جبراكة نيوز: نعمات الحاج
“الفاشر خالية تمامًا من الغذاء، لا شيء في السوق أو البقالات.. القليل المتوفر من السلع يباع بأسعار فوق طاقة من هم في مثل حالتي”. تقول فاطمة جار النبي التي تجتهد في التماسك والصمود وهي تسرد تفاصيل مكابداتها اليومية من أجل توفير وجبة واحدة لأطفالها الصغار.
شأنها كشأن الآلاف من سكان مدينة الفاشرة المحاصرة منذ أكثر من عام ونصف العام. تعتمد فاطمة جار النبي بشكل رئيسي على إعانات التكايا، وإذا توفر لها القليل من المال تشتري به (بليلة) العدسية، التي باتت تراها ترفًا في هذا الوضع، رغم ارتفاع ثمنها هي الأخرى.
أصبح الجوع أحد الدوافع الرئيسة للخروج من مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وبعد أن ظن العالقون في المدينة إنهم نجوا من الموت بحفر خنادق تأويهم وتحميهم من التدوين المدفعي وقصف الطائرات المسيرة، الذي لا يتوقف من قبل قوات الدعم السريع.
بات الجوع في انتظار السكان ليقطع الخيط الرفيع بين الموت والحياة، إذ أصبح مهددًا آخر، بل أكثر خطورة.. لا توقفه الخنادق أو الفرار إلى الأحياء البعيدة نوعًا ما عند بدء القصف المدفعي.
فاطمة جار النبي، التي فشلت في الخروج من الفاشر بسبب ظرفها المالي، وهي أم لثلاثة أطفال أكبرهم في العاشرة من عمره، تضيف قائلة لـ”جبراكة نيوز”: “لقد اضطررنا لمشاركة البهائم في علفها بتناول (الأمباز)، الجوع لا يرحم والصغار لا يحتملون، والموت يحاصر الجميع“.
وتتابع فاطة: “سعر كورية الإمباز، وهو علف الأبقار الذي اضطررنا لأكله، بلغ عشرة آلاف جنيه! من أين لي بهذا المبلغ؟ وأنا بلا عمل وزوجي مفقود منذ بداية الحرب، دعك عن السكر والدقيق وبقية المواد“.
بداية من منتصف مايو 2024، نفذت قوات الدعم السريع حصارًا محكمًا على مدينة الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، والموقع الاستراتيجي الذي يربط بين إقليمي كردفان ودارفور، وبالتالي وسط السودان.
على مدار عام ونصف العام من الحصار، ظلت قوات الدعم السريع تشن هجمات برية، وجوية وعن طريق القصف المدفعي من عدة محاور، على الفاشر. مستهدفة البنية التحتية والصحية والأحياء السكنية ودور إيواء المدنيين، بهدف إسقاط المدينة وإغلاق الطرق المؤدية إليها.
مع ذلك فان أغلب محلياتها سقطت على يد هذه القوات، فغابت السلع الأساسية من الأسواق، وازدادت الأوضاع الإنسانية سوءًا، وبدأت بوادر الجوع تتفشى بين السكان.
معسكر زمزم: حين بتحول المفر إلى جحيم
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على معسكر زمزم للنازحين، تفاقمت الأوضاع الإنسانية أكثر داخل مدينة الفاشر، فالمعسكر كان يمثل أحد المنافذ الرئيسية لإدخال السلع والمساعدات الإنسانية لسكان المدينة المحاصرين.
تقول “ن. ص”، مشرفة على إحدى التكايا المطابخ الجماعية في مدينة الفاشر، لـ”جبراكة نيوز” “إن سقوط معسكر زمزم قبل خمسة أشهر، جعل السكان يعتمدون على كميات محدودة من السلع التي تدخل لواذا باستخدام الدواب.
في ظل تهديدات متصاعدة من قوات الدعم السريع التي أصبحت تقتل المهربين للسلع رميًا بالرصاص، فانعكس هذا مباشرة على أسعار السلع التي باتت تشهد تصاعداً غير مسبوق، وترتفع عند كل رأس ساعة“.
أما تاجر البقوليات والمواد التموينية في مدينة الفاشر، إبراهيم إرباب، فيوضح لـ”جبراكة نيوز” بقوله: “التحكم في الأسعار يكون حسب كمية الوارد منها بواسطة المهربين إلى المدينة، فتختلف باختلاف عدد الدواب التي تصل، وحسب الكمية التي تحملها ونوعها بالطبع.
