بوست اترفع عني»

تقييد الحركة الذاتي والأسري  مستمر

██████████████████░░  88٪

«لما أقول دايرة أستأنف الشغل بقولو لي: استني شوية» الخوف صار قيداً ذاتياً مضاعفاً بقيود الأسرة

الأثر الأسري — الأم والعائلة  صدمة حادة

██████████████████░░  92٪

«أمي مريضة بالسكري انهارت لدرجة ما قدرت تقوم. الأسرة كلها دخلت حالة حداد»

الشعور بعدم الأمان النفسي  مستمر

███████████████████░  93٪

«تلفوني بقيتُ ما بستخدمو بصورة واسعة بحسّ إنو تحت المراقبة»

ملاحقة عابرة للحدود:

إذا كانت قضية نهى الصامدة تُجسّد سرعة المصيدة (24 ساعة من المنشور إلى الاعتقال)، فإن قضية إدريس الشاهد تُجسّد امتدادها الجغرافي وصبرها الاستراتيجي ,ثلاث دول، وثلاث سنوات من الملاحقة المتواصلة التي لم تتوقف حين بدّل البلد.

إدريس الشاهد اسم مستعار لناشط طوعي من ولاية غرب دارفور. بدأت قضيته قبل الحرب الراهنة: في فبراير 2023 اعتُقل في معتقلات الجمارك ثلاثة وستين يوماً بعد اتهامه بالتضامن مع مجازر كريندق.يقول ادريس: «بواسطة ضغط هيئة محامي دارفور تم إطلاق سراحي,ودفعنا غرامة مالية مليونين وثلاثة وأربعين ألف جنيه سوداني». غرامة ضخمة كبديل عن عقوبة قانونية لم يرتكب ما يستوجبها.

استمر في عمله حتى اندلعت حرب أبريل 2023. في يوليو 2024 فرّ إلى بلد مجاورة في رحلة قاسية بكل معنى الكلمة,قضاها ثلاثة أيام مشياً على الأقدام، أربعون كيلومتراً عبر أرض موحشة، قُتل رفيقان من رحلته في الطريق نفسه، وكمائن سلبت ممتلكاته البسيطة. في بلده المضيف، وصلت المصيدة قبله؛حيث بثّت تسجيلات من مجموعات واتساب تتبع للدعم السريع تُحدّد هويته تم اتهامه على إثرها بأنه «يملك قائمة بالمجرمين ويجمع معلومات لصالح جهات معادية».

ثم جاءت نقطة التحوّل الحاسمة, في يناير 2024، التقطت كاميرا أحد الحاضرين صورة جمعته بممثل هيئة حقوقية دولية خلال زيارة رسمية للمعسكر. صورة عادية خلال تفقد أوضاع اللاجئين, لكنها انتشرت على منصات واتساب الدعم السريع كـدليل قاطع على تعاونه مع هيئة دولية يرى فيها الدعم السريع خصماً مباشراً. انتقل إلى بلد أخرى لكن التهديدات لحقته أينما حل.

الوثيقة الخامسة — بلاغ شرطي رسمي

◆ وثيقة قانونية أولية 

رقم الحالة… تهمة: Threatening Violence (التهديد بالعنف). موقَّع ومختوم رسمياً من مركز شرطة. يُثبت أن تهديدات الدعم السريع المنطلقة من منصات التواصل وصلت إلى درجة دفعت إدريس للجوء للشرطة في بلد لجوئه الثانية التي غادرها مجبرا  دليل على أن المصيدة الرقمية السودانية لا حدود جغرافية لها.

“أنت متواصل مع المحكمة الجنائية الدولية وبترفع تقارير عننا ونحن ما حنخليك.”

إدريس عنتر تهديد مباشر تلقّاه، 2025

رصاصتان في رأس واحد

قضيتا نهى وإدريس ليستا استثناءً في خريطة الاستهداف السوداني هما نافذتان تفتحان على نمط ممتد وممنهج. الحالتان التاليتان من جنوب كردفان تُضيفان بُعداً مختلفاً,حيث الاستهداف بسبب تهمة التوثيق والرصد المباشر لانتهاكات الحرب، وهو الدور الأكثر حساسية في بيئة تريد أطراف النزاع فيها السيطرة على السرديات.

◆ الحالة الأولى

أيمن البشرى (اسم مستعار)

متطوع مبادرة انسانية| جنوب كردفان

خلال أشد فترات التصعيد العسكري على جنوب كردفان، كان أيمن البشرى وفريقه يرصدون الانتهاكات ضد المدنيين وينشرون التوثيق ويباشرون

«الاتهامات ظهرت خلال التصعيد الحاد باستهداف المدنيين في الدلنج وكادقلي ورشاد والفيض أم عبدالله— كنا نرصد كل الانتهاكات وبنعكسها في السوشيال ميديا، وهذه كانت من أقوى أسباب استهدافنا كعاملين إنسانيين».

الرصد والتوثيق — أي عمل يجعل الانتهاكات مرئية صار في حد ذاته سبباً كافياً للاستهداف. جاءت التهديدات عبر وسطاء أولاً: أصحاب مقرّبون يُبلَّغون برسالة واضحة: «ما تنشروا ولا تعكسوا حاجة في السوشيال ميديا». حين رفض الفريق، ظهر منشور تهديدي منسوب إلى جندي بالدعم السريع يُصرّح صراحةً بالتهديد بالتصفية الجسدية.يقول أيمن:«ناس بيتنا والأهل بيتصلوا يبكوا: انت خلاص ناس الدعم السريع حيكتلوك». الأمر اللافت للاستدلال أن عناصر من الجهاز الأمني بالمدينة التي يسيطر عليها الجيش أبدوا استغراباً من المنشور ومصدره مما يكشف أن المصيدةكثيرة  تشتغل أحياناً بمبادرات فردية تُوظّف بيئة الإفلات من العقاب.

تهديد بالتصفية الجسدية  ·  شهادة صوتية 110 ثانية  ·  استغراب الجهاز الأمني ذاته  ·  نزوح قسري للمتطوعين

◆ الحالة الثانية

كرار الأمين (اسم مستعار)

متطوع في منظمة انسانية | جنوب كردفان

قضية كرار الأمين تُجسّد أسلوباً مختلفاً في المصيدة يمكن تسميته بتحريف السياق بدلاً من الاختلاق الكامل.وهذا الأسلوب أشد خطورة لأنه يستخدم مواد حقيقية مثل تسجيلات فعلية من جلسات نقاش حقيقية حضرها كرار,لكنه ينتزعها من سياقها ويُعيد تأطيرها بصورة تقلب معناها تماماً. «قام بعض الأشخاص بتسجيل مقاطع فيديو من نقاشات مع ناشطين في منظمات المجتمع المدني حول قضايا السلام وآليات تعزيز جهود بناء السلام داخل المؤسسات والمجتمعات المحلية — وإخراجها من سياقها الحقيقي، ثم الترويج لادعاءات تفيد بأنني أحرّض ضد الإدارة الأهلية». نتيجة هذا المنشور التحريفي: اعتُقل كرار في سبتمبر 2024 أسبوعاً. فُتِّش مكتبه في صبيحة 5 مايو 2025 «بحثاً عن مستندات يمكن استخدامها ضدي — إلا أن جميع الوثائق كانت سليمة وتعكس عملاً مؤسسياً قانونياً ومنظماً». ثم اعتُقل مجدداً في 5 مايو 2026 ثلاثة أشهر كاملة «دون السماح بأي محاولات إطلاق سراح». غادر مدينته مجبَراً.

اعتقالان موثَّقان  ·  3 أشهر بلا محاكمة  ·  تحريف السياق الأسلوب الأخطر  ·  نزوح قسري نهائي.

▌ مقارنة الحالات الأربع

المحور نهى الصامدة إدريس عنتر
مصدر الاتهام صفحة في منطقة لا علاقة لها بنشاطها الميداني تسجيلات صوتية + صورة مع مسؤول دولي
سرعة التنفيذ اعتقال خلال 24 ساعة من المنشور ملاحقة 3 سنوات متواصلة في 3 دول
الوثيقة الجنائية خريطة شبكة + لقطتا شاشة + أرقام تفاعل بلاغ شرطي رسمي موقَّع ومختوم
النطاق الجغرافي محلي (بورسودان  النيل الأبيض) دولي (السودان بلد لجوء أولى— بلد لجوء ثانية)
الأثر على العمل توقف كامل + قيود أسرية مستمرة نزوح + استمرار العمل بسرية شديدة
عامل الصمود ثقة الضمير + وضوح الهدف الشخصي تضامن زملاء من قبائل عربية خطّت حدود الهوية

 

كيف تشتغل شبكات التخوين؟

تُقدّم الباحثة التي فضلت عدم ذكر اسمها،قراءةً بنيوية للظاهرة تُجرّدها من الحالات الفردية لتكشف منطقها العام: «كل طرف من الأطراف يحاول يقوّي السردية حقتو. وتقوية السردية دي ذاتها لا تشتغل من دون التخوين بتاع الطرف الثاني، ومن دون الاتهام لأي حاجة بتحاول أنها تكون ضد الرواية الأساسية». الاتهام ليس نتيجة استفزاز عرضي  هو أداة استراتيجية مُصمَّمة لتحويل الفضاء المدني المحايد إلى إما حليف أو هدف. لا مكان للرمادي في خريطة الحرب الرقمية.

 

المرحلة الأولى

الاستفزاز الأولي

توثيق انتهاك، نشر تقرير، صورة مع مسؤول دولي، نقاش سلام يُسجَّل دون علم كل هذا يصلح مادةً خاماً للاتهام في بيئة الحرب

المرحلة الثانية

انتزاع السياق

المواد الحقيقية تُقتطع وتُعاد تأطيرها كـ«أدلة» على التعاون مع الجهة المعادية الأسلوب الذي وثّقه كرار الأمين بدقة في شهادته

المرحلة الثالثة

التضخيم الشبكي

صفحات «مُضخِّمة» تُعيد توزيع الرسالة على جماهير مختلفة. حتى التعليقات المتعاطفة والتساؤلات تضخّم الانتشار عبر الخوارزميات

المرحلة الرابعة

التنفيذ الواقعي

أجهزة أمنية أو جنود يتخذون المنشور الرقمي «مستنداً» للاعتقال أو الملاحقة نهى: اعتقال في أقل من 24 ساعة. إدريس: ملاحقة لثلاث سنوات

 

الأخطر في هذه الدورة هو ما تُسمّيه الباحثة «التغذية الراجعة»: الخطاب ينطلق من المنصات الرقمية، يُغذّي الجنود والمقاتلين في الميدان بسرديات تبرير العنف، ثم تعود الانتهاكات الميدانية لتُوثَّق وتُبثّ من جديد مُعمِّقةً دوامة الكراهية.فالسلاح يُعيد شحن نفسه ،ولهذا يصعب كسر الدورة من داخلها.

الدكتورة آمال حميدان  |  باحثة في الشؤون السودانية

«تستخدم الأطراف المتحاربة منصات إكس وفيسبوك وتيك توك وإنستغرام لنشر سرديات تقوم على تأجيج التوترات الإثنية والعرقية والقبلية والجهوية. وبما أن معظم وسائل الإعلام التقليدية في السودان انهارت أو تراجعت بشدة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي الساحة الرئيسية والحصرية لنشر هذه الرسائل وتوسيع نطاق وصولها».

«تمتلك الأطراف المتحاربة شبكات من الأفراد والصفحات على وسائل التواصل تعمل على نشر هذه السرديات وتضخيمها. الأحكام ما بقت بالمحاكم بقت بالمنصات الرقمية. كلها خاضعة للتقديرات الشخصية للجنود القاعدين في الأرض الهم بيتابعوا السوشيال ميديا ويطلقون أحكاماً. دا بيخلي المنشور الرقمي يتحوّل بشكل سريع جداً إلى أمر تنفيذ فعلي».

 الوصمة التي لا تُمحى:

يُفصّل الدكتور عبدالله آدم، الخبير النفسي، منظومة الأعراض التي يُخلّفها الاستهداف الرقمي بدقة سريرية تستند إلى تجربته الميدانية. الأثر الأعمق هو ما يُسمّيه بالانطفاء السلوكي: «قدر ما الزول قاعد في المجال العام قدر ما تجي مواضيع تكون قريبة من مجاله بتحصل عملية انطفاء سلوكي. الإنسان يتوقف عن النشر، يتجنب النقاشات، يُغيّر طبيعة عمله أو يتركه كلياً. الخوف يُبرمج الإنسان ليتجنّب ما تعرّض للعقاب بسببه — دون أن يحتاج أحد إلى اعتقاله مرة أخرى».

والأثر يمتد من المستهدَف نفسه ليشمل دوائر أوسع. «دا ما بيقتصر على الشخص المستهدف بس كثير من الناس ممكن يكون عندهم خوف من التعرض لنفس المصير. في نماذج كثيرة لناس انسحبوا من المجال العام لأن أصدقاءهم أو زملاءهم تعرضوا لهذه الحاجة». التخويف صار جماعياً وعابراً للشبكات الاجتماعية وهذا بالضبط ما تريده أطراف النزاع من إطلاق هذه الحملات.

▌ منظومة الأعراض النفسية الموثَّقة — د. عبدالله آدم

القلق والتوتر المستمر  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪96

الرقابة الذاتية  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪92

الانسحاب من المجال العام  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪88

انخفاض الثقة بالآخرين  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪85

الإرهاق العاطفي  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪83

اضطرابات النوم  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪74

أعراض جسدية (صداع، معدة، قلب)  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪70

الاكتئاب والعجز واليأس  ■■■■■■■■■■■■■■■■····  ٪66

د. عبدالله آدم  |  خبير نفسي

«العلاقات السائلة في السوشيال ميديا بتخلق إشكالية مضاعفة: شخص ما عنده بيك علاقة شخصية ممكن يساهم في عملية تخوينك عن طريق شير أو تعليق ذاته مع الحملة القائمة ضدك. وأنت بتكون في نفس الوقت متوقع منهم الدفاع  لأن لهم حضور في حياتك الرقمية. لما تكتشف إنهم هم من يُساهم في الهجوم عليك بدل ما يدافعوا الأثر النفسي بيكون مضاعف. هذه واحدة من أكبر الإشكاليات التي أنتجتها وسائل التواصل الاجتماعي في السياق السوداني».

«الوسائط الرقمية في زمن الحرب بتخلق حالة نفسية خاصة لكل شخص يمسكها: إذا كان شخص يحضر فيديوهات لمجزرة تجيه الصدمة غير المباشرة. والصدمة الغير مباشرة تلك ممكن تكون أقل من حقة الشاهد المباشر للحدث لكن ما أبعد منها. وهكذا بالنسبة للجنود الذين يتلقّون خطابات التجييش ضد الخونة عبر المنصات ذاتها».

استهداف مركب للنساء:

استهداف النساء في منصات التخوين الرقمي يحمل طابعاً مركّباً يتجاوز التخوين السياسي إلى طبقة ثانية من الاستهداف الجنسي-الاجتماعي. يُشير الدكتور عبدالله آدم إلى تعرض النساء :«قاعد يتم نتيجة للتحرش في السوشيال ميديا والتنمر في شخصيتها وشكلها والألفاظ  و كدة بالاضافة للتخوين السياسي».وتُضيف الدكتورة آمال حميدان أن الهجمات الموجّهة للنساء «غالباً ذات طابع جنسي قائم على الكراهية»، مستندةً إلى دراسة اليونسكو والمركز الدولي للصحفيين. الوصمة تطال المرأة وتمتد إلى أسرتها كلها في سياقات المجتمعات المحافظة.

حالة نهى الصامدة تُجسّد هذا البُعد المضاعف بوضوح تسميتها لما حدث بالحداد العاجل الذي وصفت به حالة أسرتها بعد اعتقالها والذي يعكس خوفاً مركّباً, من العقوبة القانونية ومن الوصمة الاجتماعية في آنٍ واحد.حيث الاتهامات الموجَّهة إليها طالت عملها الإنساني وسمعتها كامرأة في بيئة يرتبط فيها الشرف بالخضوع لا بالفاعلية.

جريمة بلا أركان:

لينا مروان  |  محامية  متخصصة في القانون الإنساني والحقوقي

تقول:(تعدّ اتهامات العمالة والتعاون مع جهات معادية في السياق السوداني من الاتهامات بالغة الخطورة، لما قد يترتب عليها من آثار قانونية وجنائية جسيمة قد تصل، في بعض الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 وتعديلاته، إلى عقوبات مشددة قد تشمل الإعدام. وعليه، فإن توجيه مثل هذه الاتهامات للعاملين في المجال الإنساني لا يمثل مجرد خطاب تشهيري، بل قد يعرّضهم لمخاطر حقيقية تمس سلامتهم وحياتهم.

وتواصل لينا حديثها:(من الناحية القانونية، فإن قيام المسؤولية الجنائية يفترض توافر أركان الجريمة وفقاً للقواعد العامة في القانون الجنائي، بما في ذلك وجود فعل مادي محدد يشكل سلوكاً مجرّماً بموجب القانون، وتوافر القصد الجنائي أو العلم والإرادة بحسب طبيعة الجريمة، فضلاً عن قيام الدليل المقبول قانوناً لإثبات الواقعة ونسبتها إلى الشخص المعني. أما الاتهامات المتداولة عبر المنصات الرقمية، والتي تقوم في كثير من الأحيان على الادعاء أو التخوين دون عرض وقائع محددة أو أدلة موضوعية قابلة للتحقق، فإنها لا تستوفي متطلبات الإثبات الجنائي ولا يمكن أن تشكل أساساً قانونياً لإسناد المسؤولية الجنائية)

«الحل العملي يتطلب مستويين: حماية ذاتية (ما ينشروا معلومات يتضرروا منها، خطط مخاطر، آليات استجابة) وضغط على المنصات لتطبيق معاييرها في السياق السوداني بنفس الصرامة التي تُطبّقها في سياقات أخرى».

الأثر القانوني يتجاوز الأفراد ليطال المنظومة الإنسانية بأكملها. تُشير لينا مروان إلى أن «الاتهامات دي بدون أي سند قانوني بتضرب العمل الإنساني نفسو وبتصوّر مجموعات زي غرف الطوارئ كأنها أدوات سياسية أو استخباراتية. ودا بيعيق وصول المساعدات ويعرّض المتطوعين والمستفيدين للخطر».فالمصيدة بشكل أو آخر تستهدف الفرد ومنظومة الإغاثة كلها.

 لماذا تنجح المصيدة؟

الاتهام يستهدف في جوهره انتزاع الوكالة,حيث سلب الإنسان قدرته على اتخاذ قراراته بوصفه فاعلاً مستقلاً وتحويله إلى مشتبه به يحتاج إلى إثبات البراءة في كل لحظة.تقول الباحثة الأكاديمية: «أول ما يتم انتزاع الوكالة ، كل القرارات التي يتخذونها والأفكار التي يفكرونها وكل الأفعال البتجي منهم بيعتبرو انها جاية من حتة خارجية مامنهم». فقدان الوكالة يعني فقدان الأصالة وهذا أشد أنواع العقاب فتكاً لأنه يطال الهوية ذاتها.

ويعمق الموروث التاريخي هذه التربةوخاصة في مجتمعات مرّت بتجارب الاستعمار والتبعية والتدخل الخارجي، تحمل كلمات «التمويل الخارجي» و«التواصل مع هيئات دولية» و«حضور اجتماعات في كمبالا» شحنات عاطفية موروثة تجعل الاتهام ينزلق بسهولة على الوجدان الجمعي دون أن يحتاج إلى أدلة موضوعية.

الدكتورة آمال حميدان توثّق الطبقة الإثنية الأعمق: قوات الدعم السريع تُصوّر الحرب صراع «عرب في مواجهة أفارقة» وتصف المجموعات غير العربية بـ«الفلنقايات». القوات المسلحة تستخدم مصطلح «أم كعوك» — وصف مجموعة بشرية كاملة كآفة يجب التخلص منها. في هذه البيئة يصبح اتهام العاملين الإنسانيين بـ«التعاون مع الطرف الخطأ» جزءاً من منظومة أيديولوجية أوسع بكثير من الحادثة الفردية.

“القصة الأصلية جاية من أن الجهات المتحاربة أو السلطة بتحاول تنتزع الوكالة من الناس عن طريق الاتهامات دي. وأول ما يتم انتزاع الوكالة — كل القرارات التي يتخذونها والمواقف التي يتخذونها هي ما أصيلة وبيعني إنها جاية من حتة خارجية لا من ذواتهم.”

— الباحثة الأكاديمية، من المقابلة

◆ حالة داعمة — استهداف قيادات نسوية

درية نورين (اسم مستعار)

مؤسِّسة ورئيسة منظمة مجتمع مدني نسوية | كسلا

تُقدّم حالة درية نورين نموذجاً مختلفاً عن حالات هذا التحقيق: استهداف ممتد ومتعدد الأدوات لا ينطلق من منشور واحد، بل يتراكم عبر أشهر من الترهيب المؤسسي والاجتماعي. تعمل درية، مؤسِّسةً ورئيسة لمنظمة مجتمع مدني نسوية في ولاية كسلا ، وعضواً في «منبر نساء السودان» وشبكة «الأمن والسلم»، وتشغل حالياً منصب مستشارة للمنسقة الإنسانية المقيمة للأمم المتحدة في السودان، إلى جانب قيادتها شبكة من المنظمات التي ترأسها نساء. يتركّز عملها على بناء السلام ومناهضة العنف المبني على النوع الاجتماعي، وتعزيز صمود المنظمات النسوية، ودعم النازحين عبر «غرف الطوارئ النسوية» التي كانت من أوائل اللواتي أطلقهنا في كسلا في يونيو 2023.

بدأت المضايقات مع وصول أولى موجات النازحين إلى كسلا، وتنوّعت بين تهديدات أمنية مباشرة من أشخاص ادّعوا انتماءهم لجهاز الأمن هددوها بالحبس وإغلاق منظمتها، واستدعاءات رسمية متكررة تحت مسمّى «مقابلات» من وزير الشؤون الاجتماعية ومفوضية العون الإنساني والاستخبارات العسكرية. وتُواجَه درية أيضاً بأداة «التصنيف السياسي» حيث تُوصَف تارة بأنها تابعة لـ«قحت» أو «تقدم»، وتارة بأنها «شيوعية» أو «بعثية» — إلى جانب اتهامات بالعمالة وتنفيذ أجندات خفية بسبب تعاون منظمتها مع منظمات مجتمع مدني دولية.

الطبقة الثانية من الاستهداف اجتماعية-جنسية بامتياز: حملات تشويه تتهمها بـ«الانفلات الأخلاقي» بسبب مخاطبتها الرجال في المنصات المختلفة، وهو ما يُعدّ خروجاً على تقاليد شرق السودان.وصل الأمر إلى تعرّضها لتهجّم داخل منزلها من جار ينتمي للتيار الإسلامي حاول ترهيبها أمام زوجها. وفي إحدى المشاورات المدنية، خاطبتها شخصية سياسية معروفة بعبارة «أرجي الراجيك» رداً على رفضها التبعية للكتل السياسية وتمسّكها باستقلالية العمل النسوي المدني.

واللافت أن الضغط لا يقتصر على أطراف النزاع أو الأجهزة الأمنية؛ تكشف درية عن تلقّيها تهديداً بعد انتقادها لفساد الموزّعين وتردّي الخدمات الصحية والإنجابية في مناطق عملها، وأشارت إلى أن بعض موظفي الوكالات الأممية يساهمون في ترويج الشائعات ضدها لتغطية الفجوات في عملهم. وفي مارس 2026 قادت درية مع أخريات،مقاطعة ناجحة لاحتفالات يوم المرأة العالمي في كسلا احتجاجاً على تحويل النساء إلى «ديكور» في الفعاليات الرسمية — موقف أدى إلى غضب رسمي واستدعاءات أمنية جديدة.

تصف درية هدف هذه الضغوط المتراكمة بأنه استنزاف مجهودها الفكري والبدني لإشغالها عن دعم النازحين، لكنها تؤكد استمرار عمل جمعيتها رغم محاولات استبعاد المانحين عبر إشاعات كاذبة بأن المنظمة أُغلقت أمنياً.

استدعاءات أمنية متكررة  ·  تهديد من موظف أممي  ·  تصنيف سياسي متناقض  ·  استهداف اجتماعي-جنسي  ·  استمرار العمل رغم الضغط.

“النساء هن الحلقة الأضعف في هذه الحرب — يتم استهدافهن عبر السوشيال ميديا وواتساب لأنه من السهل الطعن في سمعتهن.”

درية نورين، من إفادتها لفريق التحقيق

 طوق نجاة::

رغم قتامة المشهد، تظهر في الشهادات عوامل تُشكّل فارقاً حقيقياً بين من ينهار ومن يصمد. الدكتور عبدالله آدم يُسمّيها «دوائر الأمان»: شبكات الأصدقاء والزملاء والشركاء الذين يُقدّمون الدعم العاطفي ويمنعون الانزلاق في الوحدة. في قضية إدريس عنتر، كان التضامن لافتاً: نبّهه زملاء من قبائل عربية خطوط التضامن الإنساني تتجاوز الهويات التي تُراهن عليها أطراف النزاع.

إبراهيم الصافي  |  خبير حماية

«واحدة من أهم الخطوات المفقودة في المجتمع المدني هي التخطيط الأمني  باعتبار إنو الناس ما بتعمل تقييم مسبق للمخاطر البتواجهها في البيئات شديدة الحساسية. وكل ما زادت درجة التخطيط المسبق قلّت درجة المخاطر الفعلية. ومن أهم عناصر هذا التخطيط: تقييم المخاطر الرقمية، وبروتوكولات الاستجابة لحملات التخوين، والتشبيك مع جهات قانونية ونفسية جاهزة للتدخل».

«التشبيك والشفافية العالية ضرورية خصوصاً للشغالين في الجوانب الإنسانية  لكن مع الابتعاد عن الشؤون السياسية وعدم نشر معلومات يمكن أن تتحوّل إلى ذخيرة. التخطيط الأمني هو السلاح الفعّال لأنو حتى آلية التضامن هسة — مع الانقسام الكبير وسرديات التضليل قد ما تكون مجدية إذا فُقدت الحقيقة نفسها».

المعز الزين  |  منسّق الاستجابة الإنسانية — منظمة عديلة

«وتيرة الاتهامات ليست واحدة مرتبطة بمراحل النزاع وبمدى تهديد العمل الإنساني لمصالح الأطراف المتحاربة. الشفافية التي تعملها الغرف بإعلانها عن الموارد التي تجيها ممكن يكون سبباً لتصفيات سياسية لأنو ممكن يعتبروا الغرف امتداداً لتجارب قوى الثورة».

«المناطق الفيها خطورة عالية ما بنقدر نشتغل فيها — لكن برضو بنشوف إنو مشاركة التجارب والمعلومات مع الشركاء بتساعد في توفير حماية وتوضيح الشائعات وتفنيد الاتهامات. ما تقاتلوا منفردين — الشبكات الداعمة هي الدرع الحقيقي».

نهى الصامدة التي قالت وهي داخل المعتقل «كنت واثقة من نفسي ما عملت أي حاجة» هذه الثقة كانت درعاً بُنيت قبل الأزمة لا خلالها. الإنسان الذي يعرف لماذا يعمل وماذا يعمل بالضبط يجد في هذا الوضوح مصدراً للثبات حين تُهزّ الاتهامات كل شيء من حوله. وما يبقى في الذاكرة بعد قراءة هذه الشهادات ليس الأرقام — 1,158 إعجاباً، 44 حالة موثَّقة. ما يبقى هو نهى الصامدة تسمع صوت سيارة في الشارع وتنكمش. وكرار الأمين الذي لا يستطيع العودة إلى مدينته. وإدريس عنتر الذي يغيّر بلده لأن صورة مع مسؤول أممي صارت حكماً مُضمَراً. وأيمن البشرى الذي يعيش في ظل تهديد «حيكتلوك» الذي لم يُحسم. هذه حيوات مهددة يعيشها أناس حقيقيون أرادوا فقط أن يخدموا مجتمعاتهم في زمن لا يرحم.

“الهدف الحقيقي من المصيدة هو الخوف في ذاته. الخوف الذي يُنتج الصمت. والصمت الذي يُفرغ المجال العام من أكثر الأصوات أمانةً وشجاعةً. وهذا بالضبط ما تريده الأطراف التي تُطلق هذه الحملات.”

خلاصة التحقيق

جميع الأسماء الواردة أسماء مستعارة لأغراض الحماية | جميع التفاصيل الأخرى موثَّقة وحقيقية

الوثائق الأولية: خريطة شبكة الاتهامات + بلاغ شرطي  + لقطات شاشة + تسجيل صوتي | محفوظة لدى فريق التحقيق

بُني على 5 شهادات مباشرة + تحليلات 6 خبراء + قاعدة رصد بالمصادر المفتوحة | 44 حالة | 12 ولاية | 2023–2026

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات