جُبراكة نيوز: تقرير – مآب الميرغني
تروي ليلى بكر، المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، في خلال زيارتها الأخيرة للسودان سبتمبر الماضي، أنها جلست في أحد الملاجئ قرب شابة في الثالثة والعشرين من عمرها، بدا أنها ترفض الحديث في البداية، إلى أن مالت عليها المديرة الإقليمية لتهمس الفتاة بكلمة واحدة في أذنها: “اغتُصبت”.
كانت هذه المرة الأولى التي تنطق فيها الضحية بحقيقة ما تعرضت له، في لحظة كسرت جدار الصمت وفتحت طريقًا نحو رحلة علاج طويلة.
روت ليلى بكر قصة وصفتها بأنها “واحدة من أسوأ القصص” التي شهدتها على الإطلاق خلال عملها في المجال الإنساني لأكثر من 30 عامًا، حيث حكت قصة شابة في الثالثة والعشرين من عمرها التقتها في أحد الملاجئ خلال زيارتها إلى السودان في سبتمبر من العام الماضي.
وقد وصفت السيدة بكر هذا اللقاء بأنه كان بمثابة نقطة تحول، مشيرة إلى أنها قامت بحماية خصوصية الفتاة أمام الآخرين، قبل أن تستمع إلى قصتها الكاملة في هدوء. وبفضل خدمات المركز الذي يدعمه الصندوق، استطاعت هذه المرأة الشابة أن تبدأ رحلة التعافي من صدمتها، بعد أن كانت مجبرة على مواجهة مغتصبها يوميًا في مكان عملها.
حقوق غير قابلة للتفاوض
هذه القصة ليست استثناءً، بل وجه من وجوه مأساة النساء في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث تحولت أجساد النساء إلى ساحات صراع وأدوات ضغط في حرب لا تزال مستعرة، تدخل عامها الثالث بلا أفق للحل.
حوامل على شفا الخطر
في الأيام الأولى للنزاع، حذّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من وضع بالغ الخطورة، حيث يوجد في الخرطوم وحدها 220 ألف امرأة حامل، بينهن 24 ألف على وشك الولادة، ومع تدهور الخدمات الصحية وانعدام الأمن، أصبحت الولادة الطبيعية مخاطرة قد تودي بحياة الأم والجنين.
تقول ليلى بكر:” كوني امرأة، أتمنى لو أنني كنت واحدة من هؤلاء اللواتي يتطلعن إلى تلك اللحظة، ولكن بقليل من القلق. ولكن إذا كنتِ تتعرضين في كل زاوية للعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الجنسي في بعض الحالات، حيث يكون الطعام نادرًا، وحيث تكون الرعاية الصحية في أفضل حالاتها بدائية. يمكنكِ تخيل القلق الذي تمر به تلك المرأة.”
الناجيات.. معركة مضاعفة
في مركز “أمان” بمدينة بورتسودان، تدير الدكتورة لبنى علي محمد ورئيسة منظمة “بت ملكي”، جهودًا لاحتواء الناجيات من العنف الجنسي، المركز استقبل 35 ناجية جرى تأهيل معظمهن، فيما تتلقى 12 حاليًا خدمات صحية ونفسية وإرشادًا جماعيًا.
لكن حجم الكارثة أكبر بكثير، فبحسب تقديرات لبنى، هناك 1600 ناجية في أنحاء السودان منذ بداية الحرب، هؤلاء النسوة ينقسمن بين مختطفات، ومغتصبات جماعيًا، ومجبرات على الزواج القسري، وطالبات تعرضن للاعتداء، وأخريات أُجبرن على التعاون مع قوات الدعم السريع قبل أن يتعرضن للاغتصاب ويُحقن بالمخدرات.
تقول لبنى: “يصلن إلينا محطمات، فاقدات الثقة في أنفسهن وفي العالم، العلاج النفسي والاجتماعي محاولة لرد جزء من إنسانيتهن، لكن حاجتهن إلى العدالة والاعتراف أكبر من أي دواء”.
جرائم موثقة ومسؤولية غائبة
الأبعاد الحقوقية لهذه الانتهاكات وثقتها بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق، التي حذرت في تقاريرها الأخيرة من ارتكاب “جرائم دولية تلطخ سمعة جميع المتورطين”.
التحقيقات شملت 240 مقابلة و110 شهادات مكتوبة، وتأكدت من صحة 30 مقطع فيديو وثّقت هجمات على قرى وأحياء مدنية. في هجوم واحد بمدينة الفاشر، قُتل أكثر من 100 مدني خلال ثلاثة أيام. وفي قصف آخر على منطقة الكومة، قضى 15 شخصًا على الأقل.
وعلى الرغم من منع السلطات دخول البعثة إلى السودان، تابعت الأخيرة أعمالها من تشاد وأوغندا، وجمعت ملفات لتحديد الجناة المحتملين. ومع ذلك، يظل تنفيذ العدالة بعيد المنال في ظل استمرار العنف المسلح وانقسام المواقف الدولية.
كارثة صحية تهدد الملايين
وإذا كان العنف المباشر يفتك بأجساد السودانيين، فإن انهيار النظام الصحي يزيد المعاناة، في تقرير صدر أبريل 2025، أكدت منظمة الصحة العالمية أن 30 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم 20 مليون يحتاجون إلى خدمات صحية عاجلة.
الهجمات المتكررة على المستشفيات والعاملين الصحيين، ونقص الأدوية والإمدادات، جعلت معظم المرافق خارج الخدمة أو تعمل بشكل جزئي فقط. النتيجة: وفيات متزايدة بسبب الأمراض القابلة للعلاج، وسوء التغذية، والإصابات المرتبطة بالنزاع.
بين الألم والأمل
كل هذه الأرقام والوقائع ترسم صورة قاتمة لوضع النساء والمدنيين في السودان. لكن وسط الظلام، تظهر مبادرات صغيرة تمنح بارقة أمل، مراكز علاج نفسي للناجيات، قوافل طبية تحاول الوصول إلى الأحياء المنكوبة، ومجتمع مدني يواصل رغم الخطر رفع صوته للمطالبة بالعدالة.
وأعربت ليلى بكر عن قلقها إزاء ما وصفته بـ “التراخي والصمت حول الوضع في السودان، وقلة الاهتمام العالمي بما يحدث، والفشل في ضمان ألا يكون أمان وسلامة المرأة أمرَا ثانويًا”.
وبين صرخة الشابة التي كسرت صمتها، وأرقام الضحايا التي لا تنتهي، يظل السؤال معلقًا: هل يسمع العالم أصوات نساء السودان قبل أن تطوي الحرب قصصهن في صمت آخر؟
الجواب لن تحدده معاناة الضحايا وحدها، بل إرادة المجتمع الدولي في التحرك، وكسر دائرة الإفلات من العقاب.




أحدث التعليقات