السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةعالمأخبار الشرق الأوسطمضيق "هرمز" بين حافة الحرب وفرصة السياسة

مضيق “هرمز” بين حافة الحرب وفرصة السياسة

الأصمعي باشري

لم يكن تصريح الحرس الثوري الإيراني بأنه «ينتظر البحرية الأمريكية في مضيق هرمز» مجرد عبارة دعائية أو رسالة إعلامية عابرة، بل هو إعلان مكثف عن مرحلة جديدة من التصعيد العسكري في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالمضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 33 كيلومتراً، يمثل الشريان الرئيسي لنقل الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب فيه يتحول فوراً إلى قضية أمن دولي واقتصاد عالمي، وليس مجرد أزمة إقليمية بين إيران والولايات المتحدة أو حلفائها.

التصعيد الحالي جاء في سياق الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والتي بدأت بضربات عسكرية واسعة استهدفت بنى عسكرية داخل إيران. وردت طهران على ذلك بتوسيع دائرة المواجهة، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، وكذلك عبر استخدام ورقة مضيق هرمز بوصفها أهم أدوات الرد الاستراتيجي لديها. ووفق تقارير متعددة، فإن حركة الملاحة في المضيق تراجعت بشكل حاد، حيث انخفضت حركة السفن بنسبة كبيرة، مع قيام شركات شحن عالمية بتعليق عملياتها بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة.

في هذا السياق، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه ينتظر دخول البحرية الأمريكية إلى المضيق لمرافقة ناقلات النفط، في إشارة واضحة إلى أن أي محاولة أمريكية لفرض حرية الملاحة بالقوة قد تتحول إلى مواجهة مباشرة. هذه الرسالة تحمل في طياتها استدعاءً لتجارب تاريخية سابقة، مثل ما حدث خلال “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي عندما تعرضت سفن نفطية لهجمات وألغام بحرية في الخليج. وقد ذكّر المسؤولون الإيرانيون صراحة بحادثة الناقلة الأمريكية “بريدجتون” التي أصيبت بلغم أثناء مرافقتها من قبل البحرية الأمريكية عام 1987، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أن المضيق يمكن أن يتحول بسهولة إلى ساحة استنزاف عسكري.

عسكرياً، يشكل المضيق بيئة معقدة لأي قوة بحرية. فإيران لا تعتمد على مواجهة تقليدية مع الأسطول الأمريكي، بل على استراتيجية “الحرب غير المتكافئة”، عبر استخدام الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة. هذه الأدوات يمكنها أن تجعل المرور في المضيق محفوفاً بالمخاطر، حتى لو لم تنجح في إغلاقه بالكامل. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة تفوقاً تقنياً هائلاً وقدرة على تأمين ممرات بحرية بالقوة، لكنها تدرك أيضاً أن أي مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى خسائر كبيرة وتوسيع الحرب إلى كامل الخليج.

أما التأثير الاقتصادي، فهو الأكثر حساسية وخطورة. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري عادي، بل هو عقدة الطاقة العالمية. إذ تمر عبره صادرات النفط والغاز من السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق. وبالتالي فإن تعطله يعني فوراً ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وتهديد استقرار الأسواق. بالفعل، تشير التقديرات إلى أن نحو 20% من النفط العالمي يمر عبر هذا المضيق، ما يجعل أي تهديد له كفيلاً بإحداث صدمة اقتصادية دولية.

بالنسبة لدول الخليج العربية، فإن الأزمة تحمل مفارقة معقدة. فمن جهة، هي دول تعتمد اقتصادياً على تصدير الطاقة عبر هذا الممر الحيوي، وبالتالي فإن أي اضطراب فيه يهدد عائداتها واستقرارها الاقتصادي. ومن جهة أخرى، فهي تقع في قلب التوازنات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة، ما يجعلها جزءاً من المعادلة العسكرية والسياسية للصراع. لذلك تسعى هذه الدول غالباً إلى احتواء التصعيد وتجنب تحول الخليج إلى ساحة حرب مباشرة، لأن ذلك سيهدد بنيتها التحتية النفطية والملاحية.

لكن مفارقة الأزمة تكمن في أن أخطر لحظات التصعيد قد تفتح أيضاً نافذة للسياسة. ففي كثير من الأزمات الدولية، يشكل الوصول إلى حافة الحرب نقطة ضغط تدفع الأطراف إلى إعادة حساباتها. فإغلاق مضيق هرمز أو تعريضه للخطر لا يضر بالولايات المتحدة وحدها، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله، بما في ذلك الدول الكبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي التي تعتمد على نفط الخليج. ومن هنا قد يتحول الخطر نفسه إلى عامل ضغط دولي يدفع نحو وقف التصعيد وفتح مسار تفاوضي.

إن المواجهة حول المضيق تشبه إلى حد كبير لعبة عض الأصابع بين القوى الكبرى والإقليمية. فكل طرف يحاول إظهار قدرته على التصعيد دون الانزلاق الكامل إلى الحرب. إيران تستخدم ورقة المضيق لرفع كلفة الحرب على خصومها، بينما تحاول الولايات المتحدة إثبات قدرتها على حماية الملاحة الدولية. وبين هذين الهدفين المتعارضين، تقف دول الخليج والعالم بأسره مترقبين ما إذا كانت الأزمة ستتحول إلى صدام عسكري واسع، أم إلى لحظة إدراك جماعي بأن استمرار الحرب سيقود الجميع إلى خسائر لا يمكن احتواؤها.

لهذا السبب، قد لا يكون مضيق هرمز مجرد ساحة مواجهة، بل ربما يصبح أيضاً نقطة التحول التي تدفع الأطراف إلى إعادة التفكير في منطق الحرب ذاته، والبحث عن تسوية سياسية توقف النزاع قبل أن تتحول أخطر ممرات الطاقة في العالم إلى شرارة أزمة دولية شاملة.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات