جُبراكة نيوز: جنوب دارفور
تشهد مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، ظاهرة اقتصادية لافتة مع تداول أوراق نقدية (يبدو أنها طبعت حديثا) من فئة 500 جنيه سوداني، وأطلق عليها محليًا اسم “تأسيس”.
هذه العملة، التي لا تحمل أحيانًا أرقامًا تسلسلية، فُرضت على الأسواق من قبل عناصر قوات الدعم السريع، وسط تذمر من التجار والمواطنين، وتساؤلات متزايدة حول شرعيتها ومصدرها.
وقد كانت السلطات السودانية من بورتسودان قد اتخذت قرار تغيير العملة في أواخر العام 2024، بيد أن قوات الدعم السريع التي ما زالت تسيطر على مناطق واسعة من غربي البلاد وجزء كبير من ولايات كردفان لم تعترف بهذا التغيير، وظلت تتعامل بالعملة القديمة بحكم سيطرة الدعم السريع على الاقتصاد والمجتمعات في تلك المناطق، ما يثير التساؤلات حول إمكانية تقسيم محتمل للبلاد في ظل وجود سلطتان تتصارعان على النفوذ السلطوي والجغرافي.
ويجاهد البنك المركزي في السودان، وهو المنوط به إدارة شؤون العملة والاقتصاد مركزياً، للعودة إلى العمل. ورغم وجود عدد من الأفرع الخاصة به في ولايات عديدة من السودان إلا أن الحرب التي اندلعت في الخرطوم في 15 أبريل 2023 شلت قدرته على إدارة النظام المالي في البلاد.
تجار: العملة فُرضت علينا بالتهديد
في حديثه لـ”جبراكة نيوز”، قال أحد تجار سوق المواشي، طالبًا عدم ذكر اسمه: “بدأت هذه الأوراق بالظهور قبيل عيد الأضحى، حيث أدخلها عناصر من الدعم السريع إلى السوق، وطلبوا منا اعتمادها كعملة رسمية”. وأضاف: “رفضنا في البداية، لكنهم هددونا بالسجن والغرامة، وأجبرونا على استلامها باعتبارها مرتبات صُرفت لهم”.
ويشير التاجر عبدالجبار عبدالله في حديثه لـ “جُبراكة نيوز” إلى أن بعض هذه الفئات لا تحمل أرقامًا تسلسلية، مما يزيد من مخاوف التزوير، ويُطلق عليها محليًا اسم “المستنفرات”، في إشارة إلى أنها تعود لقوات غير نظامية من الدعم السريع
وأضاف” “إذا وجدت هذه الأوراق مع أحد أفراد الدعم السريع، لا يُسمح لك بوصفه بالمستنفرة، وإلا قد تتعرض للاعتقال بتهمة الانتماء للطابور الخامس أو عدم الرضا عن الوضع”.”
.وتابع: “لا يمكنك حتى الحديث عنها باسمها المتداول، فذلك قد يعرّضك للاعتقال بتهمة الانتماء للطابور الخامس أو التمرد على الوضع القائم”.
مصدر بالدعم السريع: نُقلت من الإمارات لتغطية المرتبات
في تأكيد غير رسمي، كشف مصدر في قوات الدعم السريع لـ”جبراكة نيوز” أن هذه الأوراق النقدية الجديدة نُقلت من دولة الإمارات عبر جسر جوي إلى مطار نيالا، بهدف صرف مرتبات الجنود، خاصة القوات غير النظامية، ضمن ما وصفه بـ”الترتيبات التأسيسية لتشكيل حكومة موازية لحكومة البرهان”.
المصدر أشار إلى أن هذه الخطوة تأتي في سياق ما تعتبره القيادة “حقًا سياديًا” لإدارة شؤون المناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك إدارة السيولة النقدية ودفع المرتبات وتسيير المرافق الخدمية.
صراع نقدي بين سلطتين؟
تأتي هذه التطورات في ظل انقسام نقدي أعمق تشهده البلاد منذ أواخر عام 2024، عندما أعلن بنك السودان المركزي عن سحب فئتي 500 و1000 جنيه من التداول، بدعوى مكافحة التزوير وتجفيف السوق من الأموال المنهوبة. وقد طُبّق القرار في الولايات الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة، بينما رفضته قوات الدعم السريع، معتبرة إياه محاولة لتقسيم البلاد اقتصاديًا.
وتسببت الخطوة في أزمة سيولة حادة في مناطق الحكومة، خاصة في بورتسودان، بسبب نقص الكميات المتوفرة من العملة الجديدة، مما أدى إلى شلل في بعض الأنشطة الاقتصادية. وتشير تقارير دولية إلى أن التضخم تجاوز حاجز 300%، في وقت فقد فيه الجنيه السوداني أكثر من 80% من قيمته خلال عام واحد.
داخل نيالا، في الأحياء والأسواق، يتحدث المواطنون عن واقع جديد فرضته هذه العملة. يقول المواطن مهند عثمان لـ “جُبراكة نيوز”: “الناس يطلقون عليها اسم ‘تأسيس’، ويُقال لنا إن رفض التعامل بها يعني رفضك للحكومة الجديدة. لا أحد يجرؤ على الاعتراض، فالظروف الأمنية لا تسمح”.
ويضيف: “تُستخدم في المواصلات والأسواق، ومع الوقت أصبحت مفروضة بقوة الأمر الواقع، رغم أن الجميع يعلم أنها غير معتمدة رسميًا”.
بحسب تقارير دولية، من بينها ما نشرته صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية في ديسمبر 2024، ومنصة TRT Afrika في مايو 2024، فإن ما يحدث في نيالا يعكس بوادر ما يُعرف بـ”الاقتصاد المزدوج” في السودان؛ حيث تُدار بعض المناطق من قبل قوات الدعم السريع بأنظمة مالية موازية، تشمل فرض جمارك، ودفع مرتبات، وتداول أوراق نقدية خارج سلطة البنك المركزي.
وأشارت هذه التقارير إلى أن الدعم السريع يسعى لتكريس واقع مالي مستقل عن الحكومة الرسمية، من خلال السيطرة على الموارد، وتأسيس أنظمة جباية خاصة، وإدخال كميات كبيرة من النقد غير المعتمد رسميًا. هذه المؤشرات، وفقًا لما نقلته TRT Afrika، تعزز مخاوف من نشوء “سيادة مالية مجزّأة” على الأرض.
أحدث التعليقات