تقرير- جُبراكة نيوز: مآب الميرغني
مدّد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، من مقره في جنيف، ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصّي الحقائق في السودان لمدة عام إضافي، وذلك بعد تصويتٍ نال تأييد 24 دولة من أعضاء المجلس، مقابل رفض 11 وامتناع 12 عن التصويت.
وجاء القرار في ظل استمرار الحرب وتفاقم الانتهاكات في السودان. ووفق ناشطين، فإن الخطوة تُعد ضرورية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، ولتوثيق الجرائم التي ما زالت تُرتكب في مناطق النزاع.
أُنشئت البعثة في أواخر عام 2023 بناءً على قرار صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وذلك بعد تصويت عدد من الدول لصالح القرار، في حين امتنعت أو رفضت دول أخرى، إلا أن القرار أُجيز بالأغلبية.
وعُيّن رئيس هيئة الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا سابقًا، محمد عثمان شاندي (من تنزانيا)، رئيسًا للجنة، وعضوية كل من جوي إيزيلو (من نيجيريا) ومُنى رشماوي (من الأردن/سويسرا).
وكان وزير العدل، عبد الله درف، قد طالب في يوليو 2025 بإنهاء ولاية البعثة خلال لقائه خبير حقوق الإنسان الأممي رضوان نويصر. غير أن مراقبين يرون أن قرار التمديد سيؤثر مستقبلاً في مسار العدالة والمساءلة في السودان، ويعيد الجدل حول مسألة الإفلات من العقاب، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها بسبب الحرب وانقطاع الاتصالات.
وعزا درف مطالبة إنهاء عمل البعثة لكونها “لا تستقي معلوماتها بدقة”، مشيرًا في الوقت ذاته إلى ضرورة إفساح المجال للمنظمات والكوادر الوطنية العاملة في مجال حقوق الإنسان.
آراء حقوقية
يرى المحامي والناشط الحقوقي سمير مكين أن التمديد يحمل أثراً إيجابياً دون أدنى شك، موضحاً أن نظام العدالة الجنائية في السودان ما زال عاجزاً عن تلبية احتياجات الضحايا بشكل منصف وفعّال. وقال في حديثه لـ«جُبراكة نيوز» إن هذا العجز هو ما دفع المجتمع الدولي، ممثلاً في مجلس حقوق الإنسان، إلى تحمل مسؤوليته تجاه حماية ضحايا الجرائم الدولية.
وأشار مكين إلى أن التصويت لصالح التمديد (24 صوتاً) يعكس اهتمام المجتمع الدولي المتزايد بالأوضاع الإنسانية في السودان، لافتاً إلى أن البعثة أنجزت نحو 40% فقط من مهامها حتى الآن، ما يجعل التمديد فرصة مهمة لاستكمال عملها في ظل استمرار الفظائع والانتهاكات الناتجة عن الحرب الجارية.
وأضاف أن السلطات السودانية سعت بقوة لعرقلة تجديد ولاية البعثة، في وقت تعاني فيه أجهزة إنفاذ القانون من ضعف واضح في المهنية والحياد، معتبراً أن القرار يجدد أمل الضحايا والمتضررين في تحقيق العدالة والمحاسبة، ويعيد ملف حقوق الإنسان في السودان إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد سنوات من الإهمال والتقاعس المحلي.
تحديات ميدانية
من جانبه، قال الناشط الحقوقي المصباح عيسى، من مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور، إن موقف الحكومة السودانية واضح في رفضها لتجديد ولاية البعثة، رغم امتلاكها قدرات على إعداد تقارير عن أوضاع حقوق الإنسان، لكنها لا تستطيع تغطية كل الانتهاكات أو الوصول إلى جميع المناطق المتأثرة بالنزاع.
وأوضح عيسى لـ«جُبراكة نيوز» أن البعثة واجهت صعوبات كبيرة في أداء مهامها بسبب الظروف الأمنية واللوجستية المعقدة، وانقطاع شبكات الاتصال في عدد كبير من المناطق، ما جعل بعض المجتمعات لا تعلم أصلاً بوجودها أو بطرق التواصل معها. وأضاف أن المنظمات المدنية كانت تقدم تقاريرها عبر استمارات إلكترونية تتطلب اتصالاً بالإنترنت، وهو ما كان مفقوداً في كثير من المناطق المتضررة، ما حال دون توثيق العديد من الجرائم.
وأشار إلى أن التحديات الأمنية أثّرت كذلك على عمل المنظمات المحلية، إذ لم تعد قادرة على التحرك بحرية أو القيام بأعمال الرصد الميداني، بسبب الاستهداف المستمر للمدافعين عن حقوق الإنسان، خاصة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
ويرى عيسى أن تقارير البعثة، رغم قصورها، تبقى الوسيلة الوحيدة حالياً التي تغطي أوضاع السودان بشكل شامل، بخلاف المحكمة الجنائية الدولية التي تقتصر ولايتها على إقليم دارفور. وأضاف أن تمديد فترة عمل البعثة يمنحها فرصة لاستكمال تحليل الأدلة التي جمعتها، وإن كانت المدة الإضافية قد لا تكفي للوصول إلى جميع المناطق بسبب رفض الحكومة منح التصاريح اللازمة.
وأكد أن القرار سيؤثر مستقبلاً على مسار المساءلة، إذ إن أي نقص في التوثيق يعني أن بعض الجرائم لن تجد طريقها إلى العدالة، ما يعيد إنتاج ظاهرة الإفلات من العقاب.
تحذيرات أممية
في المقابل، كانت البعثة الأممية لتقصي الحقائق بشأن السودان قد حذّرت في يونيو 2025، أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، من تصاعد حدّة الحرب، محذّرة من «عواقب مميتة» تطال عدداً لا يُحصى من المدنيين العالقين في مناطق النزاع.
وأكدت البعثة أنها وثقت استخداماً متزايداً للأسلحة الثقيلة داخل المناطق السكنية، وارتفاعاً حاداً في معدلات العنف الجنسي، إلى جانب استخدام المساعدات الإنسانية «كسلاح»، واستهداف المستشفيات والمرافق الطبية وحصارها.
وفي أبريل من العام ذاته، حذر خبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في السودان، رضوان نويصر، من التداعيات الكارثية للحرب المستمرة منذ عامين على المدنيين، مسلطاً الضوء على ملف المفقودين، مشيراً إلى تقديرات لمنظمات محلية تشير إلى وجود ما لا يقل عن 3177 حالة اختفاء، بينهم أكثر من 500 امرأة و300 طفل.




أحدث التعليقات