جُبراكة نيوز: عيسى دفع الله- مآب الميرغني
منذ إعلان الرباعية الدولية إطلاق مبادرتها لحل الأزمة في السودان في 11 سبتمبر 2025، ظلت هناك تحركات مكوكية سرية وعلنية يقودها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، شملت لقاءات مع الأطراف الفاعلة في حرب السودان، إضافة إلى تغريداته اليومية التي كانت توحي بتحقق تقدم نحو توقيع هدنة لثلاثة أشهر، يعقبها مسار مشاورات سياسية يمتد لتسعة أشهر، وفق المقترح الذي دفعت به الإدارة الأمريكية لطرفي الحرب.
غير أن الحكومة السودانية لم تبدِ تفاعلاً إيجابياً مع مساعي مبعوث ترامب، معتبرة أنها لا تعالج جذور الأزمة، وعلى رأسها الدعم الخارجي الذي تتلقاه قوات الدعم السريع من دولة الإمارات، وهو دعم ترى فيه الخرطوم أن أبوظبي تكون الحكم والجلاد في الوقت نفسه.
إلا أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في كندا الأسبوع الماضي، حول حرب السودان وحديثه المفصل عن الدعم الخارجي، وضعت المشرط على الجرح وشخصت الأزمة بشكل مباشر. ومع تصريحات ترامب التي قلل فيها من اهتمامه بما يجري في السودان، برز سؤال حول جدوى مبعوثه الذي يتحرك في الملف: هل كان مستشاراً بلا استشارة؟.
عضو من صمود: جهات ترفض الحل
محمد الفكي سليمان، عضو تحالف “صمود”، يرى أن الجهود الأمريكية والسعودية لدفع الحل السياسي في السودان تواجه معارضة والأمر الذي ينطلب خطوات حاسمة لتحقيق السلام.
وأوضح الفكي في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” أن الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية هما من ابتدرا عمليةالحل السياسي عبر منبر جدة، وعملا مع بعضهم البعض، مشيرًا إلى أنه كان الممكن نتجنب الكثير من الاشكاليات لو كانت نجحت الجولة الاولى في مبادره جده او الجولة الثانية، وجود جهات عديدة ضد هذا العمل، وأضاف لا يمكن ان تثمر اي محاولات ما لم يتم يعني اخذ موقف حاسم من الجهات الرافضه للحل السياسي في السودان.
وحول تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإلى جانب تحركات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وعدد من الحلفاء واالاصدقاء في الاقليم، قال الفكي إنها تمثل جهدًا كبيرًا و مقدرًا من جميع السودانيين، معربًا عن أمله في أن تتبع هذه التصريحات عخطوات عملية وحاسمة تدفع نحو عملية السلام في أقرب وقت.
تسوية قادمة؟
قال الخبير السوداني في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، الفاتح محجوب، إن الحكومة الأمريكية كانت منذ اندلاع الحرب في السودان تنظر إلى الأزمة من منظور حليفتها الإمارات العربية المتحدة فقط، لأنها لم تكن ترى مصالح مباشرة لها في السودان، لذلك لم يتطرق الرئيس ترامب إلى السودان في أي من خططه لوقف النزاعات العالمية، وتعامل مع الوضع وفق رؤية الإمارات التي تعتبر أن السودان بلا حكومة فعالة وأن الحل يجب أن يكون وفق سياستها لإنهاء الحرب.
ويرى الفاتح في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” أن بعد لقاء الأمير محمد بن سلمان مع ترامب وتطرقه للوضع في السودان، أعلن ترامب أن حكومته ستجري تحولًا كاملًا في سياساتها تجاه الحرب في السودان، من التجاهل التام إلى التعاطي الإيجابي.
وأكد أن الأمير بن سلمان سيكون المسؤول عن ملف إنهاء الحرب في السودان بالتنسيق مع الحكومة الأمريكية، وهو ما يمثل انقلابًا في السياسة الأمريكية تجاه السودان، إذ انتزعت الإدارة الأمريكية الملف من الإمارات وأعطته للسعودية، مع دعم أمريكي كامل لتحركات بن سلمان لإيجاد حل للحرب.
ويستطرد قائلًا: أن هذا التحول إجبار الإمارات على التوقف عن دعم قوات الدعم السريع، ورفع الكرت الأحمر أمام الدول المجاورة للسودان التي كانت تسمح بتمرير الأسلحة والوقود والمؤن لقوات الدعم السريع.
وأضاف: يبدو أن السودان موعود قريبًا بتسوية تنهي الحرب وتلبي تطلعات الشعب السوداني، ومن المرجح أن يفقد الدعم السريع وجوده الرسمي في الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية. كما يُتوقع أن تنسحب القوى السياسية السودانية المؤيدة للدعم السريع من تحالفها معها، وأن تبحث عن مستقبلها السياسي بعيدًا عن القوات وربما أيضًا عن الإمارات، ولا يُستبعد عقد صلح بين الحكومة السودانية والإماراتية بوساطة أمريكية أو سعودية، أو كلاهما معًا.
وكشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تحوله الجديد نحو الاهتمام بالوضع في السودان جاء مباشرة بطلب من ولي العهد السعودي. وخلال حديثه في منتدى الإستثمار الأمريكي السعودي الأربعاء 19 نوفمبر 2025، أوضح ترامب أن السودان لم يكن ضمن أولوياته، وأنه كان ينظر إلى ما يجري فيه بوصفه فوضى بلا حكومة واضحة أو هيكل منظم.
وأشار ترامب إلى أن ولي العهد لفت نظره إلى حجم المأساة، واصفاً ما يحدث بأنه من أسوأ ما يشهده العالم. وأضاف أن ولي العهد قدم له شرحاً كاملاً عن تاريخ السودان وثقافته، الأمر الذي دفعه إلى إعادة تقييم المشهد والنظر إليه بزاوية مختلفة تماماً.
وقال ترامب إن فريقه بدأ العمل على الملف بعد نحو ثلاثين دقيقة فقط من ذلك النقاش، مؤكداً أنه بات يرى السودان اليوم بشكل مختلف تماماً عما كان عليه قبل يوم واحد فقط. وأضاف أن ولي العهد قال له إن المساهمة في حل أزمة السودان ستكون أعظم ما يمكن تقديمه.
وعلى عكس صمته السابق، فإن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق اول عبدالفتاح البرهان سارع إلى الترحيب والشكر لخطوات الأمير محمد بن سلمان وترامب ليقطع الطريق عن أي خطاب آخر متوقع أن يصدر من حلفائه في الحكومة.
هل كانت أمريكا تجهل ما يدور في السودان؟
قال المحلل السياسي محمد تورشين لـ«جُبراكة نيوز» إن تصريح ترامب يشير إلى تحول كبير في موقف الإدارة الأمريكية تجاه الملف السوداني، معتبراً أن تصريحات المستشار مسعد بولس السابقة لم تكن تحظى باهتمام واسع. وأوضح أن التصريحات الأخيرة باتت تظهر دعماً لموقف السودان، خاصة بعد حديث وزير الخارجية ماركو روبيو. وأكد تورشين أن الولايات المتحدة تعمل الآن بشكل جاد على إعادة إحياء مسار جدة عبر المملكة العربية السعودية.
وأضاف تورشين أنه إذا صح ما قاله ترامب بأنه لا يعرف شيئاً عن السودان، فإن هذا يشير إلى أن مسعد بولس كان يتحرك وفق مصالح أطراف إقليمية ودولية، وهو ما يعني بحسب تعبيره أن القرار داخل الولايات المتحدة بات مختطفاً، واصفاً ذلك بأنه كارثة كبرى، خاصة إذا كانت واشنطن نفسها تعاني من خلل في مركز اتخاذ القرار.
خدمة تاريخية؟
وقال المحلل السياسي ياسر زيدان، لـ “جُبراكة نيوز” إن ترامب ينتبه أخيراً إلى السودان، موضحاً أن هذا هو المسار الصحيح في التعامل مع الولايات المتحدة بتدخل رئاسي مباشر بعيداً عن الموظفين الذين يسهل التأثير عليهم، كما حدث في الملف السوري. وأكد أن المملكة العربية السعودية، ممثلة في ولي العهد محمد بن سلمان، قدمت خدمة تاريخية للسودان ومكانته الدولية.
وأشار زيدان إلى أن الكرة الآن في ملعب الدبلوماسية السودانية، وأنها فرصة تاريخية لعرض الواقع السوداني بالأدلة والوثائق، لكنها في الوقت ذاته فرصة خطيرة قد تستغل بشكل خاطئ وتؤدي إلى نتائج عكسية، كما حدث في ملف مقاضاة أبوظبي أمام محكمة العدل الدولية.
وشدد على أهمية وجود تنسيق واضح مع السعودية وقطر وتركيا، مضيفاً أن اتصالاً آخر من الرئيس أردوغان قد يجعل من الصعب على أبوظبي التأثير على توجه ترامب، خاصة أنها ستتحرك لمواجهة الجهد السعودي.
وأكد زيدان أن الملف السوداني يجب أن يركز على جرائم الإبادة الجماعية الموثقة من وزارة الخارجية الأمريكية نفسها، إلى جانب المجازر التي ترتكبها قوات الدعم السريع. كما أشار إلى أن ملف حقوق المسيحيين في السودان وما تتعرض له الطائفة المسيحية من انتهاكات على يد قوات الدعم السريع قد يحظى باهتمام خاص من ترامب.
وقال زيدان لا يمكن تحقيق السلام في السودان دون تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية والعمل على تفكيكها نهائياً داخل البلاد.
مستشار للدعم السريع: إنهم تجار حروب
بدوره، رحب مستشار قائد قوات الدعم السريع الباشا طبيق بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تحقيق السلام في السودان وإنهاء الصراع الذي دفع بالملايين إلى النزوح واللجوء، وترك ملايين آخرين في أوضاع إنسانية بالغة القسوة، وذلك عقب مناقشته ملف السودان مع الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.
وقال طبيق في منشور على حسابه في منصة “فيسبوك” لا يرفض السلام إلا تجار الحروب ومصاصو دماء الشعوب. غير أن أي سلام لا يشخص جذور الأزمة السودانية ويضع لها حلولاً جذرية، ولا يؤسس لدولة قائمة على حقوق المواطنة والعدالة والمساواة، ولا يضع أساساً لجيش مهني جديد بعيد عن الهيمنة السياسية ويتولى حماية حدود البلاد، لن يكون إلا امتداداً لدائرة الحروب ودوامة الصراع.




أحدث التعليقات