جُبراكة نيوز: نعمات الحاج- مآب الميرغني
رغم بشريات التعافي التي بدأت تلوح في الخرطوم مع عودة الأسواق والمحال التجارية تدريجيًا، وعودة المياه والكهرباء إلى بعض الأحياء بجهود ذاتية، إلا أن العاصمة التي أنهكتها الحرب لا تزال تواجه مع كل فجر خطرًا جديدًا يتمثل في تفشي أوبئة متلاحقة. فالعاصمة لم تكد تلتقط أنفاسها من وباء حتى تستقبل آخر، وسط وضع صحي متدهور ومستشفيات مدمّرة تفتقر إلى الأدوية والكوادر الطبية.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، تدفع النساء الحوامل الثمن الأكبر، إذ تسجل المستشفيات حالات متزايدة لفقدان الأجنّة بسبب حمى الضنك والملاريا، فيما أصبح محلول “البندول” -أبسط أدوية خفض الحرارة -موردًا نادرًا لا يُنال إلا بشق الأنفس.
في المستشفى السعودي بأم درمان، تتكرر القصص الموجعة يوميًا. نادية الحاج (39 عامًا) فقدت جنينها في أسبوعها الأخير بعد إصابتها بالملاريا واشتداد الحمى، لتبدأ رحلة عذاب بين نقص الأدوية وتأخر الرعاية، انتهت بنقل دم لإنقاذ حياتها بعد تدهور صفائحها الدموية.
تقول د. أديبة إبراهيم السيد، أخصائية الباطنية والأوبئة وعضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، إن البلاد تمرّ بـ«مرحلة حرجة»، مشيرة إلى تسجيل نحو 856 ألف إصابة بحمى الضنك و33 ألف إصابة بالكوليرا في مختلف الولايات، مع تزايد الحالات في دارفور وجنوب كردفان بسبب الحصار والمجاعة. وتضيف أن النساء الحوامل هنّ الأكثر تأثرًا بسبب ضعف المناعة وانعدام الرعاية الصحية، محذّرة من مضاعفات قد تؤدي إلى الوفاة أو فقدان الجنين.
وتكشف د. أديبة عن وجود 12 ألف امرأة حامل و6 آلاف مرضعة و21 ألف طفل بلا غذاء أو لقاحات، إلى جانب 3 آلاف وفاة بين حديثي الولادة نتيجة انهيار النظام الصحي.
ويؤكد الطبيب محمد أحمد حجاج أبيلي، نائب اختصاصي النساء والتوليد بمستشفى مجموعة ربك، أن حمى الضنك «تمثّل خطرًا مزدوجًا على الأم والجنين»، إذ قد تسبب تشوهات خلقية أو ولادة مبكرة أو وفاة الجنين داخل الرحم. ويوضح أن العلاج ليس نوعيًا، بل يعتمد على الراحة التامة والإكثار من السوائل واستخدام “البندول” فقط، فيما يُمنع استخدام الأسبرين لتسببه في النزيف.
ويختتم الطبيب بالقول إن الوقاية تظل السلاح الأنجع، عبر مكافحة البعوض وردم البرك وارتداء الملابس الواقية، داعيًا إلى أن تتم ولادة جميع الحوامل في المناطق الموبوءة داخل المستشفيات تحسبًا لخطر النزيف ووضعهن تحت المراقبة المستمرة.
تعيش النساء السودانيات أوضاعًا صحية مأزومة، ولا سيما الحوامل منهن، إذ أدى الصراع الدائر إلى تعطّل المؤسسات الصحية وانهيار الخدمات الأساسية. وتواجه النساء تمييزًا مركّبًا؛ مرة من بيئة الحرب التي تحاصرهن، ومرة من مجتمع يستبطن دونية المرأة، بينما تعجز المرافق الصحية عن تقديم العون لمن كنّ يومًا الملاذ الأخير لأجنّتهن الذين يتشبثون بالحياة.




أحدث التعليقات