جبراكة نيوز: تقرير
أمل يحي
تروي حليمة خميس أن ابنتيها خرجتا إلى السوق القريب من المنزل لجلب بعض الخضروات، وعند عودتهما رافقهما أفراد من قوات الدعم السريع.
وعندما نظرت إليهم، شعرت بالخوف، وسألتهم: “ماذا حدث؟”. أحدهم قال لها: “أنا محمد حسين، وأريد أن أتزوج ابنتك هذه”. من الصدمة، امتلأت عيناها بالدموع، فقال لها: “هوي يا حاجة، مالك بتبكي؟ أنا داير بتّك على سنة الله ورسوله”. فردّت عليه: “تعال بعد أسبوع وسنرد لك بالواجب”.
لكنه وجه سلاحه نحوها قائلاً: “شوفي، يا تعطيني البنت بموافقة، ونعمل ليكم مناسبة، ونجيب مال، أو باخدها منك غصباً عنك”. حاولت حليمة التفاوض معه، وقالت له: “بس يا ولدي، بتي صغيرة، ما جاهزة للزواج، لكن ما مشكلة، جيب أهلك وتعال تقدّم رسمي”. ردّ: “أهلي في البلد، ديل أصحابي هم أهلي”. فقالت: “على بركة الله، لكن أحتاج من أسبوعين لثلاثة لتجهيز العروس”.
في ذات اللحظة، أعطاها مبلغ ثلاثة مليون جنيه، وقال لها: “لو حاولتِ تهربي، بقتلك إنتي وعيالك، وبمر عليكم كل يوم أشوف عروستي. قدامك أسبوعين بس”. بعد مغادرتهم، انهارت أسماء بالبكاء، وكذلك ابنتها، وتساءلتا: “ماذا نفعل يا أمي؟”.
ذهبت إلى جارتها وسردت لها ما حدث، وقررن الهروب. في الأسبوع الأول، جرى تمويه العدو بتحضيرات العرس، وفي بداية الأسبوع الثاني طلبت من الجندي إذنًا للذهاب إلى السوق لجلب “ريحة العروس”. خرج أولادها الصغار مع الجارة للسوق، وبعد ساعات، غادرت مع ابنتها إلى جبل أولياء، ثم إلى مدينة ربك، وهناك حمدت الله على النجاة.
تسكن حليمة خميس في حي الأزهري، جنوب الخرطوم. أرملة وأم لخمسة أبناء، كانت تعيل أسرتها حتى اندلاع الحرب، التي تسببت في فقدان مصدر دخلها، واعتمدت على مبلغ بسيط من شقيقها الأكبر. بعد أربعة أيام، أتت جارتها وقالت: “يا حليمة، الولد ده بجي يسأل عنكم، وكان غاضب شديد لما عرف إنكم ما رجعتوا. قلنا ليه إنكم نازحين”.
ضرب وإهانة
شهادة أخرى من فتاة سودانية فضلت حجب اسمها قالت إنها تعرّضت للتهديد من أحد أفراد قوات الدعم السريع الذي أراد الزواج بها، وعندما رفضت، وجه السلاح إلى رأسها وهددها بالقتل والخطف. أُجبرت على الزواج، وكانت تحت المراقبة من عناصره وحتى من الجيران. بعد الزواج، تعرضت للضرب والإهانة، وشهد الجيران على ذلك.
وفي 31 يناير، أطلق عليها زوجها الرصاص، ما أدى إلى بتر إصبعها الأوسط بعد عمليتين أجريتا في مستشفى “الراقي” بالخرطوم. لا تزال تعاني من مشاكل صحية في الرئة بسبب الضربة، وقالت إن صور زفافها انتشرت لاحقًا في وسائل التواصل، ما عرّضها لموجة ثانية من التنمر والتهديد.
تصريحات رسمية
قالت سليمى إسحاق، مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، لـ«جبراكة نيوز»إن الوحدة رصدت 138 حالة مؤكدة لزواج بالإكراه تحت تهديد السلاح في الخرطوم، الجزيرة، ودارفور. وأضافت أن معظم الضحايا فتيات صغيرات، وأن ما يحدث هو “اغتصاب تحت غطاء الزواج”، بل يصل إلى الاسترقاق الجنسي، حيث يتناوب أكثر من رجل على الضحية.
وأكدت سليمى أن قوات الدعم السريع تستخدم العنف الجنسي كسلاح يُغذيه الصمت والوصمة، ويتسبب في تدمير المجتمع نفسيًا واجتماعيًا.
تقارير دولية عن العبودية الجنسية
أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها بعنوان “الخرطوم لم تعد آمنة للنساء” بأن قوات الدعم السريع ارتكبت عمليات اغتصاب جماعي وزواج قسري، وشهدت فتيات ونساء أنهن احتُجزن في ظروف تصل إلى حد العبودية الجنسية.
قالت لاتيشيا بدر، نائبة مدير قسم إفريقيا بالمنظمة، إن الميليشيات منعت الضحايا من طلب المساعدة، ما زاد من حجم المأساة.
كما أشارت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى تلقيها تقارير تفيد بزواج فتيات لا تتجاوز أعمارهن 12 سنة تحت تهديد السلاح، في محاولة لحماية الأسر لبناتهن من مصير أسوأ.
وأكدت البعثة أن العنف الجنسي في السودان ممنهج وليس عشوائيًا، وغالبًا ما يكون منظمًا ومنسقًا، وهو جريمة حرب.
تأثيرات نفسية خطيرة
قالت الدكتورة منى رحمة الله أحمد، أخصائية الطب النفسي، لـ«جبراكة نيوز» إن الزواج القسري في ظل الحرب يؤدي إلى صدمات نفسية عميقة، تشمل اضطراب ما بعد الصدمة، نوبات هلع، اكتئاب، وشعور بالعجز والعار.
وقد تصل هذه التأثيرات إلى التفكير في الانتحار، خاصة في ظل غياب الدعم النفسي والاجتماعي.
الاسترقاق الجنسي
بينما قالت المحامية الحقوقية أروى صابر لـ«جبراكة نيوز» إن الزواج القسري في النزاعات المسلحة قد يتحوّل إلى استرقاق جنسي أو اتجار بالبشر، وهو شكل من أشكال العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
وأوضحت أن وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 75/167، فإن غياب رضا الفتاة أو ولي أمرها يجعل هذا الزواج غير قانوني، حتى لو تمت إجراءات العقد بشكل رسمي.
أحدث التعليقات