تقرير: جُبراكة نيوز: عيسى دفع الله
عقب تمكن القوات المسلحة السودانية من السيطرة على مدينة بارا في ولاية شمال كردفان يوم 11 سبتمبر 2025، بعد أن كانت قوات الدعم السريع متمركزة فيها منذ الأشهر الأولى للحرب في عام 2023، بدأت هذه القوات في التراجع إلى مناطق أصغر نسبيًا، مثل جبرة الشيخ وحمرة الشيخ وسودري، مقارنةً بأهمية بارا الاستراتيجية.
وكانت قوات الدعم السريع قد فقدت السيطرة على مدن وسط السودان، بما فيها العاصمة الخرطوم ومدنها الثلاث، في مايو الماضي، وأُجبرت على الانسحاب نحو ولاية شمال كردفان المحاذية لمدينة أم درمان من الناحية الغربية، حيث تمركزت في مدينة بارا التي تبعد عن أم درمان 348 كيلومترًا غربًا.
وتُعد بارا مدينة زراعية تشتهر بمزارع الحمضيات التي تغذي أسواق العاصمة الخرطوم، حتى ارتبط اسمها بـ«ليمون بارا». كما ساعد الموقع الجغرافي والطبيعة العمرانية للمدينة قوات الدعم السريع على إخفاء سياراتها القتالية عن مرمى طيران القوات المسلحة، وتوفير مساكن ثابتة لعناصرها، ما جعل المدينة قاعدة متقدمة احتضنت أغلب مقاتلي الدعم السريع المنسحبين من الخرطوم ومدن وسط السودان.
وكانت القوات المسلحة قد تمكنت من فك الحصار عن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، في فبراير 2025، وفتح الطريق إليها وربط قواتها القادمة من ولاية النيل الأبيض بالقوات الموجودة داخل المدينة.
بارا.. نقطة التحول
قال الباحث السوداني المهتم بالشأنين العسكري والسياسي، أكرم علي، لـ«جُبراكة نيوز» إن الجيش حين يخوض معركة يركز على العمق، أي على التحرك الفعلي للمعركة من حيث الإعداد والإمداد والتموضع، ويختار مناطق مناسبة للقتال وفق أهدافه وإمكاناته. وأضاف أن قوات الدعم السريع تعتمد على أسلوب القتال القائم على «الفزع»، بينما يضع الجيش خططه بناءً على ذلك.
وأوضح أكرم أن الدعم السريع فقد زخم قوته قبل معركة بارا، وأن دخول الجيش إلى الأبيض كان بداية الانهيار الفعلي له، لأن الأبيض تُعد قاعدة عسكرية ومركز قيادة متقدم، وهي أخطر من بارا لأهميتها الجغرافية ولأنها تفتح الطريق لبقية مناطق كردفان ودارفور. وأضاف أن فتح الطريق إلى بارا ضيّق المساحات أمام الدعم السريع، لأن بارا منطقة حاكمة وحاسمة، وبالسيطرة عليها قُطعت قدرته على «الفزع» والتحرك الحر في محيط المدينة.
وأشار إلى أن أي منطقة لا يزال الدعم السريع يسيطر عليها، مثل الخوي أو النهود، لن تتمكن من التحرك فجأة لدعم مناطق أخرى، لأن التحرك من تلك المنطقة سيؤدي إلى فقدانها وعدم السيطرة على المنطقة المستهدفة. وأكد أن تحرير بارا قطع خطوط الإمداد والدعم العسكري، وعزّز قدرة الجيش على ربط طريق الصادرات بين الأبيض وأم درمان، مما أسهم في تقصير خطوط الإمداد العسكرية واللوجستية للجيش.
وتابع أكرم أن تحرير بارا وضع قوات الدعم السريع في جزر معزولة لا تستطيع التحرك منها، وأن تكتيك «الفزع» الذي يعتمد عليه الدعم السريع أصبح بلا جدوى تقريبًا. وأوضح أن تحرير النهود والخوي سيمثل البداية الفعلية لدخول الجيش إلى دارفور، مشيرًا إلى أن السيطرة على كامل كردفان ستُسهّل التقدم نحو دارفور، حيث ستفقد قوات الدعم السريع قدرتها على القتال كوحدة منظمة بعد وصول الجيش إلى مشارف الإقليم.
من جانبه، أكد المحلل السياسي عبد الماجد عبد الحميد أن مدينة بارا تحتل مكانة خاصة في وجدان الشعب السوداني، باعتبارها مدينة تجمع خليطًا من أبناء السودان من جميع الجهات، وموطنًا لأحد أبرز رموز الطريقة الختمية، السيد الحسن. وأضاف أن بارا تمثل ملتقى طرق تجارية يربط أم درمان وشمال وغرب السودان، وهي مركز زراعي وتنموي يعكس التنوع الإثني والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
وأشار عبد الحميد في حديثه لـ«جُبراكة نيوز» إلى أن سيطرة الجيش على بارا تعني بداية السيطرة على كامل كردفان وتأمين طريق الصادرات، إضافةً إلى تأمين الإمداد العسكري القادم من أم درمان، ما يمثل ضربة قوية لقوات الدعم السريع، ويقرب الجيش من تحرير دارفور بشكل كامل. وأكد أن سقوط بارا يفتح الطريق نحو النهود وشمال دارفور، ويضع الدعم السريع أمام فقدان السيطرة على المناطق الحيوية.
وعزا عبد الحميد أسباب انهيار قوات الدعم السريع في كردفان وفقدانها منطقة بارا إلى خطط عسكرية محكمة نفذها الجيش السوداني، إذ لم تكن قوات الدعم السريع تتوقع أن يأتيها الجيش وحلفاؤه من الناحية الغربية، حيث ركزت دفاعاتها على الناحية الشرقية المحاذية لأم درمان. وأشار إلى أن الجيش نفذ تكتيكًا مباغتًا بالتحرك نحو عمق المدن التي كان يسيطر عليها الدعم السريع، مثل المزروب وزريبة الشيخ البرعي، مما شتّت قواته.
وقال عبد الحميد إن الدعم السريع وجد نفسه مضطرًا للانسحاب نحو الخوي بعد أن فاجأه الجيش بالسيطرة على بارا، ليؤكد أن تحرير المدينة يمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب.
أبعاد اقتصادية وإنسانية لتحريرها
أما المحلل السياسي السوداني أحمد شموخ، فأكد أن استعادة الجيش السوداني لمدينة بارا في شمال كردفان تُعد خطوة استراتيجية حاسمة ضمن حملته الأوسع في إقليم كردفان. ووفقًا لاستراتيجية الجيش، كما صرّح بها الفريق أول ياسر العطا في مطلع عام 2024، تهدف العملية إلى إنشاء قاعدة لوجستية متقدمة في مدينة الأبيض تُستخدم كنقطة انطلاق لعمليات طرد قوات الدعم السريع من الولايات الثلاث في كردفان.
وقال شموخ لـ«جُبراكة نيوز» إن مدينة بارا تكتسب أهمية كبيرة لكونها مركزًا لوجستيًا رئيسيًا بمثابة مركز إمداد لقوات الدعم السريع، واستُخدمت لتشديد الحصار على مدينة الأبيض قبل أن يتمكن الجيش من كسره. كما كانت نقطة تجميع لتعزيزات قوات الدعم السريع في شمال كردفان والخرطوم، مع وجود مهابط ترابية تُستخدم لهبوط طائرات إمداد أجنبية.
وأشار شموخ إلى أن المدينة تُعد بوابة تجارية واقتصادية بفضل موقعها على طريق الصادرات التجاري التاريخي والطريق القومي، مما يجعل استعادتها إنجازًا عسكريًا واقتصاديًا في آنٍ واحد. فهي تُعيد تنشيط حركة التجارة بين الخرطوم والأبيض وغرب السودان، في منطقة غنية بالثروة الحيوانية والزراعية.
وأكد أن السيطرة على بارا تُعزّز الدفاع عن مدينة الأبيض بوجودها على بُعد 60 كيلومترًا فقط شمالها، وتدعم مواقع الجيش استعدادًا لتحرير باقي الولاية وتأمين المدخل الغربي للعاصمة الخرطوم. وأوضح أن تحرير بارا يفتح الباب لإعادة تشغيل القاعدة الجوية في الأبيض، التي توقفت عن العمل منذ عامين، ما سيعزز بشكل كبير القدرات اللوجستية والقتالية للجيش السوداني.
وأشار شموخ إلى وجود مؤشرات متزايدة على تفكك قوات الدعم السريع، مثل تراجع الروح المعنوية للمقاتلين، وفرار بعض القادة، وبيع بعض العناصر لمركباتهم لتمويل هروبهم. ومع ذلك، أكد أن الدعم السريع لا يزال يتلقى دعمًا من جهات إقليمية تُسهم في إبقائه على قيد الحياة، سواء عبر تجنيد المرتزقة أو محاولة دمجه مع حركات متمردة أخرى. ويرى شموخ أن هذا الدعم الخارجي قد أبطأ من وتيرة تقدم الجيش، لكنه لا يغيّر حقيقة أن الجيش السوداني ماضٍ في خطته لإنهاء هذه الحرب وصون وحدة السودان وسلامة أراضيه.
وفي الجانب الإنساني، قالت سلوى خاطر لـ«جُبراكة نيوز»، البالغة من العمر 56 عامًا، وهي أم لسبعة أبناء (أربع بنات وثلاثة أبناء) وتقيم في منطقة جبرة الشيخ بشمال كردفان التي تبعد 107 كيلومترات عن مدينة بارا، إن الوضع في المنطقة سيئ جدًا بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية، مؤكدة أنها قررت الخروج من المنطقة إلى مكان أكثر أمانًا بحثًا عن التعليم لأبنائها.
وأوضحت أن العيش في منطقة تسيطر عليها قوات الدعم السريع أصبح جحيمًا لا يُطاق بسبب الجبايات التي تفرضها هذه القوات على السكان. وأضافت، وهي صاحبة مطعم سابق لتقديم الوجبات التقليدية في سوق جبرة الشيخ، أن العمل أصبح غير مجدٍ اقتصاديًا نتيجة خوف المواطنين من التواجد في السوق، إلى جانب قصف المسيرات التابعة للجيش السوداني التي تحلق بين الحين والآخر في سماء المنطقة. وأكدت أن الأوضاع في المنطقة مظلمة جدًا ومليئة بالمخاطر اليومية.




أحدث التعليقات