تحقيق: جبراكة نيوز – عيسى دفع الله
في حيّ الدرجة الأولى بمدينة الفاشر، تحاول صفاء أبكر (38 عامًا) إشعال النار بعد يوم ماطر لطهو وجبة من “الأمباز” بقايا عصر الفول السوداني لتطعم أطفالها الثلاثة. منذ مقتل زوجها في قصف السوق في ديسمبر الماضي، صار هذا العلف الحيواني وجبتهم اليومية، بعدما كان غذاءً للأغنام التي ذُبح بعضها وبِيع ما تبقى لشراء لقيمات من الدقيق أو السكر.
لا تملك صفاء ما ينقذ أسرتها من الحصار، فالمغادرة تكلف 500 ألف جنيه للفرد، بينما طرق الخروج محفوفة بالموت.
ما تعيشه صفاء ليس استثناءً، بل جزء من مأساة تمتد عبر شمال دارفور وبقية الإقليم، حيث تتبخر وعود الإغاثة قبل أن تصل إلى من ينتظرونها.
أزمة حادة
منذ 15 مايو 2024، تفرض قوات الدعم السريع حصارًا خانقًا على مدينة الفاشر. توقفت عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات بعد إسقاط ثلاث طائرات، دون وجود بدائل فعاّلة من حكومة إقليم دارفور أو مفوضية العون الإنساني.
تقدّر الأمم المتحدة أن نحو 300 ألف شخص يعيشون أوضاعًا إنسانية مروعة، بينهم كبار السن والنساء الحوامل والأطفال، مع وصول الجوع الشديد (المستوى الخامس) إلى واقع يومي.
تسجّل الوفيات نحو 63 شخصًا أسبوعيًا، معظمهم نساء وأطفال، فيما رصدت شبكة أطباء السودان وفاة 239 طفلًا جوعًا خلال النصف الأول من العام، مع توقعات بارتفاع الأعداد خارج المستشفيات. وتشير التقارير الأممية إلى إصابة 40% من الأطفال دون الخامسة بسوء التغذية، بينهم 11% في حالة حرجة.
ومنذ منتصف 2024، تصاعدت الاتهامات حول عرقلة وصول الإغاثة. ففي يوليو 2025، رفضت حركة تحرير السودان–المجلس الانتقالي دعوة أممية لتمرير المساعدات، رغم موافقة الجيش على هدنة أسبوعية، بينما اشترطت قوات الدعم السريع وقفًا شاملًا لإطلاق النار. في يونيو، قُتل ستة من طاقم قافلة إغاثية بهجوم بطائرة مسيرة بعد توقفها في الكومة إثر مطالبة الدعم السريع بتخصيص حصة للمنطقة.
وفي سبتمبر 2024، اتهمت حكومة إقليم دارفور الدعم السريع بنهب قوافل ومنعها من الوصول لمدن عدة، رغم دخول 59 شاحنة عبر معبر أدري.
ينفي مستشار قائد قوات الدعم السريع، عمران عبد الله، الاتهامات الموجهة لقواته، مؤكدًا أن إيصال المساعدات إلى شمال دارفور أولوية قصوى.وقال إن قواته لعبت دورًا في فتح الطرق للقوافل الإغاثية والتنسيق مع المنظمات لضمان التوزيع العادل. ووصف مزاعم عرقلة الإغاثة أو استغلال مواد الإغاثة لأغراض عسكرية بأنها “ادعاءات لا أساس لها”.
واتهم الجيش وبعض الحركات المسلحة باحتجاز المدنيين داخل الفاشر واستخدامهم دروعًا بشرية، داعيًا الجهات المستقلة للتحقق ميدانيًا من الأوضاع.
في الأثناء، يدعو المنسق الإنساني لإقليم دارفور، عبد الباقي محمد حامد، إلى فتح المجال فورًا أمام دخول المساعدات إلى الفاشر، مشيرًا إلى أن الجهود الحالية تتم تحت ضغط الوقت لتفادي مجاعة محتمة.
ويشير حامد إلى أن 86 شاحنة وصلت شمال دارفور في يوليو، وأن 1250 شاحنة جرى تنسيق دخولها منذ يناير 2025، لكنها لم تصل كاملة إلى مستحقيها.
كما كشف عن عراقيل متعمدة تشمل تحويل الشحنات إلى مناطق تسيطر عليها حركات مسلحة أو احتجازها في مخازن الأطراف المتنازعة. وأقر بفشل الأمم المتحدة في إيصال المساعدات سواء برًا أو جوًا.
انحراف المسار
تكشف المشاهد اليومية في الفاشر حجم الانهيار الإنساني. في أسواق المدينة، تُباع أكياس الأرز والزيت والعدس والحليب التي تحمل بوضوح ملصق “توزع مجانًا“، وبأسعار مضاعفة. وفي مليط والكومة، تُعرض علنًا مواد غذائية تحمل شعارات برنامج الأغذية العالمي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما يثير تساؤلات حول مصير المساعدات.
تؤكد مصادر محلية أن الشحنات التي تصل من بورتسودان عبر معبري أدري والدبة غالبًا ما تنحرف عن مسارها عبر مهربين على صلة بقوات الدعم السريع، أو تتلف بعد توقف طويل في الطريق، بينما ينتهي المطاف ببعضها معروضة للبيع في أسواق كوستي وبورتسودان.
استند التحقيق إلى 75 إفادة من مواطنين، وعاملين في المجال الإنساني، وتجار، ومسؤولين محليين في مناطق تمتد من شمال دارفور (الفاشر، طويلة، الكومة، مليط) إلى الدبة وولاية نهر النيل وبورتسودان. وكانت الخلاصة صادمة: المساعدات المخصصة للجوعى تُسرق، تُحوَّل، وتُباع، بينما يظل المستهدفون بها بلا غذاء. ضعف الرقابة، وطول فترات توقف الشاحنات، أتاحا تلف بعض الشحنات وتهريب أخرى، في وقت يواجه فيه سكان الفاشر مجاعة حادة وتفاقمًا في سوء التغذية.
شملت المصادر سكانًا محليين ونازحين، موظفين في حكومة إقليم دارفور ومفوضية العون الإنساني، وممثلين عن منظمات دولية، وتجار على صلة مباشرة بسلاسل التوريد. وجميع الإفادات اتفقت على حقيقة واحدة: المساعدات المخصصة للجوعى تُسرق، تُحوّل، وتُباع — بينما يظل من يُفترض أن تنقذهم، جوعى.
يؤكد تجار في مدينة الدبة أن الشحنات تدخل الأسواق عبر سماسرة يستلمونها من المخازن ثم يطرحونها للبيع. أحدهم قال: “نستلم الشحنة بأذونات من سماسرة، ثم نبيعها بأسعار مضاعفة، وكل شيء تحت سيطرة الحركات المسلحة”.
أما في منطقة طويلة، التي تعدّ الوجهة الأولى للفارين من المدينة وتخضع لسيطرة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، تُجبر المنظمات الإنسانية على منح الحركة حصة من كل شحنة مساعدات.
وذلك وفق تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بتاريخ 8 يوليو 2025، الذي وثّق أيضًا فرض رسوم على المساعدات والمجتمعات المستفيدة، في انتهاك لمبادئ الحياد وضمان الوصول العادل. وأشار التقرير إلى أن طويلة تمثل ملاذًا لمئات الآلاف من النازحين من الفاشر والمناطق المجاورة، معظمهم في أوضاع إنسانية حرجة بسبب ضعف الاستجابة لاحتياجاتهم.
بالمقابل، نفت حركة عبد الواحد نور هذه الاتهامات، ووصفتها بـ”المغلوطة والمضللة”، معتبرة أنها تهدف لتشويه صورتها، ودعت الأمم المتحدة لمحاسبة “مروّجي الأكاذيب”.
تحذيرات “أوتشا” لم تكن الأولى؛ ففي تقرير سابق بتاريخ 3 يوليو 2025، ذكرت الوكالة أن العراقيل البيروقراطية التي تفرضها قوات الدعم السريع وحركة عبد الواحد نور تعيق بشكل كبير وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة — تاركة الجوع يتفوق على القصف في سباق البقاء.
الفساد المؤسسي
وثّقت منظمات دولية مثل برنامج الغذاء العالمي وهيومن رايتس ووتش وأطباء بلا حدود، حوادث نهب واستيلاء على شحنات إغاثية، إضافة إلى اعتداءات على العاملين في المجال الإنساني. وتواجه جهود الإغاثة ضعفًا في التنسيق بين المنظمات والسلطات، وغيابًا للشفافية والرقابة، ما أتاح انتشار الفساد البنيوي في مختلف مراحل العملية الإنسانية.
