جُبراكة نيوز: مآب الميرغني
في ظل استمرار الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، وفي وقت تتزايد فيه التحديات أمام المؤسسة العسكرية، أعلن رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عن حزمة قرارات شملت إخضاع جميع القوات المساندة لأحكام قانون القوات المسلحة ووضعها تحت إمرة قيادة الجيش، إلى جانب ترقيات وإحالات واسعة في صفوف الضباط.
القرارات، التي تزامنت مع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، اعتبرها مراقبون خطوة لإحكام السيطرة وترتيب البيت العسكري، بينما تباينت قراءات الخبراء والمحللين حول أبعادها بين من يراها استجابة لخطة خارجية، ومن يعتبرها خطوة عسكرية بحتة، ومن يقرأها كرسالة طمأنة بوجود جيش واحد يمسك بزمام الأمور.
في هذا السياق، استطاعت صحيفة «جُبراكة نيوز» استنطاق عدد من المحللين السياسيين والعسكريين وخرجت بالحصيلة التالية التي تعكس تباين التحليلات لهذه القرارات.
سلام قادم
من زاوية سياسية، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمحلل السياسي البروفيسور صلاح الدين عبد الرحمن الدومة أن القرار الذي أصدره رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، والقاضي بإخضاع القوات المساندة لقانون القوات المسلحة ووضعها تحت إمرة الجيش، يمثل إحدى ثمار زيارة البرهان الأخيرة إلى سويسرا وزيورخ، ومن نتائج تعاقداته مع الأمريكيين، في إطار بداية تنفيذ خطة أمريكية كبرى يجري تنفيذها وتشمل واجبات موزعة بين البرهان.
ويشير الدومة إلى أن هناك أيضًا واجبات يقوم بها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي». وأوضح في معرض حديثه لـ«جُبراكة نيوز» أن هذا القرار يهدف إلى توحيد الجبهة العسكرية وإحكام السيطرة والتحكم في القوات النظامية عامة وعلى كل من يحمل السلاح بصفة خاصة.
وأضاف الدومة أن القرار أعقبه إجراء آخر تمثل في إحالة سبعة من كبار اللواءات المحسوبين على النظام السابق «الكيزان» إلى التقاعد، بينهم اللواء حسن بلال الذي وصفه بأنه قام بـ«كل الموبقات من خنق الحكومة الانتقالية وافتعال الأزمات وقطع الكهرباء وتأجيج الفوضى»، إلى جانب اللواء نصر الدين من سلاح المدرعات وآخرين.
وقال إنه، بحسب متابعاته للأسافير، فقد رصد وصف بعض المعلقين من الإسلاميين لهذه الإحالات بأنها «مجزرة»، لكنه توقع أن تتبعها قرارات إضافية تشمل مزيدًا من الإقالات وتحجيمًا لجميع المجموعات المسلحة، إلى الدرجة التي يمكن أن يتم فيها إخراجها من العاصمة.
ورأى الدومة أن هذه الخطوات «أخبار جميلة ومبشرة توحي بأن السلام قادم لا ريب فيه، وأن الإنقاذ والكيزان إلى مزبلة التاريخ، وإن كان ذلك قد يتم بشيء من الرفق»، معتبرًا أن هذه التطورات تأتي ضمن منظومة المشروع الأمريكي لإحلال السلام وتحقيق حكومة مدنية للفترة الانتقالية في السودان.
خطوة استثنائية
أما الخبير العسكري عمر أرباب فيعتبر أن القرار خطوة استثنائية بطبيعتها، مشيرًا إلى أن مثل هذه الإجراءات عادة ما تتم في سياق عمليات السلام وبعد توقيع التسويات، وليس خلال الحرب.
ومضى في حديثه لـ«جُبراكة نيوز» إلى أن القرار أقرب إلى عملية إخضاع أو دمج من طرف واحد، موضحًا أن المستهدف الأساسي به هم الحركات المسلحة أكثر من القوات المساندة التي تقاتل بجانب الجيش.
وأوضح أرباب أن الهدف من القرار هو فصل القيادة الميدانية عن القيادة السياسية، بحيث يكون التنسيق مباشرًا بين هذه القوات وقيادة الجيش، لكنه حذّر من أن هناك مخاوف من تمرد بعض هذه القوات، خاصة أن الروابط القبلية هي التي تشكل أساس انضباطها أكثر من التسلسل العسكري.
وقال أرباب إن ردود الفعل ستكون متفاوتة، فبعض الحركات مثل قوات «درع السودان» بقيادة أبوعاقلة كيكل، وقوات مالك عقار و«طمبور» قد تتجاوب مع القرار، بينما قد تبدي حركات «جبريل ومناوي» ترددًا وتوجسًا حياله.
وأضاف الخبير العسكري عمر أرباب أن القرار يحمل أيضًا رسائل إلى الخارج حول سيطرة الجيش على القوات المساندة والحركات المسلحة، ومسألة اتخاذ القرار والسيطرة على هذه القوات في هذا التوقيت.
لذلك لا يستبعد أرباب أن تكون هناك أبعاد براغماتية لهذه القرارات، مشيرًا إلى أنه لا يمكن فصلها عن إجراءات الإحالة والترقيات التي تزامنت معها، عقب زيارة البرهان الأخيرة. ورأى أن مجمل هذه التطورات تهدف إلى إحكام سيطرة البرهان عسكريًا بعد أن عزز سيطرته سياسيًا عبر التعديلات الأخيرة على الوثيقة الدستورية.
رسائل تطمينية
في المقابل، يذهب المحلل السياسي الفاتح عثمان محجوب إلى أن الخطوة التي قام بها عبد الفتاح البرهان عبر توحيد قيادة القوات العسكرية تحت إمرة الجيش، تستهدف في المقام الأول الجبهات القتالية، لافتًا إلى أن توحيد القيادة يعزز من فعالية التخطيط العسكري، مشيرًا إلى أن المعارك الأخيرة في غرب كردفان أثبتت أهمية هذه الخطوة.
وأشار في حديثه لـ«جُبراكة نيوز» إلى أن القرار لا علاقة له بالسياسة، بل هو عسكري بالأساس، خصوصًا وأن الحركات الدارفورية المساندة للجيش سبق أن وقعت على خطط الاندماج في القوات المسلحة.
ولفت محجوب إلى أن القرار، رغم خلفيته ودوافعه العسكرية، يحمل رسائل تطمين محلية وخارجية بأن السودان يمتلك جيشًا واحدًا، ولا مجال لتكرار تجربة قوات الدعم السريع.
وأضاف أن قادة القوات المشتركة الدارفورية وقادة «فيلق البراء» جميعهم غير راغبين في الاستمرار بعد الحرب كقوات منفصلة، خاصة فيلق البراء الذي غالبًا سيتم تسريح مجنديه بعد انقضاء الحرب مباشرة، وفقًا لقوله.
وبينما تباينت قراءات الخبراء بين من يراها خطوة عسكرية بحتة، ومن يعتبرها استجابة لضغوط خارجية، يبدو أن قرارات البرهان الأخيرة تعيد ترتيب موازين القوة داخل المؤسسة العسكرية في واحدة من أكثر المراحل حرجًا.
أحدث التعليقات