جبراكة نيوز: تقرير- عيسى دفع الله
بينما تتواصل المعارك الدامية في السودان منذ أكثر من عامين، يترقب السودانيون بحذر نتائج اجتماع الرباعية الدولية زائد اثنين (+2)، المقرر عقده في العاصمة الأميركية واشنطن في 29 يوليو الجاري، وسط آمال بإمكانية وقف إطلاق النار، وانطلاق مسار سياسي يؤدي إلى تسوية شاملة، لكن أيضاً وسط شكوك كبيرة حول نوايا الأطراف الدولية ومواقف الفاعلين المحليين.
وتتعدد الآراء بشأن فرص نجاح هذه المبادرة الدولية في وقف الحرب الدامية التي تعصف بالسودان منذ أكثر من عامين.
من يملك زمام التنفيذ؟
قدم القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي محمد ضياء الدين قراءة متفائلة لكنها مشروطة لمخرجات اجتماع الرباعية المرتقب، قائلًا إن المبادرة تتكون من ثلاث مراحل: الأولى إعلان وقف فوري ومراقب لإطلاق النار، فتح ممرات إنسانية، وتوفير دعم لوجستي وتمويلي من دول إقليمية (السعودية، قطر، الإمارات، مصر).
أما المرحلة الثانية: انطلاق مسار سياسي داخلي يشمل لقاءً أوليًا مباشرًا بين أطراف النزاع، يليه حوار سوداني-سوداني واسع لإشراك القوى المدنية والمجتمعية.
المرحلة الثالثة: وضع خريطة طريق متفق عليها لإنهاء النزاع، تتوج بإعلان التسوية الشاملة، وتشكيل حكومة انتقالية، ودمج القوات، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
وتساءل ضياء الدين تساءل عما إذا كانت هذه المبادرة مجرد مسعى شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام، أم أنها انعكاس لتحول حقيقي في السياسة الأميركية تجاه السودان والمنطقة، قائلاً إن الأيام القادمة كفيلة بإظهار النوايا الحقيقية.
وأكد أن نجاح المرحلة الأولى (وقف إطلاق النار واللقاء المباشر) سيكون مفتاح نجاح المبادرة برمتها، محذرًا من أن العصا الأميركية قد تكون أقرب من الجزرة إذا تعثرت الخطوات الأولى.
تدخل خارجي
القيادي بحزب المؤتمر الشعبي بارود صندل رجب المحامي عبر عن تشاؤمه من مسار الرباعية الدولية، معتبرًا أن القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، اختطفت الملف السوداني وتعمل حاليًا على دمج منبر جدة ضمن مسار الرباعية، تمهيدًا لإعلان سياسي تشارك فيه كل من الرباعية، الاتحاد الأفريقي، والإيقاد، يتبنى جدة كمنصة وحيدة للحل، ويعمل على تحويل إعلان جدة إلى اتفاق سياسي ملزم بقرار من مجلس الأمن.
وأشار رجب إلى أن ما يُحاك في كواليس المجتمع الدولي يُطبخ على نار هادئة، بينما تنشغل أطراف النزاع السودانية في صراعات حول الغنائم، مضيفًا أن القيادة الحالية لا تملك لا تحركًا علنيًا ولا سريًا، وتكتفي بالجعجعة.
وانتقد رجب ما وصفه بالخطاب الشعبوي الذي يروج له أنصار ما يسمى بحرب الكرامة، والذي يتهم التحركات الدولية بأنها تهدف لإنقاذ قوات الدعم السريع من الانهيار وعرقلة انتصارات الجيش، واصفًا تصريحات بعض القيادات العسكرية مثل اللواء ابوعاقلة كيكل بأنها نسخة من هرطقات عمر البشير، مشيرًا إلى أنها تُعبر عن عقلية استبدادية.
كما انتقد أداء الحكومة المدنية ورئيس وزرائها كامل إدريس، واعتبره فاقدًا للصلاحيات، مشيرًا إلى أنه مجرد عضو في لجنة شكلها القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، مما يفقد الحكومة الانتقالية أي مصداقية لدى المجتمع الإقليمي والدولي.
ورأى رجب أن القوى السياسية المساندة لحرب الكرامة، مثل الكتلة الديمقراطية، لا تملك قدرة على الثبات، وتكتفي بتكتيكات لتحقيق مكاسب آنية. وحذر من أن العقوبات الدولية قد تطال الجميع، بما فيهم قادة الحركات المسلحة في دارفور، إذا استمرت الحرب، مؤكداً أن العسكر أبدوا استعداداً للتنازلات مقابل البقاء في السلطة أو لحماية أنفسهم.
وختم حديثه بالقول إن التدخلات الخارجية الخبيثة هي التي سترسم معالم المستقبل في السودان، فهل ننتظر المعجزة أم نلملم شتاتنا لإنقاذ ما تبقى من البلاد؟.
حملة لتخريب السلام
من جهته، أشار الأمين العام لحزب المؤتمر السوداني خالد عمر يوسف إلى وجود توافق كبير داخل الرباعية الدولية بشأن ضرورة وقف الحرب فورًا ودون شروط. وقال إن هناك مؤشرات إيجابية لقبول الطرفين بهذه الدعوة.
واتهم يوسف عناصر حزب المؤتمر الوطني وواجهاته بشن حملات هستيرية لإفشال أي مسعى دولي لإيقاف الحرب، مشيرًا إلى تصريحات القيادي الإسلامي أحمد هارون التي جمعت بين الترغيب والترهيب، حيث لوّح بإمكانية دعم بقاء الجيش في السلطة، واقترح استفتاءً على هوية القائد العسكري للبلاد، في محاولة لشرعنة استمرار الحكم العسكري.
ووصف خالد عمر إجهاض منابر جدة والمنامة وجنيف بأنه جزء من استراتيجية المؤتمر الوطني لإطالة أمد الحرب، لأنها من وجهة نظرهم حرب بقاء وعودة للمشهد السياسي، ووسيلة للانتقام من ثورة ديسمبر.
وشدد على أن وقف الحرب فورًا هو المخرج الوحيد المتاح لإنهاء معاناة السودانيين، وفتح المجال أمام حوار شامل يجمع كل القوى المدنية والمجتمعية. وقال إن لم تتوفر الإرادة الوطنية الآن، فإن الفرصة المتاحة حاليًا قد تضيع وتطيل أمد الكارثة.
جذور الصراع
المحلل السياسي محمد أحمد شبشة رأي بأن اجتماع الرباعية في واشنطن ليس خطوة نحو إنهاء الحرب بقدر ما هو محاولة لإعادة تدوير الأزمة وفق مصالح القوى الدولية والإقليمية.
وقال شبشة إن ما يطرح من تسويات لا يعالج جذور الصراع في السودان، بل يجمد الحرب إلى حين، بينما يُمنح الفاعلون المدنيون أدوارًا رمزية لا تغير موازين القوة. إذا لم تتحرك قوى الثورة بخطط واضحة، فستفرض على السودانيين تسوية هشة تكرس واقع العنف والإفلات من العقاب.
أما إذا تعثرت التفاهمات، رأي شبشة أن الحرب ستظل وسيلة تفاوض على الأرض، يرفع بها كل طرف سقف مطالبه قبل العودة إلى الطاولة، بينما تتحول مدن مثل الفاشر ونيالا وأم درمان إلى ساحات ضغط عسكري يوازي الضغط الدبلوماسي، ويتوسع النزوح والدمار، وتظل بيانات الإدانة والعقوبات الجزئية عاجزة عن وقف آلة الحرب.
رغم تباين الآراء بين المتحدثين، فإن المشترك بينهم هو الاعتراف بأن المبادرة الدولية الجارية تمثل لحظة مفصلية في مسار الأزمة السودانية، وقد تمهد لوقف الحرب أو تعمق من تعقيداتها، بحسب استجابة الأطراف الداخلية وضغوط الفاعلين الدوليين.
فهل ينجح المجتمع الدولي أخيرًا في دعم مسار سلام عادل ومستدام في السودان، أم يكتفي بإدارة الأزمة وتجميدها وفق حسابات المصالح والنفوذ لصالح موازين القوى لا لصالح شعب أنهكته الحرب؟




أحدث التعليقات