الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةالاخباربيئة وعلومتقرير: التعدين الأهلي في السودان.. مخاطر على العاملين وتهديد للبيئة

تقرير: التعدين الأهلي في السودان.. مخاطر على العاملين وتهديد للبيئة

جُبراكة نيوز: تقرير/ مهند مرشد

منذ سنواتٍ تشهد مناطق التعدين الأهلي في السودان حوادثَ متكررةً لانهيار آبار التنقيب عن الذهب، ما أسفر عن مصرع عشرات العمال وإصابة المئات، في ظل سوء ظروف العمل وغياب وسائل السلامة والرقابة الرسمية الدقيقة على مواقع التنقيب.

وأعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، يوم الجمعة 15 أغسطس 2025، مباشرتها التحقيق في حادث انهيار بئر بمنجم «كارلويس» التابع لشركة «أرياب للتعدين» بولاية البحر الأحمر، والذي أسفر عن وفاة أربعة معدنين تقليديين وإصابة تسعة آخرين، بينهم حالتان خطيرتان وسبع إصابات طفيفة.

وأدى انهيار منجمٍ في نهاية يونيو 2025 إلى مقتل 11 عاملًا وإصابة سبعة آخرين في منجم «كرش الفيل» الواقع بين مدينتي عطبرة وهيا شمال شرق البلاد، وفي الشهر ذاته لقي نحو 50 مُعدّنًا مصرعهم في منطقة «هويد» جراء انهيار منجم تقليدي في المنطقة نفسها.

وقال أحد العاملين في مناطق التنقيب بالولاية الشمالية، محمد محجوب، إن بيئة العمل في الولاية سيئة، حيث ينزل العمال إلى آبار عميقة تصل أحيانًا حتى حد المياه الجوفية، مشيرًا إلى أن العمال لا يراعون مخاطر التعدين في سبيل تحسين أوضاعهم الاقتصادية المتدهورة. ولفت إلى أن كثيرًا من العمال بُترت أطرافهم أثناء محاولتهم الحصول على الذهب نظير مبالغ مالية يتقاضونها من أصحاب المناجم، فضلًا عن وفاة عدد كبير منهم بشكل متكرر.

وأضاف محجوب في حديثه لـ«جبراكة نيوز» أن حكومة الولاية تضغط على عمال التنقيب بفرض رسوم عالية، ورغم ذلك لا تقوم بدورها المتمثل في ترتيبات الأمن والسلامة، مشددًا على ضرورة وجود لجانٍ مشرفة لتقييم مستوى الأمان، تقيّم جودة «الشوكال»، وهي الأعمدة الحاملة للجبل. وإن لم تتوفر شروط السلامة الكافية تُجبر -عبر الشرطة- أصحاب المناجم على منع العمال من النزول إلى الآبار حفاظًا على حياتهم.

ورغم أن مخاطر انهيار المناجم هي الأعلى خطورة، أشار محجوب إلى أن انتشار الزواحف والحشرات السامة يتسبب أيضًا في إصابة عدد من العاملين، ومع غياب خدمات الرعاية الصحية الأولية تتعرض حياة العمال للخطر.

وقال محجوب: «إن من أبسط حقوق العمال توفير سيارات إسعاف مجهزة باللوازم الضرورية، بما في ذلك الممرضون، أو بناء وحدات علاجية قريبة من مناطق التعدين».

وأشار محجوب إلى أن انعدام شبكات الاتصالات يعد من أبرز التحديات للعاملين في مجال التعدين، موضحًا أن المستثمرين يمكنهم حل هذه المشكلة بتوفير شبكة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، مما يتيح ربط مناطق التعدين بالمراكز الصحية القريبة. ولفت إلى أن الحاجة إلى ذلك تبرز في ظل استمرار الإصابات التي تشمل انهيار الصخور ولدغات العقارب والثعابين التي تهدد حياة العاملين.

