عبدالعزيز العميري صوت من سماء زمن تاني
نضال عبدالوهاب
وضي الحُب في قلبي
زي الشمعة كان وقاد
وزي ما الدنيا كدا بتدور
زي ما النار بتبقي رماد
إتفرقنا للمجهول
وفجأة بقينا نحن بُعاد……
كانت آخر ما غنى “العميّري” من ذات كلماته قبل رحيله، وهو صاحب الـ35 عاماً، شاباً، حياة قصيّرة ملئية بالجمال والحُب والوسامة…
رحل عبدالعزيز العميّري باكراً ولكنه ساهم في تكوين وجداننا ورسمه على الرُغم من أن سنوات غيابه الفعلي تعدت مجموع سنوات عمره بعام….
الرابع من يوليو يُصادف ذكرى رحيله السادسة والثلاثين، رحل بعد انقلاب ناس “الإنقاذ” والحركة الإسلامية فقط “بأربعة أيام”، وكأنه كان يوفر على نفسه العديد من السنوات والأحداث اللاحقة التي لم يكُن لمثله تحمّل قبحها وقتامتها، مات في زمن “حظر التجول” والطوارئ و”التفتيش” الليلي، وانفجرت داخله “قرحة المعدة” ومات بالنزيف الحاد.
العميري نشأت “شخصياً” على صوت غنائه وحضوره الطاغي كما الكثيرين من أبناء جيلنا، كنا نسمع أغنياته من التلفزيون والراديو والحفلات الخاصة، ونشاهده ممثلاً بارعاً في “محطة التلفزيون الأهلية” التي خرج منها العديد من فناني الضحكة والكوميديا في السودان وتحولت بعدها لفرقة الأصدقاء المسرحية.
كنت محظوظاً جداً أن التقيه ويتحدث إليّ وأنا طفل صغير بتواضع كبير منه خلال حضوره للغناء في بيت العائلة الكبير والمجاملة في مناسبات تخص “عائلتنا”، ولصداقته لبعض معارفنا وأقربائنا في ذات فترة محطة التلفزيون الأهلية وبزوغ نجمه تلك الأيام في بداية الثمانينات من القرن السابق.
واستمر عشق صوت العميري كفنان والاستماع إليه حتى بعد رحيله ولسنوات طويلة، وحتى بعد دخولنا مرحلة الجامعة و”أيام طلبة”، ولم تكن تخلو جلسات سمرنا كشلة أصحاب دون ترديد أغنياته التي اشتهر بها وتغني.
(يا عيون المها، يا روحي أنصفني، أنا حالي ظاهر، ميل وعرض، ياقمر، كان بدري عليك…. وغيرها).
لم يكن العميّري مُغنياً صاحب صوت “ما عادي” ولا ممثلاً في التلفزيون والمسرح، ولكنه كان شاعراً عميّق الكلمات، غني له آخرون كمصطفى سيد أحمد وسيف الجامعة ممن تحضرني أسماءهم.
كتب العميّري “الممشي العريض” التي تغني بها مصطفى سيد أحمد.
كُل خاطر كان بريدك
إلا ريدك كان رسول
الدهشة في كُل الديار
وأنا زي عوايد الشعر فارس
شد خيل الكلمة ليل
مكتوب علي ضهر البداية
القالوا آخرها بين إيديك
وسرحت يا مهون تهون
كان أجيك كان أصل يوم
لي حضورك كت بريدك
ومشتهيك……
وكتب يا نديدي التي غناها سيف الجامعة….
ما اشتكيت لي وردة غيرك
وما لمست سوي حريرك
وكلما هاجت شواغل ما نشدت
سوي مصيرك
شوفي كيف الدنيا أخضر من زمان
وعايني كيف الأفق أوسع من مكان
هلّ فجرك …. يا مصابيح إنطفي
تاني وين ضيق المحل لو إنتي في
أي صوت راجيهو صوتك وأي شريان
فيك وريدي
الزمن قاسي الملامح وإنتي نوارة
قصيدي…. يانديدي…….
كتب وغني من كلماته عدد من الأغنيات:
يا قمر أنا ما بطولك
أديني من نورك وميض
شان أنور أنا وأبقي طولك
يا قمر ليلك غُنايا
وليلك أكتر من حكاية
فرحة بتطوف المدينة
دعوة لي همس الصبايا
ولما تزعل أبقي باسم
حتي في زعلك معايا
شان البلد… كل البلد
تفرح تقول القمرة جاية
وكتب لليل وللنيل في أبروف والموردة الذي كان كما قص عنه يحي فضل الله كثيراً ما يتجه إليه أولاً قبل أن يدخل لعمله في التلفزيون والإذاعة:
ولما سألت ريح الليل
وكنت براي عود واهي
غلبني أساوم الرجعة
ونزفت جروحي زي ما هِي
أريتو ألمنا لو شُفتي
دا ليل الغُربة مُتناهي
حدود الغربة
فيهو الغربة
بعدو الغربة
والأفق الرقد ساهي
أمد أيديا بس لي وين
وأقاوم كيف زمن لاهي
لانفع التودد فيهو
لا جاياهو حنية
شتت أملي في الموجات
كسر في العشم جية
دا كُله من السواحل ديك
ومن ظُلم المعدية
أنا البعتا الفرح للنيل
وغشوني المراكبية….
من المشهور عن العميّري أنه في آخر أيامه كان كثيراً ما يُمازح أصدقاءه بقرب رحيله وبفكرة الموت قائلاً: (يا جماعة ما خلاص كفاية ٣٥ سنة).
ورحل باكراً بالفعل كما كان يُغني (كان بدري عليك وعلي وداعك… يا المُغري وفاتن إبداعك… رحت وما زال عندي شُعاعك).
وكما كتب وغنى وردد في آخر أيامه: (أديني سمعك في الأخير… أنا عُمري ما فاضل كتير).
حكى عنه صديقه عبدالرحيم قرني مما نقله يحيى فضل الله أيضاً أنه كثيراً ما كان يقول لهم (أنا أول زول حيموت قبليكم)… وصدقت نبؤته عن نفسه.
عبدالعزيز العميّري صوت كأنه يأتي من سماء زمن تاني وليس من الأرض، زول وسيم وجميل وحي وضاحك.
شكراً ليك يا العميّري، شكراً على كُل طاقة الحب والكلام العميّق السمح الخليتو لينا ومشيت، مُمتنين ليك وناس كتيرة قامت لقتك جواهم وفي قصص ريدتهم وقعداتهم السمحة، شكراً لأنك ورغم “القُبح” الكثيف الكان موجود في سنوات كثيرة سابقة بعد رحيلك لكنك كنت كل ما تطل بي صوتك من أي فجة بتحول المكان بهدوء لجمال غير طبيعي وبتخلينا لُطاف السمع بنتحلق حوليك وروحك بتشوف.
رحمك الله رحمة واااااسعة…
أحدث التعليقات