وعن أسعار بعض المواد التموينية يوضح أرباب: “نعم الأسعار بلغت حدًا جنونيًا، فمثلًا سعر جوال السكر وصل إلى ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف جنيه.
والدفع إلكترونيًا عن طريق التطبيقات المصرفية، وجوال العدس مليون وأربعمائة ألف جنيه، والأرز مليون وخمسمائة ألف جنيه، ودقيق مليون وأربعمائة ألف جنيه، وكلها تدفع إلكترونيًا، أما السلع الأخرى مثل المكرونة والشعرية فمعدومة“.
جهود أممية بلا طائل
في التاسع من يوليو 2025، جددت الأمم المتحدة من محاولاتها المتكررة لإنقاذ الوضع الإنساني في مدينة الفاشر. حيث صرح وكيل الأمين العام للعمليات الإنسانية ومنسق الطوارئ، توم فليتشر، إن الاتصالات مع جميع أطراف النزاع في السودان لا تزال جارية بشأن التوصل إلى إلى اتفاق هدنة إنسانية، تسمح بوصول المساعدات إلى المدنيين المتأثرين بالحصار والمواجهات العسكرية.
وقال فليتشر، في بيان رسمي، إن الهدنة الإنسانية في مدينة الفاشر تتيح إيصال المساعدات العاجلة والطارئة إلى المدنيين في المدينة المحاصرة بشمال دارفور.
وكان مجلس السيادة السوداني، قد أعلن في يونيو الماضي، عن موافقة رئيس المجلس وقائد الجيش عبدالفتاح البرهان، على مقترح من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بفرض هدنة لمدة أسبوع في مدينة الفاشر. وذلك لإيصال المساعدات الإنسانية إلى داخل المدينة. وفشل المقترح إثر رفض قوات الدعم السريع الموافقة عليه.
قصة الحصار
الناشط في المجال الإنساني في ولاية شمال دارفور، اسحق فتح الرحمن، يرى أن حصار الفاشر لم يبدأ في مايو 2024 فقط، بل بدأت بوادره الفعلية منذ الأيام الأولى لحرب الخامس عشر من أبريل 2023.
وحدث ذلك بعد خروج قوات الدعم السريع إلى الناحية الشرقية للمدينة والسيطرة على الميناء البري الذي ينتهي به طريق (الإنقاذ الغربي)، الذي يمثل شريان الإمداد الرئيسي للسلع الواردة من العاصمة الخرطوم إلى إقليم دارفور عبر الفاشر.
ويضيف فتح الرحمن في إفادة لـ”جبراكة نيوز”: “نعم، وقتها ورغم سيطرة الدعم السريع على طريف الفاشر -الخرطوم وعلى الميناء البري بالفاشر والكومة وأم كدادة، إلا أن الحركات المسلحة التي كانت تتخذ موقف الحياد حينها، وتشرف على إيصال السلع والمساعدات الإنسانية بالتعاون مع قوات الدعم السريع.
ولكن بعد سقوط ولايات دارفور تباعًا خرجت الحركات عن الحياد إلى القتال إلى جانب الجيش السوداني، فبدأت قوات الدعم السريع بالتقدم نحو المدينة بهدف إحكام الحصار. فهاجمت قرى ريفي الفاشر الغربية وأغلقت آخر طرق الدخول إلى مدينة الفاشر بالكامل“.
وتابع: “جراء هذا الوضع أصبح التجار يغامرون ويسلكون طرقًا جديدة، ولكن سرعان ما تكتشفها قوات الدعم السريع وتغلقها. ثم يبحثون عن طرق أخرى حتى وصل بهم الحال إلى التهريب سيرًا على الأقدام، وقطع مسافات طويلة حتى مدخل الفاشر الشمالي“.
شح السيولة وأزمة التطبيقات البنكية
العملة الورقية غير متداولة في الفاشر ولا يراها المواطنون إلا في بعض الأحيان يعتمدون على تحويلات التقنية المصرفية في نقاط التزود بالإنترنت “ستار لينك”.
يروي محمد عبدالقادر، أحد مواطني الفاشر، قائلًا: “في المراحل الأولى من الحصار، كانت النقود تُسقَط جوًا كرواتب للجنود والضباط المقاتلين، مما ساعد في حل أزمة النقد التي كان يعاني منها المواطنون، وأسهم بشكل كبير في انسياب السلع الاستهلاكية داخل المدينة. لكن بعد توقف طائرات الإسقاط وسقوط معسكر زمزم، انقطع آخر الطرق المؤدية إلى المدينة، فأصبح النقد معدومًا تمامًا، وبلغت نسبة تبادل الكاش خمسين في المئة، كما أصبح عليك الانتظار أيامًا حتى يتم تجهيز المبلغ”.
ويضيف عبدالقادر: “ادى شح السيولة النقدية الي تفاوت كبير في الاسعار. فمثلا فإذا أردت الحصول على مبلغ نقدى عليك شراء صندوق سجائر عبر تطبيق (بنكك) بقيمة 80 جنيهًا، ثم تبيعه نقدًا بـ40 جنيهًا فقط. أي نصف قيمته لتحصل على النقد الذي لا يكفي لسد تكلفة وجبة واحدة، ما يدفعك إلى استبدال كل ما يمكن تبديله، فالزيت مثلا يكون مقايضته باللحم“.
ويتابع بقوله: “الوضع متدهور إلى أقصى حد، فحتى علف (الأمباز) الذي بدأ الناس بتناوله، أصبح في ندرة بعد توقف معاصر الزيوت عن العمل لنفاد مخزون المدينة من الفول السوداني”. ويضيف: “برغم كل شيء، نستبشر خبرًا بمقدم الخريف ونمو خيرات الأرض التي أصابتها السماء، وندعو الله أن تكون أمطار هذا العام علينا بردًا وسلامًا“.
مطلب إنساني وأمني
أكدت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، بعد فشل مقترح الهدنة الأخير، على ضرورة فك الحصار عن مدينة الفاشر، باعتباره مطلبًا إنسانيًا وأمنيًا ووطنيًا، بات يمثل ضرورة قصوى.
وطالبت اللجان في بيان بتاريخ الثاني من يوليو 2025، الدولة بالتحرك لإنقاذ المدنيين في الفاشر، وألا تترك مدينة بهذا الحجم تحت حصار مستمر لعام وستة أشهر.
في حين اتهمت قوات الدعم السريع برفض مبادرة الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الهدنة الإنسانية في الفاشر لإدخال المساعدات الإنسانية، وإغلاق جميع أبواب التفاوض، بحجج واهية، كما جاء في البيان.
وبحسب بيان أصدرته في أواخر يونيو الماضي، قالت (شبكة أطباء السودان) إنها وثقت وفاة مئتين وتسعة وثلاثين طفلًا جراء سوء التغذية ونقص الغذاء والدواء في الفترة ما بين يناير إلى يونيو 2025، وذلك بسبب الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة.
ووجهت الشبكة نداءً عاجلًا لإنقاذ المدنيين في الفاشر، معربة عن “أسفها لتجاهل المجتمع الدولي لمعاناة المدنيين المحاصرين، لا سيما الأطفال”. وأشارت إلى انعدام المواد الغذائية وارتفاع أسعارها داخل الفاشر ومعسكرات النزوح في شمال دارفور.
معيشة لا تطاق
فقدت الحياة بريقها تمامًا في المدينة المحاصرة مع انعدام الطعام في البيوت والنار التي ظلت مطفأة في بعض المنازل قرابة العام لشح المواد الغذائية.
محمد نميري، أحد مواطني الفاشر، قال إن المعيشة في الفاشر أصبحت لا تطاق، إذ أن الأسعار ترتفع يوميًا وبمعدلات غير منطقية، لدرجة أنه تخلى عن الذهاب إلى السوق أو السؤال.
وأضاف في حديثه لـ”جبراكة نيوز” إنه كان يعمل حارسًا بإحدى المنظمات وبعد فرض الحصار وسقوط مقر المنظمة على أيدي قوات الدعم السريع أوقفت المنظمة أنشطتها، فأصبح يصرف على نفسه من مدخراته حتى نفدت، والآن ليس لديه مصدرًا للدخل، فيضطر الاتصال بأقاربه في الخارج حتى يستطيع تغطية وجبة واحدة.
وتابع قائلًا: “نتناول في اليوم وجبة واحدة، إما صباحًا أو مساءً فقط، وتتكون من ثلاثة مكونات فقط ذرة وماء وملح، نأكلها وننتظر اليوم التالي لتناول الوجبة ذاتها”. وأضاف: “سعر جوال الذرة أصبح فوق قدرة الجميع، ويبلغ ثلاثة ملايين وستمائة ألف جنيه عبر الدفع الإلكتروني في حين بلغ سعر الدخن ثلاثة ملايين وتسعمائة ألف جنيه“.
يتهم نميري تجار المدينة بالمساهمة في أزمة الأسعار التي يعاني منها مواطنو الفاشر، مرجعًا ذلك إلى أن التجار يرفعون الأسعار حتى وإن كانت السلعة متوفرة، مبررين ذلك بارتفاع سعر السلع الواردة.
بدوره يعزي التاجر عبدالله حسن، الارتفاع الحاد في الأسعار إلى الإغلاق الكامل لكل مداخل المدينة، ونفاد المخزون من السلع بالداخل.
وأضاف في إفادته لـ”جبراكة نيوز”: “فضلًا عن سكان المدينة والنازحين من مناطق أخرى، فإن جيوش فرق ولايات دارفور الأخرى انسحبت جميعها إلى الفاشر، وكانت تعتمد على الإنزال الجوي ولكن بعد توقفه أصبحت تعتمد على السوق أيضًا، فيشترون ما يوفره التجار“.
وذكر أن الأسعار في حالة ارتفاع متوالٍ لأن المهربين عن طريق الدواب توقفوا عن القدوم بعد مقتل عدد منهم بالرصاص.
هذا عطفًا على حفر خنادق في الناحية الشمالية لمدينة الفاشر باللودر مما أعاق الحركة، بحيث أصبح المهرب يأتي سيرًا على الأقدام يحمل ما يستطيع حمله على ظهره من السلع الخفيفة مثل (المكرونة والعصائر والسجائر والملح).
ويضيف حسن: “ارتفاع الأسعار يبدأ يوم العاشر من كل شهر حين تبدأ الجيوش بشراء موادها فتجف السوق، وما إن تحل غرة الشهر التالي حتى يقوم الجيش بإخراج بعض المواد وبيعها في السوق لاستبدالها بأخرى، فيظهر رخاء في هذه السلع وترتفع أسعار المواشي“.
ويقول عبدالله إنه لا يزال في المدينة لأنه “يجازف” لتوفير ما تطلبه مطابخ التكايا التي تقدم الإطعام لضعاف المواطنين العالقين في الفاشر، ولا يملكون ثمن الخروج، إذ أصبح بدوره ينطلب ميزانية كبرى، إضافة إلى خطورة الطريق واحتمالية خطر الموت جراء إطلاق النار.
تنتشر قوات الدعم السريع شرق وجنوب وغرب المدينة، الحياة هناك توقفت بالكامل، لا توجد ممرات آمنة سوى طرق سرية يسلكها المواطنون للمغادرة في رحلات النزوح إلى محلية طويلة.
الجيش الذي بدا عاجزًا عن فك الحصار عن الفاشر طيلة أربعة عشر شهرًا، أعلن الثلاثاء الثاني والعشرين من يوليو الجاري، عن تحقيق اختراق أمني كبير إثر انفتاحه على مناطق جنوب وشرق المدينة، وتمكنه لأول مرة من السيطرة على هذه المناطق منذ بدء الحرب في عام 2023.
——————————————————————————–
ملحق:
جدول يوضح أسعار بعض السلع في الفاشر
السلعة |
السعر |
جوال السكر |
ثلاثة مليون وخمسمائة ألف جنيه |
بلح |
معدوم |
جوال العدس |
مليون وأربعمائة ألف جنيه |
رز |
مليون وخمسمائة ألف جنيه |
شعرية |
معدومة |
مكرونة |
معدومة |
دقيق سيقا |
مليون وأربعمائة ألف جنيه |
الصابونة الواحدة |
تسعة آلاف جنيه |
شاي الكباية (الظرف الواحد) |
ثلاثة آلاف جنيه |
جنزبيل (رطل) |
عشرون ألف جنيه |
البن (رطل) |
خمسون ألف جنيه |
بصل (كورة) |
خمسون ألف جنيه |
برميل الموية |
سبعة آلاف جنيه |
صفيحة البنزين |
مليون وثمانمائة ألف جنيه |
صفيحة الجازولين |
مليون وسبعمائة ألف جنيه |
فوطه صحية (باكو) |
عشرون ألف جنيه |
فوطه صحية (القطعة) |
ثلاثة آلاف جنيه |
كورة العدسية |
ثمانون ألف جنيه |
جوال الدخن |
ثلاثة مليونات وتسعمائة ألف جنيه |
جوال الذرة |
ثلاثة مليونات وسبعمائة ألف جنيه |
رطل الويكة |
ستون ألف جنيه |
كورة الأمباز |
عشرة آلاف جنيه |




أحدث التعليقات