وأضاف أن السلطات المحلية تفرض على جميع العمال مبلغًا على كل جوال من الحجر المستخرج، يبلغ إجماليه 16 ألف جنيه سوداني، مشيرًا إلى أن تكلفة الترحيل إلى الطواحين تصل إلى 15 ألفًا للجوال الواحد. ورغم هذه الأعباء قد لا تحتوي هذه الجوالات على أي نصيب من الذهب، وقد تعود بالخسارة على التجار والعمال.

وفي ولاية النيل الأزرق أفاد أحد العمال الذين يعملون في التعدين العشوائي، في حديث لـ«جبراكة نيوز»، بأن من أبرز تحدياتهم -بعد المخاطر المتعلقة بانهيار المناجم المؤكدة- هو عدم وجود طبيب أو وحدة صحية يلجأون إليها في حالة الطوارئ.

وأشار إلى أن أقرب وحدة صحية أو خدمات إسعافية تقع على بعد يوم أو يومين من مناجم التعدين، موضحًا أن هناك غيابًا تامًا لخدمات الطوارئ ومعدات السلامة في منطقته.

وأضاف العامل أن المشتغلين في أعمال الذهب يقيمون في مجموعات صغيرة من خمسة إلى سبعة أشخاص تجمع بينهم صلات سابقة، داخل سكن بدائي محاط بمخاطر الأفاعي والعقارب. وأشار إلى أنهم يعتمدون بشكل أساسي في الطعام على الدقيق، والبصل، والزيت، والسمك المجفف المعروف محليًا بـ«الكجيك»، إلى جانب السكر والشاي.

ولفت العامل إلى أن شُح المياه الصالحة للشرب يمثل أكبر تحدياتهم، وحين تتوفر يتم الحصول عليها من مناطق بعيدة وبأسعار عالية، ما يضطرهم أحيانًا لاستخدام المياه المستخرجة من آبار التعدين نفسها للشرب وإعداد الطعام.

ملايين العاملين في التعدين
في تصريحات سابقة لوسائل الإعلام، أشار مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية، محمد طاهر عمر، إلى أن عدد العاملين في مجال التنقيب الأهلي بلغ أربعة ملايين شخص، فيما كان العدد يبلغ نحو مليوني شخص قبل اندلاع الحرب. وأعلن طاهر إنتاج 37 طنًا من الذهب في النصف الأول من العام 2025.

تحذيرات خبراء بيئة
أفاد الدكتور هشام الشاذلي، بمعهد الدراسات البيئية بجامعة الخرطوم، بأن استخدام مادة السيانيد في عمليات استخلاص الذهب يمثل تهديدًا بالغ الخطورة على الإنسان والبيئة، مشيرًا إلى أنها تسبب تسممًا مباشرًا قد يؤدي إلى الوفاة خلال دقائق، بالإضافة إلى أن غياب معدات الحماية في مناطق التعدين الأهلي يضاعف المخاطر على العمال والسكان.

وأوضح في حديث لـ«جبراكة نيوز» أن استخدام السيانيد يتسبب في تلويث المياه الجوفية والسطحية وتدمير التربة، كما يصعب التخلص منه لعدم توفر التقنيات اللازمة في التعدين الأهلي، مما يشكل كارثة بيئية وصحية، وفق توصيفه.

وبيّن أن استمرار استخدام هذه المادة يهدد الصحة العامة ويثير نزاعات مجتمعية، ويعرض النساء والأطفال لمخاطر مضاعفة.

ودعا الشاذلي إلى وقف استخدام السيانيد بقرار حكومي صارم، مع ضرورة رفع الوعي المجتمعي، وتشديد الرقابة على أنشطة التعدين، وتشجيع بدائل أقل سمية مثل الكربون النشط أو طريقة الجاذبية، مشددًا على ضرورة وجود إشراف حكومي صارم على كل مراحل استخدام المواد الكيميائية.

وتتشابه ظروف التعدين في جميع الولايات المنتجة للذهب، ففي ولاية جنوب كردفان قال الباحث في قضايا السلام والمدافع عن حقوق الإنسان، حجاج مجاهد الصافي (حجاج)، لـ«جبراكة نيوز»، إن استخدام مادة السيانيد في التعدين العشوائي بمناطق الجبال الشرقية يشكل خطرًا عاليًا على البيئة، موضحًا أن بعض الجهات تلجأ لاستخدام السيانيد لأنه الأرخص تكلفة في عملية استخلاص الذهب، رغم ما يسببه من أضرار صحية وبيئية بالغة.

وأكد أن مادة السيانيد تتسبب في مشاكل صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة، مشيرًا إلى أن محلية التضامن بالولاية سجلت منذ عام 2016 وحتى الآن أكثر من 1500 حالة إجهاض و40 حالة تشوه متعلقة بالتلوث الناتج عن التعدين.

وتواصلت «جبراكة نيوز» مع عدد من المسؤولين في الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة لمعرفة الإجراءات المتبعة من قبلهم لتنظيم وضبط استخدام هذه المواد في مناطق التعدين، بجانب الشروط المتبعة لتنظيم العمل في التعدين الأهلي لضمان سلامة العاملين، لكن لم تتلقَ ردًا حتى تاريخ نشر التقرير.

وقال المدافع عن حقوق الإنسان «حجاج» إن استخدام السيانيد، فضلًا عن أضراره الصحية والبيئية، يهدد وحدة النسيج الاجتماعي بين السكان، حيث تنشب خلافات حادة بين المؤيدين والرافضين لاستخدام هذه المادة.

ودعا «حجاج» المعدنين المحليين إلى الانتظام في تكتلاتٍ بغرض حماية حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والصحية، ليتمكنوا من الحصول على الدعم الفني والمادي لتطوير نشاطهم في مجال التعدين والعمل على استدامته.

ونوّه الصافي بأن التعدين التقليدي في بعض المناطق بولاية جنوب كردفان، على الرغم من أنه أتاح فرص عمل كبيرة للسكان وخفف من حدة الفقر والبطالة، إلا أنه كان خصمًا على حساب مهن أخرى مثل الزراعة والرعي، ما اعتبره فقدانًا للناتج المحلي والقومي لهذه المنتجات، موضحًا أن السعي وراء الثراء السريع في التعدين بات يهدد قطاعي الزراعة والرعي.

استفتاء شعبي لوقف استخدام السيانيد
كانت لجنة مناهضة السيانيد في محلية قدير بولاية جنوب كردفان قد رفضت، في بيان صدر يوم 9 أغسطس الجاري، مقترحًا من حكومة الولاية يدعو إلى قيام استفتاء شعبي حول استمرار عمل الشركات التي تستخدم مادة السيانيد في عمليات استخلاص الذهب. ونظمت اللجنة عددًا من الوقفات الاحتجاجية مع أهالي المنطقة رفضًا لعودة الشركات واستخدام هذه المادة.

من جهته، اعتبر الخبير في الصحة العامة وصحة البيئة، عبد الماجد مردس أحمد، في حديثه لـ«جبراكة نيوز»، أن طرح استفتاء شعبي حول استخدام السيانيد في تعدين الذهب بمحلية قدير يعد انحرافًا خطيرًا عن مبادئ حماية الصحة، وأن الحق في الحياة والبيئة الصحية حقوق أساسية غير قابلة للتصويت.

وأشار إلى أن السيانيد يسبب تلوث المياه والتربة وتسميم السلسلة الغذائية بآثار تراكمية تمتد للأجيال القادمة، وأن مجرد التفكير في طرحه للاستفتاء تفريطٌ في واجب الدولة والسلطات المحلية بحماية المواطنين، مؤكدًا أن القوانين السودانية والدولية تُلزم بمنع أي نشاط يهدد الصحة والبيئة بصرف النظر عن المبررات الاقتصادية.

وشدد على أن القضية علمية ومهنية لا يجوز أن تترك للضغوط السياسية أو المساومات المجتمعية، داعيًا إلى حسمها بقرار من خبراء الصحة والبيئة، ومؤكدًا أن الاستفتاء المعلن محاولة لشرعنة التلوث والفساد على حساب صحة المواطنين.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات