جُبراكة نيوز: الخرطوم
وسط أتون الحرب التي تمزق السودان منذ 15 أبريل 2023، انبثقت مبادرة إنسانية فريدة، حملت على عاتقها إنقاذ الأرواح وصون الكرامة الإنسانية في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
إنها غرف الطوارئ، المبادرة التي تحولت من فكرة محلية إلى نموذج عالمي في العمل التطوعي، حتى وصل صداها إلى ترشيحها لجائزة نوبل للسلام لعام 2025.
صمود وبسالة
وجد ترشيح غرف الطوارئ السودانية للجائزة الأشهر في العالم تجاوبًا واسعًا من قبل السودانيين في الداخل والمهجر. لم يكن الترشيح مجرد حدث عابر، بل اعتبره كثيرون اعترافًا عالميًا بصمود وبسالة السودانيين في مواجهة المخاطر والكوارث التي صنعها النزاع، وأعطى السودانيين أملًا بأن العالم ما يزال يهتم لأمرهم.
يقول الناشط الإنساني يوسف داؤود، منسق مكتب الحماية في غرف الطوارئ، لـ«جُبراكة نيوز» إن ترشحهم للجائزة مصدر إلهام لهم، ورسالة تقدير لكل من خاطر بحياته لإنقاذ الآخرين. و
يضيف: “رغم القتل والاعتقالات، الشباب مصرون على العمل ولا خيار آخر سوى مساعدة الناس”.
حظوظ وافرة
وصلت غرف الطوارئ السودانية إلى القائمة القصيرة لجائزة نوبل للسلام للمرة الثانية. ورغم أنهت لم تفز بها هذا العام، يرى مراقبون أن فرصها ستكون أوفر في العام القادم إذا واصلت العمل بالعزيمة والجهد كما هو الحال الآن.
شبكة إغاثة
انبثقت غرف الطوارئ من رحم لجان المقاومة السودانية التي قادت ثورة ديسمبر 2019، لكنها سرعان ما تطورت إلى منظومة إغاثة مجتمعية متكاملة.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وجدت هذه الشبكات نفسها في مواجهة كارثة إنسانية غير مسبوقة.
في أقل من عام، توسعت المبادرة لتضم أكثر من 700 غرفة منتشرة في مختلف مناطق السودان، يقودها آلاف المتطوعين من الشباب والشابات.
وبحسب بيانات غرف الطوارئ، قدمت المبادرة مساعدات مباشرة لأكثر من أربعة ملايين شخص، بينهم نازحون، ومرضى، وأطفال فقدوا ذويهم.
بطولات يومية
لم يكن الطريق سهلاً لنجاح فكرة غرف الطوارئ فالمتطوعون يعملون وسط القصف والاشتباكات ونقص الإمدادات. كثيرون منهم دفعوا حياتهم ثمناً لواجبهم الإنساني.
منذ اندلاع الحرب، قتل عشرات المتطوعين في مختلف مناطق السودان أثناء عمليات الإجلاء أو تقديم الدعم في مناطق الخطر.
الدعم النفسي
عملت غرف الطوارئ على تأمين المياه النظيفة، والوقود للمستشفيات القليلة التي لا تزال تعمل، وتوزيع الغذاء عبر مطابخ مجتمعية تطعم ملايين الأسر.
كما أنشأت فرقًا للاستجابة لحالات العنف الجنسي، وقدمت الدعم النفسي للمصابين بصدمات الحرب.
وفي سبتمبر الماضي، فازت المبادرة بجائزة رأفتو النرويجية لحقوق الإنسان لعام 2025، المعروفة باسم (نوبل البديلة)، تكريماً لدورها في إنقاذ الأرواح والدفاع عن كرامة المدنيين.
اعتراف عالمي
كما عبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في وقت سابق عن تقديره العميق لجهود غرف الطوارئ، وأكد إنها مثال ملهم للعمل الإنساني الشعبي، تظهر للعالم وجه السودان الحقيقي وجه الشجاعة والتكاتف والعطاء”.
أما المواطنون، فقد استقبلوا نبأ الترشيح بفرح حيث يقول الناشط المجتمعي بمدينة نيالا، عبدالرحمن السيد لـ«جُبراكة نيوز» “حتى لو لم تفز غرف الطوارئ بجائزة نوبل، يكفينا أن يعرف العالم أننا لم نفقد إنسانيتنا رغم كل هذا الدمار وعملنا بكل جهد لإنقاذ الضحايا”.
أكثر من جائزة
ترشيح غرف الطوارئ لجائزة نوبل للسلام لم يكن مجرد حدث رمزي، بل هو اعتراف بقدرة المجتمعات المحلية على الصمود والتنظيم الذاتي في وجه الفوضى.
ففي بلد تلاشت فيه مؤسسات الدولة وأنهكته الحروب والانقسامات أصبحت هذه الغرف حكومة أهلية بديلة، تحكمها قيم التعاون والمسؤولية والتضحية.
رغم أن المبادرة لم تفز بالجائزة لكنها بلا شك فازت بقلوب السودانيين والعالم. وأثبتت المبادرة أن الخير لا يموت، وأن الأمل يمكن أن يولد حتى في أكثر اللحظات قسوة.
ويؤكد عبدالرحمن السيد، يكفي ينا فخراً أن العالم ينظر إلينا اليوم باحترام، وأننا، رغم كل شيء، ما نزال قادرين على العطاء.
وفازت زعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا كورينا ماتشادو، التي تعيش في الخفاء، بجائزة نوبل للسلام لعام 2025. وجاء فوزها تكريمًا لجهودها من أجل عملية انتقال عادلة وسلمية من نظام دكتاتوري إلى آخر ديمقراطي.
وفي أوسلو، قال رئيس لجنة نوبل النرويجية، يورغن واتنه فليدنس، قدمت ماريا كورينا ماتشادو مثالاً استثنائيًا على الشجاعة في النشاط المدني في أمريكا اللاتينية في الفترة الأخيرة.
وأضاف أن ماتشادو تعد شخصية محورية في توحيد المعارضة السياسية التي كانت منقسمة بعمق في السابق، لكنها توصلت إلى توافق للمطالبة بانتخابات حرة وبحكومة تتمتع بصفة تمثيلية.
إنسانية صامدة
بدورها، اعتبرت منظمة صناع المستقبل لدعم وتأهيل الشباب أن ترشيح غرف الطوارئ لجائزة نوبل للسلام ليس مجرد تقدير، بل اعتراف عالمي بإنسانيةٍ صامدةٍ في وجه الحرب والدمار.
وأكدت المنظمة أن متطوعي غرف الطوارئ، من قلب الأزمة، اختاروا طريق التضامن بدلًا من الانقسام، والحياة بدلًا من اليأس، ليجسدوا المعنى الحقيقي للسلام أن تمد يدك حين يعجز الجميع.
وأضافت أن هذا الترشيح يعد فخرًا لكل سوداني وسودانية، ودليلًا على أن العمل الجماعي من أجل الناس هو أسمى أشكال الشجاعة.
وأشارت إلى أن الشباب السوداني هو الفائز الحقيقي، بصموده، وتمسكه بمبدأ الناس للناس الذي جعله رمزًا للأمل في أحلك الظروف.
للمرة الثانية
وقال الشاب محمد كندشة، عضو مكتب الإعلام بغرفة طوارئ جنوب الحزام بولاية الخرطوم، لـ«جُبراكة نيوز» إن الترشيح لم يكن للمرة الأولى بل للمرة الثانية، مشيرًا إلى أن غرف الطوارئ السودانية حصدت أكثر من ثلاث جوائز عالمية خلال الفترة السابقة، وهو ما يعد اعترافًا وتقديرًا عالميًا بدورها الإنساني الكبير.
وأكد كندشة أنهم كانوا حريصين ومتفائلين بالفوز بجائزة نوبل للسلام، موضحًا أن الترشيح لفت انتباه العالم بشكل أكبر إلى غرف الطوارئ والدور المتكامل الذي تقوم به.
وأضاف أن الغرف تعمل في مجالات الإطعام، والخدمات الصحية، والاجتماعية، كما أن لديهم مكاتب نسوية متخصصة تعنى بشؤون المرأة والطفل.
وأشار إلى أنهم، خلال الفيضانات الأخيرة في السودان، عملوا في مناطق جبل أولياء، وبحري، وأم درمان، مؤكدًا أن غرف الطوارئ تمثل فرق تدخل سريع حقيقية في كل الكوارث التي تواجه المواطنين خلال فترة الحرب.
وأوضح كندشة أن الغرف كانت حاضرة منذ بداية الحرب، حيث ساندت المصابين والجرحى في المستشفيات، بل وقفت معهم حتى قبل أن تعود المستشفيات إلى العمل.
كما أشرفوا على مشروع التكايا، إذ كانت جميع تكايا الطعام في ولاية الخرطوم تحت إشراف غرف الطوارئ.
وأضاف أنه عند حلول فصل الخريف وانتشار حمى الضنك، كانت الغرف في خط المواجهة الأول، وكذلك في مكافحة الكوليرا، وصولًا إلى الفيضانات التي شهدها السودان هذا العام.




أحدث التعليقات