في يوليو 2025، أصدر التحالف السوداني لمكافحة الفساد مذكرة حذّر فيها من أن الحرب حوّلت قطاع المساعدات إلى بيئة خصبة للفساد. وأشار إلى أن أكثر من 30 مليون سوداني بحاجة إلى الدعم الإنساني، بينهم 14 مليون نازح ولاجئ.
وأكدت المذكرة أن أطراف النزاع – الجيش، قوات الدعم السريع، والحركات المسلحة – تستغل المساعدات كأداة نفوذ وتمييز، ما يؤدي إلى إقصاء مجتمعات على أسس إثنية أو سياسية. كما وثّقت المذكرة أنماطًا متعددة من الفساد، تشمل تسييس المساعدات، التدخلات الأمنية في التوزيع والتوظيف، الاستغلال الجنسي للنساء في مراكز الإيواء.
إضافة إلى فساد إداري داخل مفوضية العون الإنساني، مع منع التقييمات المستقلة وضعف الرقابة المجتمعية.
ودعت المذكرة إلى تعزيز الرقابة الشعبية، وتمكين منظمات المجتمع المدني، وتوظيف التكنولوجيا لرفع الشفافية، وحماية الصحفيين والمبلّغين، فضلًا عن إنتاج محتوى توعوي ضد الفساد باللغات المحلية.
شهادات وملاحظات
على الأرض، تظهر ممارسات مختلفة تعكس هذه الفجوات. يتهم موظف في مفوضية الشؤون الإنسانية الاتحادية – فضّل عدم الكشف عن اسمه – حكومة إقليم دارفور بقيادة مني أركو مناوي بالتقصير في إيصال المساعدات.
وأوضح أن آلية التوزيع تُدار بتنسيق ثلاثي بين المفوضية والمنظمات الدولية والسلطات المحلية، لكنها تواجه تأخيرات متكررة نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، مع تسرب بعض المساعدات إلى الأسواق.
في المقابل، ينفى مسؤول الإعلام في حكومة إقليم دارفور، عبد العزيز أوري، هذه الاتهامات، مؤكدًا أن الحكومة وزّعت جزءًا من المساعدات على النازحين في المدارس ومراكز الإيواء، ونفى بشدة بيع الإغاثة في الأسواق.
شهادات شهود عيان تضيف صورة واقعية لما يحدث على الأرض؛ فقد أفادوا برصد توزيع المساعدات داخل معسكرات الجيش ضمن الحصص الغذائية. فيما أكد آخرون مشاهدة جنود من قوات الدعم السريع يستخدمون مشمعات ومواد إغاثية لطهي وجباتهم اليومية، في مشهد يعكس اعتماد الطرفين على المساعدات بينما يُحرم المدنيون منها.
ويؤكد المدير التنفيذي لمنظمة الديمقراطية والمناصرة من أجل حقوق الإنسان (هاند)، ضرار آدم ضرار، أن العمل الإنساني في شمال دارفور يشهد فسادًا ممنهجًا منذ اندلاع الحرب.
وأوضح أن عراقيل الأطراف المتصارعة عطّلت وصول الإغاثة، بما في ذلك فرض رسوم على المساعدات وبيعها بأسعار مضاعفة. وأشار إلى التمييز الإثني و”السرقة الممنهجة” التي تمارسها بعض الحركات المسلحة، ومنها فرض حركة عبد الواحد جبايات على النازحين مقابل حصولهم على المساعدات. بين كثبان الصحراء، تصطف الشاحنات المحمّلة بالغذاء ساكنة كأنها تنتظر إذنًا بالحياة.
لكن المسافة بين هذه الحمولات وأفواه الجوعى في الفاشر ومناطق دارفور الأخرى ما تزال طويلة، محروسة بالحواجز العسكرية والتجاذبات السياسية. هنا، يتحول الخبز إلى ورقة مساومة، والماء إلى امتياز، فيما يترقب المدنيون – تحت خطر القصف والجوع – لحظة قد لا تأتي، حين تصل المساعدات أخيرًا إلى من كُتبت بأسمائهم.




أحدث التعليقات