الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةتقاريروفاة لاجئ سوداني في مصر تكشف ثغرات الحماية ومخاطر الانتظار

وفاة لاجئ سوداني في مصر تكشف ثغرات الحماية ومخاطر الانتظار

جُبراكة نيوز: مآب الميرغني

تقرير

في إحدى زنازين مركز شرطة ثالث أكتوبر بمحافظة الجيزة بدولة مصر، أسدل الستار على حياة المواطن السوداني مجاهد عادل محمد، الذي لم يمضِ على وصوله إلى مصر سوى أسابيع قليلة أثناء  مرافقته لوالده المريض.

واحد وعشرون يومًا قضاها خلف القضبان، محرومًا من تلقي علاج مرض السكري، لتنتهي حياته في 8 أغسطس، كاشفةً -الحادثة- عن ثغرات قاتلة في منظومة حماية اللاجئين السودانيين في مصر.

بين انتظار إجراءات “توفيق الأوضاع” التي قد تمتد لأشهر، وخطر الاعتقال أو الترحيل حتى لحاملي البطاقة المبدئية من المفوضية، يعيش آلاف السودانيين على حافة المجهول، بلا ضمانات فعلية تحمي حياتهم أو تصون كرامتهم.

النزوح واللجوء: حينما يفر السودانيون لواقع أقسى

هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي في سياق أزمة نزوح  ولجوء غير مسبوقة جرّاء الحرب المندلعة في السودان، إذ يعاني الآلاف من السودانيين أوضاعًا إنسانية قاسية، فرضتها عليهم ظروف الحرب.

فبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء الُمسجّلين في مصر حاجز المليون، 73% منهم سودانيون فرّوا من الحرب التي اندلعت في بلادهم في أبريل 2023.

وتشير أرقام الحكومة المصرية إلى أن دولة مصر وحدها استقبلت أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ بداية النزاع، ما يجعلها أكبر دولة مستضيفة لهم، وذلك وفق بيان نشرته المفوضية على موقعها نهاية يونيو الماضي.

ورغم الجهود الحكومية المصرية، وجهود المنظمات الأممية، تعمل المفوضية بتمويل لا يتجاوز 29% من احتياجاتها، ما أدى إلى فجوة قدرها 97 مليون دولار، وترتب عليه تقليص حاد في المساعدات النقدية والخدمات الصحية والتعليمية وخدمات الحماية. آلاف اللاجئين فقدوا الدعم الشهري الذي كانوا يعتمدون عليه، فيما يواجه نحو 50 ألف طفل خطر التسرب من المدارس.

وفي خضم هذه التحديات، بدأت مصر تنفيذ قانون لجوء جديد ينقل إدارة شؤون اللاجئين من المفوضية إلى نظام وطني خلال خمس سنوات، بدعم فني ومالي من المجتمع الدولي.

لكن نجاح هذا التحول وحماية طالبي اللجوء سيعتمدان على سد فجوة التمويل وتحسين آليات الحماية، خصوصًا خلال فترة الانتظار الطويلة التي قد تمتد من شهرين إلى ستة أشهر قبل إتمام إجراءات “توفيق الأوضاع”، وهي فترة يظل فيها اللاجئ عرضة للاعتقال أو الترحيل، حتى “أحيانًا” وهو يحمل بطاقة التسجيل المبدئية من المفوضية.

قصة مجاهد تُسلط الضوء على أن غياب الرعاية الصحية في الاحتجاز، وغياب الحماية الفعلية خلال فترة الانتظار، قد تكون لهما عواقب قاتلة، وهو واقع يعيشه آلاف اللاجئين السودانيين اليوم في مصر.

شهادة قانونية تكشف الثغرات
المحامي المصري أشرف ميلاد، المختص في شؤون اللاجئين والمهتم بقضايا اللاجئين السودانيين، علّق على قضية عادل موضحًا أن عمليات التوقيف المعروفة بين السودانيين باسم “الكشات” مرتبطة أساسًا بملف الإقامات. وأوضح في حديثه لـ”جُبراكة نيوز” أن من يُشتبه فيه يُحال أولًا إلى الأمن الوطني، وإذا لم يكن عليه أي قضايا أمنية يُحوَّل إلى الجوازات، وهناك يُفحص ملفه لدى المفوضية. إذا كان مسجّلًا، يُرسل ملفه للمفوضية لتحديد إن كان سيُفرج عنه أو يبقى محتجزًا، لكن هذه العملية قد تستغرق من أسبوع إلى عشرة أيام لمجرد الاشتباه، حتى دون وجود مخالفة.

وأشار ميلاد إلى أن القانون يفترض إرسال أي محتجز يطلب العلاج إلى طبيب السجن أو أقرب مستشفى، لكن التطبيق العملي يشهد إهمالًا، كما في حالة عادل. وأكد أن أخطر الفترات هي تلك التي تلي طلب الحصول على إقامة وحتى صدورها، حيث يكون اللاجئ في وضع هش ومعرّض لأي تهديد.

وعن التزامات مصر، ذكر ميلاد اتفاقية 1951 وبروتوكول 1967 مع خمسة تحفظات تتعلق بالأحوال الشخصية، والتعليم الأساسي، وحقوق العمل الخاصة، والسلع التموينية المخفضة، والضمان الاجتماعي والمعاشات. كما أشار إلى صدور قانون جديد للجوء في ديسمبر 2023، لكنه أشار إلى أن لائحته التنفيذية لا تزال قيد النقاش.

وفي ما يتعلق بالتسجيل الأولي في المفوضية، أوضح أنه يتم بإثبات الهوية حتى لو دخل الشخص بطرق غير نظامية، عبر حجز موعد بالهاتف أو الانتظار أمام المفوضية عدة مرات بسبب محدودية الأعداد التي تستقبلها يوميًا. وتمنح البطاقة المبدئية إثباتًا بالتسجيل، لكنها لا تمنع دائمًا الاعتقال أو الترحيل، خاصة بعد اندلاع حرب السودان، حيث أصبحت فترات الانتظار طويلة قد تصل لأشهر أو حتى سنوات.

وكشف ميلاد أن مخاطر هذه الفترات تشمل الاعتقال أو الترحيل، أو الاحتجاز أسابيع لحين رد المفوضية. كما ذكر حالة مشابهة لوفاة عادل وقعت قبل أسبوع واحد فقط، حين توفي لاجئ سوداني في قسم قصر النيل نتيجة الإهمال الطبي، رغم وجود أمر من النيابة بنقله للمستشفى، حيث أُعيد للحجز حتى فارق الحياة. وأكد أنه بصدد اتخاذ إجراءات لرفع دعوى وتقديم شكوى للنيابة للمطالبة بفتح تحقيق رسمي في هذه الواقعة، باعتبارها وفاة نتيجة إهمال طبي.

وأضاف أن الأوضاع تزداد سوءًا مع الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين، مشيرًا إلى أن الأعداد المسجلة كانت 280 ألفًا في أبريل 2023، بينما تجاوزت – حتى لحظة حديثه – المليون، ما يخلق أزمة في القدرة على الاستيعاب والتعامل.

شهادة لاجئة
من جهتها، تروي اللاجئة السودانية هاجر محمد تجربتها مع التسجيل والحماية، إذ وصلت إلى مصر في يونيو 2024 برفقة أسرتها عبر التهريب. وقالت في حديثها لـ”جُبراكة نيوز” إنها فور وصولها تواصلت مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عبر إحدى المنظمات، نظرًا لوجود أحد أشقائها من ذوي الاحتياجات الخاصة. وبعد الحجز، وصلهم رد بمواعيد المقابلة بعد شهرين من الاتصال.

حصلت هاجر وأشقاؤها على “الكارت الأصفر” (إقامة لمدة عام ونصف) الذي يمنحهم الحماية القانونية. وأكدت أنها لم تتعرض شخصيًا لأي اعتقال أو احتجاز، مشيرة إلى أن المفوضية توفر الحماية للاجئين، لكن هذه الحماية قد تسقط في حالة افتعال المشاكل أو ارتكاب مخالفات.

وأوضحت هاجر أن هناك حالات تم ترحيلها إلى السودان بسبب مخالفات، واعتبرت أن أصعب فترة يواجهها اللاجئون هي فترة الانتظار الطويلة قبل الحصول على الكارت الأصفر، إذ يكون اللاجئ خلالها عرضة للمشاكل أو الترحيل، أما بعد الحصول عليه فتقل احتمالات التعرض لأي مشكلة قانونية.

بين الانتظار الطويل، و”الكشات” المفاجئة، والإهمال الطبي في أماكن الاحتجاز، يجد اللاجئون السودانيون أنفسهم في دائرة الخطر. فقصة مجاهد، وقبله الشاب الذي توفي في قسم قصر النيل، ليست سوى جرس إنذار لما قد يتكرر ما لم تُسد ثغرات الحماية ويُضمن الحق في الحياة والرعاية.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات