جُبراكة نيوز: دارفور
كان (ع.م) يجلس في إحدى شوارع مدينة نيالا، بينما يستند إلى جدار مستفيدًا من ظله، يلتقط أنفاسه بعد مشيٍ طويل. ملامحه وحدها كانت كافية لتخبرك أن الرجل قادم من رحلة أثقل من الطريق نفسه. صادفته في أحد أحياء المدينة، ألقيت عليه السلام فردّ بهدوء، ثم سألني إن كنت من سكان الحي. وحين أجبته بالإيجاب، أخبرني أنه يبحث عن شخص يُدعى (ع.ف.ص)، فدللته على المنزل المقصود.
قبل أن يغادر، مرت أمامنا عربة قتالية. عندها تمتم بصوت خافت: «حسبي الله ونعم الوكيل». شدّتني العبارة، فسألته عن سببها.
بدأ (ع.م) حديثه بالعودة إلى يوم الأربعاء 21 يونيو 2023. كان في طريقه للمشاركة في تشييع جده، الذي قُتل برصاصة طائشة، حين لمحَه أحد معارفه في السوق، كانت بينهما خلافات قديمة قبل الحرب. يقول إن ذلك الشخص انضم لاحقًا إلى قوات الدعم السريع، وبمجرد أن تعرّف عليه، اقتاده إلى جهة مجهولة.
يقول: «كنا أكثر من خمسين شخصًا محشورين داخل غرفة ضيقة لا تتجاوز مساحتها 200 متر مربع. وجبة واحدة في اليوم لا تكفي طفلًا، وكوب شاي هو نصيبنا اليومي من الماء». يضيف أن الخلاص جاء صدفة، حين تمكن مع آخرين من الفرار بمساعدة أحد المعتقلين.
بعد أشهر عدّة تكررت المأساة. ففي 18 نوفمبر 2023، اعتُقل مرة أخرى، هذه المرة بدوافع إثنية، أثناء عودته من السوق إلى موقف الجنينة. «اتهموني بالانتماء إلى الجيش السوداني»، يقول. نُقل إلى أحد المعتقلات داخل مدينة نيالا، وبقي هناك أكثر من ثلاثة أشهر دون أن تعرف أسرته مكانه أو مصيره.
يستعيد تلك الفترة قائلاً إن ضابطًا برتبة رفيعة زار المعتقل يومًا ما بحثًا عن أحد أقاربه. وبعد أن تحقق من أوضاع المحتجزين، وتأكد من عدم وجود تهم حقيقية بحقهم، أمر بإطلاق سراحهم.
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة نيالا في أكتوبر 2024، أُعيد اعتقال (ع.م) بتهمة التعاون مع الجيش. «ستة أشهر كاملة من الجحيم»، يقول بصوت خافت. «جُلدت بالسياط، وتعرضت لتعذيب متواصل حتى أنني كنت أفقد الوعي في كثير من المرات».
في أحد الأيام، اشتد التعذيب إلى حد ظنوا معه أنه فارق الحياة، يحكي: «رموني في مكان مهجور، وتركوا جسدي هناك»،. عثر عليه لاحقًا بعض الرعاة ملقى تحت شجرة، فأبلغوا أعيان القرية، الذين نقلوه إلى مستوصف لتلقي الإسعافات الأولية، قبل تحويله إلى نيالا لمواصلة العلاج. «بفضل الله، نجوت»، يقول.
وفي تعليق لـ”جُبراكة نيوز”، أقرّ مسؤول رفيع في قوات الدعم السريع بحدوث ما وصفه بـ«تصرفات فردية محدودة»، مشيرًا إلى أن استخبارات القوات تعمل على ضبط ما سماهم بـ«المتفلتين الذين يسعون لتشويه سمعة الدعم السريع». وادعى أن الاعتقالات تتم بحق أشخاص تثبت ضدهم تهم تتعلق بالخيانة أو التجسس لصالح الجيش.




أحدث التعليقات