الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةتقاريرتقرير: السودان بعد عامين من الحرب: من يحكم؟ من يموّل؟ وهل من...

تقرير: السودان بعد عامين من الحرب: من يحكم؟ من يموّل؟ وهل من مخرج؟

 

تقرير: جبراكة نيوز – عيسى دفع الله

بعد مرور عامين على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يعد المشهد السياسي والعسكري في البلاد قابلاً لوصفه بثنائية بسيطة.

السودان، الذي كان يُدار من مركز سياسي واحد في الخرطوم، تحوّل اليوم إلى خريطة متشظية من مناطق نفوذ عسكرية وإدارية واقتصادية متداخلة، يتقاطع فيها المحلي مع الإقليمي والميداني مع المالي.

خريطة السيطرة والنفوذ

على الأرض، تتركز سيطرة الجيش السوداني في ولايات الشمال (الشمالية ونهر النيل) إضافة إلى العاصمة الخرطوم وبورتسودان وسواحل البحر الأحمر، وجيوب واسعة في شمال وجنوب كردفان، هذا إلى جانب ولاية الجزيرة في وسط البلاد وولايتي سنار والنيل الأزرق في الجنوب، والقضارف شرقي السودان.

هذه المناطق تضم المقرات الرسمية للوزارات السيادية، والميناء البحري الرئيسي، وبعض المطارات التي بقيت تحت إدارة الجيش. وفي المقابل، أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها على إقليم دارفور، باستثناء مدينة الفاشر المحاصرة، إضافة إلى ذلك توجد جيوب أخرى تدار بسلطة مجتمعية أو قبلية، خصوصاً في بعض المناطق الريفية، حيث توفر القبائل الحماية والأمن مقابل الولاء أو الموارد، بعيداً عن سلطة الدولة المركزية أو قوات الدعم السريع.

مصادر التمويل والتحكم الخارجي

تتفق آراء المحللين السياسيين على أن المال هو خيط التماسك الحقيقي للحرب. حيث يقول الصحفي والمحلل السياسي حيدر عبد الكريم، إن الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب أظهرت بوضوح أن المحاور الخارجية هي التي تتحكم في المشهد السوداني، بعد أن فقد أطراف الصراع المحليون القدرة على توجيه مسار الحرب.

وأشار إلى أن منبر جدة كان فرصة مبكرة للحل السلمي، لكن نفوذ الأطراف الخارجية عرقل ذلك وأطال أمد النزاع.

وأوضح أن الولايات المتحدة حاولت إطلاق مشاورات عبر “الرباعية” التي لعبت دور “الأخ الأكبر” في محاولة فرض حلول، وهو نهج اعتبره محفوفاً بالمخاطر.

وبيّن أن الطرفين يمولان الحرب من نهب الموارد والتهريب، خاصة الذهب في دارفور وجنوب كردفان، مع استفادة واضحة من طرق التهريب إلى مصر والإمارات. ورأى أن الحل يكمن في الضغط على المحاور الخارجية وإجبار الأطراف الداخلية على التفاوض، على أن تُدار الفترة الانتقالية بواسطة شخصيات مستقلة خارج التحالفات السياسية، مع تأسيس جيش واحد يكون قاعدة الدولة السودانية.

بدأ النزاع المسلح في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية، وهي الجيش النظامي للبلاد بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، وهي تشكيل شبه عسكري يقوده الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تطورت من “ميليشيات الجنجويد” التي ارتكبت فظائع واسعة في إقليم دارفور عام 2003.

وتتمتع قوات الدعم السريع بتسليح وتمويل كبيرين، وتنتشر في مناطق واسعة من السودان، بينما يحتفظ الجيش بالسيطرة على أجزاء أخرى من البلاد، ويستند إلى سلاح الجو والمدفعية الثقيلة.

من جهتها، أكدت المحللة السياسية إيمان كمال الدين أن المفاوضات ينبغي أن تكون مع دولة الإمارات، معتبرة أن قوات الدعم السريع مجرد أداة وأنها انتهت فعلياً، حيث تدور معظم المعارك حالياً مع مرتزقة تم تجنيدهم من النيجر وكولومبيا، حد قولها.

وأوضحت أن الإمارات لديها شروطها الخاصة، إذ إنها خسرت كثيراً في الحرب ولم تحقق أهدافها، وتطالب بالتعويض وحماية مصالحها الاقتصادية المتمثلة في التعدين عن الذهب والأراضي الزراعية في منطقة الفشقة الحدودية مع إثيوبيا شرقي السودان إلى جانب التعدين عن الذهب.

أشار المحلل السياسي والمدافع الحقوقي ضرار آدم ضرار إن قوات الدعم السريع سيطرت، في بدايات الحرب، على نحو 70% من مساحة السودان، لكنها فشلت في إنشاء أي نظام حكم بالمناطق التي أحكمت قبضتها عليها، مقدمةً نموذجًا سيئًا تمثل في “الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والقتل خارج نطاق القانون، والسرقة، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة”.

وأوضح ضرار أنه بعد مرور عام على اندلاع الحرب، تمكنت القوات المسلحة والقوات المتحالفة معها من استعادة السيطرة على معظم مناطق وسط السودان والعاصمة، ما أجبر قوات الدعم السريع على التراجع إلى ولايات كردفان ودارفور وفقدان السيطرة على بقية المناطق، الأمر الذي أتاح للحكومة تشكيل سلطة مدنية في بورتسودان برئاسة كامل إدريس، مع مؤسسات خدمية وأجهزة إنفاذ قانون، في محاولة لإعادة مظاهر الدولة، على حد قوله.

وأضاف أن وجود حكومة في بورتسودان بكامل طاقمها، بما في ذلك رئيس الوزراء، يمثل شكلًا من أشكال السيطرة، إذ إنها تصدر العملة الوطنية، وتشرف على شؤون السودانيين في الخارج وإصدار الجوازات، وهي الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة ومعظم دول العالم.

وأشار ضرار إلى أن قوات الدعم السريع، منذ بداية الحرب، استهدفت مؤسسات الدولة بالتدمير والنهب، وفرضت ما وصفه بـ”قانون الغابة” في مناطق سيطرتها.

كما لفت إلى أن حكومة الأمر الواقع في بورتسودان تمتلك علاقات خارجية وموارد معدنية ونظامًا مصرفيًا، وتستفيد من المنح والقروض إضافة إلى الإيرادات الضريبية.

في المقابل، قال إن قوات الدعم السريع تعتمد على مصادر تمويل متعددة، من بينها دعم خارجي “توجَّه أصابع الاتهام فيه إلى دولة الإمارات”، إضافة إلى عائدات الذهب، والصادرات الزراعية والحيوانية، إلى جانب النهب والسلب.

تشير تقديرات مجموعة أبحاث السودان التابعة لكلية لندن للصحة والطب الاستوائي، إلى أن أكثر من 60 ألف شخص قُتلوا في منطقة الخرطوم وحدها خلال الأشهر الأربعة عشر الأولى من الحرب، فيما يقدّر مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراع المسلح (ACLED) عدد القتلى في عموم السودان بحوالي 20,178 شخصاً خلال الفترة نفسها.

كما أدت الحرب إلى نزوح نحو 11 مليون شخص داخلياً وخارجياً، وأدخلت البلاد في أكبر أزمة جوع في العالم، حيث يحتاج نصف سكان السودان، أي حوالي 25 مليون شخص، إلى مساعدات إنسانية عاجلة وفق الأمم المتحدة.

المحللة السياسية إيمان كمال الدين، قالت إن عدداً كبيراً من المناطق في السودان، مثل منطقة المناقل بولاية الجزيرة وسط البلاد، تمكنت من الصمود خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على كامل الولاية، باستثناء مدينة المناقل التي تسلح أهلها بجهود شعبية لمواجهة العدوان الذي كان يتربص بهم. وأشارت إلى أن “بعض المجموعات السكانية اشترت طائرات مسيّرة وتسليحاً من غنائم المعارك مع قوات الدعم السريع”.

وأضافت إيمان أن قوات الدعم السريع تسيطر على إقليم دارفور باستثناء مدينة الفاشر المحاصرة، إلى جانب مناطق أخرى يسيطر عليها الجيش السوداني من خلال حكومته الموجودة في الخرطوم، وشمال كردفان، وجنوب كردفان، والولايات الغربية في الشمال والوسط والجنوب.

وأوضحت أن نمط الحكم تغيّر قبل اندلاع الحرب، بفعل اختلاف التحديات المتعلقة بقضايا النازحين والمساعدات وتكايا الطعام، مشيرة إلى أن هذه الإشكاليات لا تزال قائمة، بل تضاعفت بفعل الحرب وانتشار الأوبئة.

وترى إيمان أنه من الصعب توقع توقف الحرب في المدى القريب، رغم وجود مفاوضات – سواء سرية منذ بداية الحرب أو علنية – مثل لقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الأمريكي مسعد بولس في سويسرا في أواسط أغسطس الجاري.

وتساءلت: كيف يمكن تحقيق شروط وقف الحرب إذا “كانت اللقاءات تتم مع طرف واحد ممثل في الجيش والدعم السريع، بينما الطرف الآخر – وهو الإمارات – لا يزال يحاصر المدن ويجلب المرتزقة ويمد الدعم السريع بالسلاح والمال؟”.

وأشارت إلى أن الإمارات لديها شروطها الخاصة، إذ إنها خسرت كثيراً في الحرب ولم تحقق أهدافها، وتطالب بالتعويض وحماية مصالحها الاقتصادية. وأضافت أنه يصعب التكهن بمدى الحرب، سواء كان قصيراً أو طويلاً، في ظل غياب الحسم العسكري أو تباطؤه، وحتى إذا كان هناك حل تفاوضي، فإن نجاحه يتطلب استعداداً من قبل الفاعلين في الدولة والمجموعات المتحاربة والشعب السوداني، على ألا يتضمن أي عودة لقوات الدعم السريع إلى أي مستوى من مستويات الحكم.

وختمت إيمان كمال الدين بأن الحل يكمن في أحد خيارين لا ثالث لهما: الحسم العسكري من قبل الجيش السوداني لتحرير ما تبقى من مناطق سيطرة الدعم السريع، أو حل تفاوضي يحفظ سيادة البلاد وأمنها، من دون وجود الدعم السريع في أي موقع من مواقع الدولة، على حسب قولها.

رغم استضافة عدة جولات من المحادثات، أبرزها في جدة برعاية السعودية والولايات المتحدة، فإن المفاوضات بين الجيش وقوات الدعم السريع تعثرت مراراً وسط استمرار المعارك وتبادل الاتهامات.

وخلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024 إلى أن الطرفين ارتكبا مجموعة مروعة من انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، التعذيب، الاعتقالات التعسفية، والهجمات الممنهجة على المدنيين، ما زاد من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سلمية.

مخاطر التقسيم

تبدو احتمالات وقف الحرب في المدى القريب ضعيفة، فالحسم العسكري الشامل لا يلوح في الأفق، والمفاوضات لم تحقق اختراقاً.

حذر المحلل السياسي وسكرتير نقابة الصحفيين السودانيين محمد عبد العزيز من أن الحرب قد تؤدي إلى تقسيم السودان إلى خمسة كيانات على الأقل، بينها دولتان في دارفور.

وأكد أن وقف الحرب يتطلب قوة دفع داخلية من القوى الرافضة للقتال، ووقف التمويل الخارجي وخطابات الكراهية، مع تسوية سياسية تضمن وحدة السودان.

أما أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية بروفيسور صلاح الدومة، يقول: “إن السودان اليوم يخضع لتحكم فئتين رئيسيتين، الجزء الغربي الذي يشمل ولايات دارفور وكردفان (حوالي 45% من مساحة البلاد)، وتهيمن عليه تحالفات تأسيس التي تُعد قوات الدعم السريع أحد مكوناتها”. ويضيف: “أما بقية ولايات السودان فتسيطر عليها الحركة الإسلامية، ويشكل حزب المؤتمر الوطني والجيش السوداني جزءاً أساسياً منها”.

وأوضح الدومة أن كل طرف يمول نفسه من الموارد الطبيعية داخل مناطق نفوذه، إضافة إلى الدعم من الحلفاء الإقليميين. وأكد أن الحرب يمكن أن تتوقف إذا تبنّت الولايات المتحدة موقفاً جاداً وصارماً في مقترحاتها، أما في غياب ذلك فهي مرشحة للاستمرار لسنوات.

المخاطر الإنسانية

نتيجة لهذا الاستنزاف، يعيش السودان واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية في تاريخه، حيث يعيش ملايين النازحين والمهاجرين بين المعسكرات أو خارج الحدود. تفشت الأوبئة مثل الكوليرا، وتراجعت الخدمات الأساسية إلى مستويات كارثية، مما جعل حياة المدنيين تحت رحمة المساعدات الدولية.

اقتصادياً، تراجعت قيمة الجنيه السوداني إلى مستويات قياسية، وتسيطر السوق الموازية على حركة النقد والتجارة، مما يجعل من وقف الحرب شرطاً أولياً لأي تعافٍ مستقبلي. حيث أصبحت السيطرة موزعة ومتغيرة، وأصبح المال هو خيط التماسك الحقيقي للحرب.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات