جبراكة نيوز: تقرير عيسى دفع الله
“الله يديك البركة، لا تقتلني…” بهذه الكلمات استنجد العم أحمد قندول، صاحب مطعم بالقرب من مستشفى نبض الحياة بمدينة الفاشر، عندما أوقفه عنصر من قوات الدعم السريع داخل فناء منزله في حي النصر.
أُجلِس العم أحمد على الأرض، وعنصر الدعم السريع الذي كان ملثماً أزاح “الكدمول” عن رأسه، ما كشف جزءاً من شعره أمام العم أحمد الذي جلس على الأرض.
سأل العنصر العم أحمد عن مكان قائد الفرقة السادسة، فأجاب أنه مواطن ويمتلك مطعماً ولا علاقة له بالعسكريين. ثم سأله عن قبيلته، فأجاب أنه من قبيلة البرتي، حينها أطلق عليه فرد قوات الدعم السريع وابلاً من الرصاص في أنحاء متفرقة من جسده، قبل أن يطلق عليه رصاصة الرحمة التي أودت بحياته.
وأظهر العنصر رغبة في توثيق المشهد، متوجهاً بسؤال لرفيقه: “هل صورت؟”، في إشارة إلى تسجيل الاستجواب والإعدام الميداني، في مشهد مؤلم جسّد دور القاضي والجلاد في أقصر محاكمة شهدتها مدينة الفاشر المنكوبة والمحاصرة بالجوع والأمراض.
أثار مقتل العم أحمد موجة غضب وإدانات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجّه السودانيون انتقاداتهم لقوات الدعم السريع واتهموها بارتكاب إبادة جماعية بحق أهالي دارفور المنتمين إلى المجموعات الإفريقية.
ردود فعل حقوقية
أدانت مجموعة مناصرة دارفور جريمة الإعدام الميداني بحق المواطن أحمد قندول، مؤكدة أن مقطع الفيديو يُظهر أحد أفراد الدعم السريع وهو يستجوب الضحية الأعزل قبل إطلاق النار عليه مباشرة، معتبرة أن هذه الحادثة تعكس السياسة الممنهجة للدعم السريع في استهداف المدنيين العُزّل على أساس قبلي.
وطالبت المجموعة بفتح تحقيق دولي عاجل في هذه الجريمة وجميع الانتهاكات بحق المدنيين الفارين من الفاشر، وحمّلت قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن استهداف وتجويع السكان وحرمانهم من أبسط حقوقهم، داعية المجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي إلى التحرك الفوري لوقف ما وصفته بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، مؤكدة أن “الصمت تواطؤ، وإفلات مرتكبيها من العقاب يعني تكرارها بلا نهاية”.
كما وثّقت شبكة الأقلام الحرة لحقوق الإنسان الواقعة، معتبرة أنها استهداف مباشر للمدنيين خارج نطاق القانون، مع مؤشرات على نمط إبادة جماعية متكررة منذ حرب دارفور 2003 وحتى الحرب الحالية منذ أبريل 2023، ودعت إلى توثيق الجريمة وإجراء تحقيق دولي مستقل.
شهادات صحفية
قال الصحفي السوداني لؤي عبد الرحمن، في تدوينة على حسابه في منصة “فيسبوك”، إن حادثة اغتيال المواطن الأعزل تركت أثراً نفسياً بالغاً على الصحفيين والرأي العام، وأضاف: “صحيح أن الموت كثير في هذه الحرب، لكن يبدو أننا لم نحتمل أكثر. حرصت على ألا أكمل مشاهدة الفيديو”.
وأشار عبد الرحمن إلى أن 18 عاماً من تغطية أخبار القتال في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق جعلته يتساءل عن جدوى اختياره لمهنة الصحافة، وأضاف: “لو عاد بي الزمن إلى الوراء لما اخترت هذه المهنة”، مؤكداً أن الشعب السوداني وحده من يدفع ثمن هذه الحرب، وهو يستحق السلام.
أما الصحفي فيصل سعد، فاعتبر الحادثة استمراراً للجرائم الممنهجة، وقال: بعد التمثيل بجثة والي غرب دارفور خميس أبكر وتوثيق جرائم الاغتصاب، ها هي مجموعة (تأسيس) تقدّم شكلاً جديداً من القتل على أساس عرقي مصوَّر بطريقة تقشعر لها الأبدان.
وتساءل سعد في تدوينة على حسابه بموقع “فيسبوك”: ما ذنب هذا الرجل الذي أُعدم بدم بارد؟ هل بهذا الشكل تُبنى الديمقراطية وتتحرر الشعوب من المظالم التاريخية؟
بينما قال الصحفي والكاتب محمد الأمين عبد العزيز إن جريمة اغتيال العم أحمد في الفاشر تمثل تجسيداً لعقيدة قوات الدعم السريع القائمة على سؤال الهوية قبل الرصاصة، معتبراً أنها ليست مجرد جريمة فردية بل امتداد “لمشروع إبادة عرقي ممنهج تُدار معاركه من غرف مكيّفة في دبي بدعم إماراتي”.
وأضاف أن بث الجريمة على الملأ دليل على استهانة الدعم السريع بالقوانين والإنسانية، وأن الحادثة تمثل “موت مشروعها أخلاقياً وإنسانياً”.
وأكد عبد العزيز في تدوينة على حسابه في منصة “فيسبوك” أن دماء الأبرياء لن تضيع هدراً، بل ستتحول إلى وقود لانتصار إرادة الحياة على مشروع الموت.
رد قوات الدعم السريع
أعلنت قوات الدعم السريع عن فتح تحقيق فوري بعد تداول مقطع الفيديو، مؤكدة رفضها لأي سلوك يخالف القيم العسكرية والأخلاقية. وأوضحت أن لجنة التحقيق ستتحقق من تبعية المعتدي، وفي حال ثبوت انتمائه للقوات سيتم محاسبته فوراً وفق قانون قوات الدعم السريع وتوجيهات القيادة، مع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني ومعاهدات جنيف بشأن المدنيين وأسرى الحرب.
وأشار بيان صادر عن قوات الدعم السريع، الأحد، اطّلعت عليه «جُبراكة نيوز»، إلى ما وصفه بـ “محاولات فبركة أعمال تمثيلية من قبل الحركات المسلحة والحركة الإسلامية بغرض إدانة القوات”، مستشهداً – البيان – بحادثة معسكر زمزم، مؤكداً التزام القوات بحماية المدنيين والتمسك الصارم بقواعد الاشتباك.
نصر سياسي
بينما قال الكاتب والباحث منتصر إبراهيم إن استمرار الهجوم على الفاشر وعدم إعلان وقف إطلاق النار يمثل محاولة أخيرة لتحقيق نصر سياسي مستحيل، في “ظل فشل أي مكاسب تتحول إلى هزائم”.
وأضاف في تدوينة على حسابه بموقع “فيسبوك” أن تصفية المدنيين العُزّل والموثقة بالصوت والصورة تجسّد الوجه الأقسى لما يرفضه أي ضمير حي، وأن هذه المشاهد تعكس حجم المخاطر المستمرة على المدنيين.
انتهاك صارخ
أدان رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، الحادثة التي أظهرها مقطع الفيديو المتداول والذي يوثق إعدام أحد المدنيين العُزّل على يد عنصر من قوات الدعم السريع، واصفاً إياها بأنها انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية والقانون الدولي الإنساني.
وقال الدقير إن هذه الجريمة تجسّد أبشع صور الازدراء بقدسية حياة الإنسان وتهز كل ضمير حي، مطالباً بتحقيق مستقل في الحادثة وسائر الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب، وصولاً إلى تحديد هوية الجناة ومحاسبتهم.
وأكد أن استمرار الحرب لن يجلب سوى المزيد من القتل والانتهاكات والدمار، مشدداً على أن الواجب العاجل يتمثل في وقفها فوراً، والاحتكام إلى حل سياسي سلمي يحقق السلام المستدام وإعادة بناء الوطن على أسس جديدة يتوافق عليها السودانيون.
مواقف المؤسسات
أدان برلمان الشباب السوداني – منظمة سياسية – الجرائم المروِّعة التي ترتكبها قوات الدعم السريع في الفاشر، واعتبر ما يجري جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية محتملة.
وطالب البرلمان بالتوقف الفوري عن القتل والتجويع ورفع الحصار وضمان وصول المساعدات الإنسانية، داعياً مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى التحرك العاجل عبر آليات مسؤولية الحماية ومنع الفظائع الجماعية. كما أوصى بإدراج قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ضمن قوائم الإرهاب والعار، وتمكين لجنة تقصّي الحقائق من صلاحيات أوسع لضمان مساءلة الجناة، مؤكداً أن أي عملية سلام مستقبلية يجب أن تستند إلى العدالة الانتقالية وحماية المدنيين ومنع الإفلات من العقاب.
إبادة جماعية
قال التجمع المدني الدارفوري للعدالة والسلام إن إقليم دارفور يواجه اليوم إبادة جماعية ممنهجة تتجلّى في المجازر، الحرق، والقتل على الهوية العرقية، مشيراً إلى أن الوضع بلغ حد المجاعة في شمال دارفور، وخاصة بمدينة الفاشر.
وأوضح التجمع أن جرائم الحرب والانتهاكات ضد المدنيين استمرت منذ أبريل 2023 في مناطق مختلفة، بدءاً من الجنينة وأردماتا مروراً بمعسكر زمزم وأبو شوك، حيث قُتل الآلاف، ودُفن بعضهم أحياء، وأُبيدت أحياء سكنية كاملة، فيما تعرّض النساء والأطفال للاختطاف والقتل.
وأشار البيان إلى تداول مقطع مصوّر يُظهر إعدام مدني من قبيلة البرتي بمدينة الفاشر على يد عناصر من قوات الدعم السريع بعد سؤاله عن انتمائه القبلي، واعتبر ذلك دليلاً واضحاً على أن ما يجري إبادة جماعية عرقية وليست حرباً.
وطالب التجمع المجتمع الدولي بتحرك عاجل، من خلال نشر نتائج تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية وتوجيه الاتهام للجناة، بجانب نشر بعثة حماية دولية وأفريقية، وتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية.
وأكد التجمع أن تأجيل العدالة هو إنكار لها، وأن صمت المجتمع الدولي تجاه القتل والمجاعة في دارفور لا يعدو سوى كونه تواطؤاً في استمرار الإبادة الجماعية.
أحدث التعليقات