جُبراكة نيوز: نيالا
مع بداية كل خريف، يترك عبدالسلام حسن (38 عامًا) تجارته في سوق مدينة زالنجي، عاصمة ولاية وسط دارفور، ليتجه مع أسرته إلى المزارع. مثل آلاف الأسر في دارفور، يعتمد عبدالسلام على الزراعة لتأمين قوت يومه من الذرة والبامية والفول السوداني، فيما يبيع ما يفيض من المحصول لتغطية مصاريف أسرته.
لكن رحلة اعتيادية إلى مدينة نيالا، في يونيو الماضي، قلبت حياته رأسًا على عقب. كان قد جاء لتوريد بضائع إلى متجره في زالنجي، مستعينًا بحسابه في بنك الخرطوم، حيث ادخر نحو 28 مليون جنيه. لم يكن يتوقع أن تتحول رحلته التجارية إلى كابوس طويل.
في إحدى الليالي، اعترضت مجموعة مسلحة طريق عبدالسلام. اقتادوه إلى مكان مجهول، وألقوا به في غرفة ضيقة مظلمة. هناك، بدأت فصول ثلاثة أشهر من الاحتجاز القسري.
عاش عبدالسلام على بقايا طعام لا تسد الرمق، وجرعات ماء بالكاد تروي عطشه، بينما تنهش أسراب البعوض جسده الضعيف، مسببة له الملاريا والتيفويد ومضاعفات صحية كادت تودي بحياته.
تحت التعذيب والضرب، أجبرته المجموعة على فتح هاتفه واستخدام تطبيق “بنكك” لتحويل كل ما في حسابه البنكي. خلال دقائق، تبخرت مدخراته البالغة 28 مليون جنيه، حصيلة سنوات من الكد والتعب.
عند الساعة الواحدة والنصف من فجر الاثنين 22 سبتمبر2025، أطلقت المجموعة سراح عبدالسلام ورمته في أطراف حي السلام شمال غربي مدينة نيالا. كان جسده منهكًا، وروحه مثقلة بذكرى ثلاثة أشهر من العزلة والألم وفراق الاسرة.
قال أحد أفراد أسرته، الذي فضل حجب اسمه خوفًا من انتقام الخاطفين لـ«جّبراكة نيوز» اليوم الثلاثاء، إن عبدالسلام عاد إلينا بسلام، لكنه ليس كما كان. جسده مريض، ويحتاج إلى علاج عاجل، ونحن نرتب لنقله إلى زالنجي ليلتقي أسرته بعد هذه المحنة.
منظمات حقوقية حذرت مرارًا من استمرار هذه الممارسات التي تستهدف الأبرياء في الإقليم، بينما تتفاقم الأوضاع الصحية مع تفشي الكوليرا والملاريا وأمراض الخريف.
رغم الجراح الجسدية والنفسية، يتمسك عبدالسلام بأمل العودة إلى زراعته وأسرته في زالنجي. ربما لا يستعيد أمواله المسروقة، لكن نجاته من محبسه القاسي، وعودته حيًا إلى عائلته، تظل معجزة صغيرة وسط حرب أنهكت دارفور، وأهلها ولا زالت مستمرة على أمل أن تنتهي في وقت قريب.




أحدث التعليقات