الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةتقاريرالسرد كفعل اجتماعي في زمن الحرب… منصور الصويم يدشّن كتابه الجديد

السرد كفعل اجتماعي في زمن الحرب… منصور الصويم يدشّن كتابه الجديد

جُبراكة نيوز: عيسى دفع الله

دشّن الروائي والباحث السوداني منصور الصويم، مساء أمس الأحد، بمركز سلام ميديا في العاصمة الأوغندية كمبالا، كتابه الجديد «السرد كفعل اجتماعي في الحرب السودانية»، وسط حضور لافت من المثقفين والكتّاب والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي. وشكّل النقاش الذي أعقب التدشين مساحة ثرية لتحليل دور الأدب في فهم الحرب وإعادة تشكيل الوعي بمفهوم السلم.

هل يكتفي الأدب بتوثيق الحرب؟

أوضح الصويم في مستهل تقديمه أن ورقته البحثية تنطلق من محاولة قراءة الأدب كأداة لفهم واقع عنيف، لا كترف لغوي، بل كمرآة تكشف العلاقة بين الكلمة والدم، والخيال والواقع، والذاكرة والمستقبل. وأشار إلى أن السؤال المركزي لبحثه هو: هل يكتفي الأدب بتوثيق الحرب أم يمكن أن يشارك في صنع السلام؟ وخلص من خلال تحليل نماذج سردية متعددة إلى أن الأدب السوداني خلال سنوات الحرب لم يكن محايداً، بل طرح أسئلة جوهرية حول الهوية والعنف والعدالة، وتحول إلى فضاء للصراع الرمزي والاجتماعي.

 

الحرب من الداخل الإنساني

من فعالية تدشين الكتاب: جُبراكة نيوز

تناولت الكتاب عدداً من الأعمال القصصية مثل «رصاصة في الجبين» التي تصوّر الخيانة السياسية كقتل رمزي للوعي، و«إنكار» التي تروي الحرب من منظور امرأة تنتظر زوجها الغائب، فيتحول الانتظار فيها إلى صراع بين الأمل والإنكار، إضافة إلى «مذكرات جثة منتفخة بالحياة» لعمر الصايم و«موت أحمر وجثة رمادية» لمعاوية قيلي. وترى الدراسة أن هذه النماذج تجسد قدرة القصة القصيرة على نقل الحرب من الشارع إلى الداخل الإنساني، وعلى كشف هشاشة المشاعر في ظل الخراب.

تشريح العنف وتعدد الذاكرة

وتوقف الكتاب كذلك عند روايات شكلت محوراً لدراسة العنف البنيوي في السودان، من بينها «صقر الجديان» لمحمد سليمان الشاذلي التي تُقرأ كتصوير للحرب الأهلية بوصفها آلة تلتهم أبناءها، و«شوق الدرويش» لحمور زيادة التي تستعيد المهدية باعتبارها صراعاً بين استبدادين سياسي وديني، و«هاها.. كح كح.. نجوت بأعجوبة» لمصطفى خالد التي تمزج الواقعية السحرية برعب الخرطوم، و«دموع البادية» لأسماء جمعة التي تكسر احتكار السردية الأحادية لحرب دارفور، و«الأشوس» لعبد العزيز بركة ساكن التي تمثل الحرب الراهنة من داخل ذهن مقاتل بلغة جريئة تكشف زيف الخطاب السياسي. وخلصت الدراسة إلى أن السرد السوداني أصبح نسيجاً تتقاطع فيه السياسة مع الفن، والذاكرة مع الخيال، وأن الأدب قادر على إعادة التوازن بين الروايات المهيمنة والمهمشة عبر ما يسميه الصويم «العدالة السردية».

العنف كظاهرة ثقافية

وقدّمت القاصة سلمى عبد العظيم قراءة نقدية للكتاب، أشادت خلالها بلغة الصويم وتحليله المتزن، معتبرة أن بحثه أعاد تعريف السرد كفعل اجتماعي قادر على تحليل العنف بوصفه ظاهرة ثقافية ذات جذور بنيوية.

غلاف الكتاب: تصميم أنس صلحي

وأوضحت أن البحث أضاف مفاهيم جديدة من بينها «العدالة السردية» و«الغفران الثقافي»، ورسم دوراً جديداً للكاتب بوصفه وسيطاً ثقافياً مساهماً في تشكيل وعي جمعي إيجابي.

السرد بين التشخيص والتأجيج

من جانبه، يرى الصحفي عز الدين دهب أن الدراسة تطرح نقاشاً عميقاً حول قدرة السرد على تشريح جذور العنف، لكنها تشير كذلك إلى أن الخطاب السردي في اللحظة الراهنة قد يتحول في بعض الأحيان إلى أداة تعمّق الاستقطاب بدلاً من رأبه. وأكد أن أهمية الدراسة تكمن في كشف التشابك العضوي بين السرد والهوية، وفي تحليل الذاكرة بوصفها ساحة صراع بين روايات متعددة في السودان.

أزمة سرديات وطنية

وقدم الكاتب شمس الدين ضوالبيت مقاربة تاريخية لافتة، أشار فيها إلى أن السودان يعيش منذ ما قبل الاستقلال أزمة سرديات متجذرة بين الانتماء الوطني والانحياز الخارجي، وهو ما أعاق، بحسب تحليله، بناء ذاكرة جمعية متماسكة.

وتطرق المحامي محمد بدوي إلى أزمة المثقف السوداني، الذي يرى أنه ظل عاجزاً عن موازنة حرية التعبير مع دوره التقليدي في ترشيد الوعي العام، الأمر الذي ساهم في تعقيد المشهدين الثقافي والسياسي.

أدار النقاش القاص والصحفي نصر الدين عبد القادر، بمشاركة عدد من المهتمين بالشأن السوداني، حيث خلص الحضور إلى أن الكتابة عن الحرب ليست هروباً من الواقع، بل محاولة جريئة لتغييره، وأن السرد قد يشكل الخطوة الأولى في طريق السلام.

يذكر الكتاب في خاتمته مرصداً توثيقياً شاملاً يرصد جميع الأعمال السردية التي صدرت بعد العام 2023 وتناولت الحرب، مما يمنحه قيمة إضافية للباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي السوداني.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات