الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةقصة خبريةعندما تستبدّ السلطة بالقضاء: هيمنة الكتائب على براءة الناس؟ 

عندما تستبدّ السلطة بالقضاء: هيمنة الكتائب على براءة الناس؟ 

جُبراكة نيوز: مروي

كان يوم الاثنين 15 سبتمبر 2025 مفصليًا داخل محكمة مروي بالولاية الشمالية. فبعد ثمانية أشهر من الجلسات والاستماع للشهود والبينات، نطق القاضي بحكم براءة كل من “محمد الحاج عساكر” و”مصعب عبد الرحيم” من تهم التخابر مع قوات الدعم السريع.

القرار كان من المفترض أن يُنهي معاناتهما الطويلة خلف القضبان ويعيد لهما حريتهما. لكن ما جرى بعد دقائق قليلة من إطلاق سراحهما قلب المشهد رأسًا على عقب.

شهدت المحاكم في مدن السودان المختلفة التي تقع تحت سيطرة الجيش أو الدعم السريع خلال العامين الماضيين عدة قضايا ذات طابع سياسي وأمني، حيث وجهت اتهامات لمدنيين بالتخابر أو التعاون مع احد طرفي القتال، وغالبًا ما أثارت تلك المحاكمات جدلاً واسعًا حول عدالة الإجراءات ونزاهتها.

بحسب مذكرة قانونية أطلعت عليها «جُبراكة نيوز» رفعتها المحامية ازدهار جمعة سعيد إلى السلطات العليا في الدولة، فإن المتهمين المبرئين لم ينعما بالحرية أكثر من لحظات، إذ كانت في انتظارهما قوة تابعة لاستخبارات الفرقة 19 مروي التابعة للقوات المسلحة.

تصف المحامية ازدهار المشهد قائلة إن “مصعب عبد الرحيم”، بعد أن غادر بوابة السجن، أدرك أن قوة مسلحة تتربص به. ركض سريعًا عائدًا نحو الحراس طالبًا الحماية، لكن أفراد الاستخبارات انتزعوه بالقوة من بين الجنود وسحبوه حافي القدمين إلى عربة الاعتقال. لم ينج رفيقه “محمد الحاج عساكر” من المصير ذاته إذ أوقفته القوة بعد دقائق، وأنزلته من “ركشة” كان يستقلها، وأجبرته على الصعود معهم.

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، بين الجيش وقوات الدعم السريع تزايدت الشكاوى من تدخل القوات النظامية في أعمال القضاء والنيابة، بما في ذلك منع محامين من أداء دورهم، أو تهديد الشهود، أو اعتقال متهمين رغم صدور قرارات قضائية ببراءتهم.

بينما حذرت منظمات حقوقية محلية ودولية  مرارًا من أن هذه الممارسات تضعف ثقة المواطنين في العدالة.

“إلغاء عملي لقرار المحكمة” هكذا وصفت ازدهار ما حدث، مؤكدة أن ما جرى يمثل إهانة علنية للقضاء السوداني وطعنة في قلب العدالة. وقالت إن المحكمة استمعت “للبلاوى” والبينات ثمانية أشهر كاملة، وفشل الاتهام في إثبات الجرم، فأصدرت قرار البراءة. ما جرى للمتهمين هو إلغاء عملي للحكم، وتقويض للنظام الدستوري.. مالكم كيف تحكمون.

المذكرة التي حملت توقيع المحامية أرسلت إلى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس القضاء، ووزير العدل، والنائب العام، ورؤساء النيابة والتفتيش القضائي. وجاءت مطالبها بالإفراج الفوري عن المبرئين، وفتح تحقيق عاجل، ومحاسبة أفراد الاستخبارات المتورطين، وإصدار توجيهات صارمة تمنع تكرار مثل هذه الحوادث.

مدينة مروي بالولاية الشمالية تحتضن الفرقة 19 مشاة  وهي أول مدينة اندلعت منها شرارة حرب 15 أبريل عقب توغل قوات الدعم السريع إلى المدينة والسيطرة على مطارها قبل يومين من الحرب، وتعد قاعدة عسكرية مهمة للجيش، وهو ما جعلها مسرحًا لتوترات متكررة بين طرفي الحرب.

لكن القصة لا تنتهي هنا. فالمحامية تحذر من أن استمرار مثل هذه الممارسات قد يحول المحاكم إلى ساحات ترهيب بدلًا من العدالة، ويهدم ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. بل ذهبت أبعد من ذلك حين قالت ” إذا كان هناك طرف لا يحترم قرارات المحاكم، فما الحاجة إذن للأجهزة العدلية ولمهنة المحاماة؟

بين قرار قضائي يفترض أن يكون نهائيًا، وقوة مسلحة ترى نفسها فوق القانون، يقف “مصعب” و”عساكر” كما يقف عشرات المتهمين الآخرين في مفترق طرق بين العدالة والبطش. أما بورتسودان، العاصمة الإدارية للبلاد، فتبقى أمام اختبار صعب هل ستكون مركزًا للعدالة كما يفترض أن تكون، أم عاصمة للترهيب كما يخشى المحامون؟

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات