تقرير: جُبراكة نيوز – عيسى دفع الله
بدأ صالح عمر، البالغ من العمر 60 عاماً، الاستعداد لموسم الخريف مبكراً برفقة أبنائه وبناته في قرية أبو جابرة، الواقعة على بُعد 65 كيلومتراً جنوب نيالا بولاية جنوب دارفور. وبعد تنظيف المزرعة وتجهيز البذور والمؤن الغذائية، أعدّ دابته التي تساعده في حرث الأرض، رغم الصعوبات التي يواجهها في جلب المياه من بئر سوق أبو جابرة، على مسافة نحو 15 كيلومتراً شمال مزرعته. ورغم الصعوبات، ظلّ صالح يمارس مهنته، إلا أن تحديًا واحدًا ظلّ يتكرر لسنوات وعكّر صفو مزاجه بشكل خاص هذا الموسم.
أدت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 إلى انهيار دورة الإنتاج الزراعي في معظم ولايات دارفور؛ حيث ترك آلاف المزارعين أراضيهم ولجأوا إلى المخيمات بسبب انعدام الأمن وغياب الحماية. يُضاف إلى ذلك النقص الحاد في المدخلات الزراعية وغلاء الأسعار، مما يزيد من صعوبة استمرار الزراعة التقليدية.
ليست مهنة للربح فحسب
زرع صالح خمسة أفدنة من الذرة من نوع الدخن أولاً، ثم زرع عشرة أفدنة من الفول السوداني. ووفقاً لخطته، فإن نجاح الموسم سيكفي أسرته حتى الخريف القادم، فهذه الزراعة مخصصة للاكتفاء الذاتي من الطعام والشراب، مع بيع جزء من محصول الفول لتغطية الاحتياجات المعيشية الأخرى مثل العلاج.
ورغم أن أسعار الفول السوداني بلغت أدنى مستوياتها منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، ورغم تدهور الوضع الأمني الذي دفع معظم المزارعين إلى هجر الزراعة والبقاء في مخيمات أطراف المدن والاعتماد على المساعدات الشحيحة والمنح القادمة من أبنائهم اللاجئين في الخارج، فإن العم صالح رفض هذا المسار، مفضلاً الاعتماد على عمل يده، قائلاً لـ«جُبراكة نيوز» إنه «تربى على العزة والاعتماد على الذات».
موسم مبشّر.. ولكن
منذ يونيو من كل عام، يبدأ مزارعو دارفور في تنظيف المزارع وتحضيرها للزراعة، وهو ما فعله العم صالح أيضاً، وتكللت جهوده بالنجاح بعد هطول أمطار غزيرة جعلت الموسم مبشّراً. لكن ما عكّر صفو الموسم هو المشكلة السنوية المتجددة، رغم وجود الأعراف والمعاهدات المجتمعية التي تنظم الدورة الزراعية، والتي تنتهي بما يُعرف محلياً بـ(الطلقة)، أي فتح المسارات والمراحيل أمام الرعاة لدخول ماشيتهم إلى المزارع بعد انتهاء الحصاد، للاستفادة من بقايا المحصول، ضمن علاقة تبادلية يستفيد منها الطرفان.
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الولايات الخمس، غابت المؤسسات الرسمية التي كانت تنظم العلاقة بين الرعاة والمزارعين، كما خلق تفكك الإدارة الحكومية فراغاً أمنياً سمح بتصاعد الانتهاكات، خاصة دخول الماشية إلى المزارع قبل ابتداء أو نهاية الحصاد.
ما حدث هذا الموسم كان محبطاً؛ إذ يؤكد صالح أن رعاة، أغلبهم مسلحون ويتبعون لقوات الدعم السريع، أدخلوا ماشيتهم إلى المزارع منذ أكتوبر الماضي، قبل أن يتمكن المزارعون من جمع محاصيلهم، ما تسبب في خسائر فادحة لهم، إلى جانب تعرضهم لانتهاكات واسعة شملت الضرب والتهديد بالقتل إن اعترضوا. ورغم تقديمهم شكاوى إلى قيادات الدعم السريع، فإنهم لم يجدوا أي حلول.
وتكررت معاناة صالح لدى مزارعين آخرين، من بينهم أم كلثوم إسحاق (52 عاماً) من منطقة وادي صالح بولاية وسط دارفور، حيث أتلفت ماشية الرعاة مزرعتها، ما دفعها للتفكير في ترك الزراعة والبحث عن مصدر رزق آخر أكثر أماناً لها ولأبنائها، رغم أنها لا تجيد مهنة أخرى منذ أن نُهبت أغنامها على يد الجنجويد في عام 2004.
ويعيش المزارعون في دارفور أوضاعاً قاسية بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الولايات الخمس، في ظل غياب أي سلطة فاعلة تنظم العلاقة بين الرعاة والمزارعين، الأمر الذي أتاح للرعاة المسلحين ممارسة انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
مهلة غير منطقية
وقال القانوني المختص بأوضاع دارفور، عبد العظيم عمر، لـ«جُبراكة نيوز» إن قوات الدعم السريع بولاية وسط دارفور منحت المزارعين مهلة أسبوع واحد فقط لحصاد محاصيلهم، وأعطت الرعاة الإذن باجتياح المزارع وإتلافها بعد انتهاء المهلة، واصفاً ذلك بأنه نهج يعكس شكل الدولة المنحرفة التي يسعون لتأسيسها تحت مسمى الإدارة المدنية.
وأضاف أن لجنة حماية الموسم الزراعي، التي يُفترض أن تحمي حقوق المزارعين، تحولت عملياً إلى لجنة لشرعنة إتلاف مزارعهم.
وأشار إلى أن بعض المحاصيل تحتاج لوقت أطول للنضج، بينما يُجرى في الظروف الطبيعية فتح المسارات في يناير من كل عام، إلا أن ما أسماه «حكومة التأسيس البربرية» غيّر كل الأعراف، حتى إتلاف ممتلكات الناس أصبح مُشرعناً عبر الإدارة المدنية بقيادة عبد الكريم يوسف عثمان.
ويؤكد عمر أن قوات الدعم السريع باتت تحرس الإبل والبقر التي تدخل المزارع لإتلافها تحت تهديد السلاح، مشيراً إلى أن قائد الإدارة المدنية وقيادات الدعم السريع في وسط دارفور فرضوا غرامات وعقوبات على المزارعين الذين لم يحصدوا محاصيلهم خلال المهلة المحددة.
المزارعون قد يهجرون مهنتهم
وترى الناشطة المجتمعية سلمى حسن، لـ«جُبراكة نيوز»، أن دارفور تعتمد تاريخياً على نظام التعايش بين الرعاة والمزارعين، حيث تُغلق المزارع حتى نهاية الموسم ثم تُفتح للرعاة في شهر يناير. وقالت سلمى إن انهيار هذا النظام خلال الحرب أدى إلى صدامات واسعة وتدمير محاصيل قبل حصادها وفقدان الثقة المجتمعية.
وأكدت سلمى أن تقارير عديدة تُظهر استخدام السلاح والتهديد والضرب وإتلاف الممتلكات من قبل مجموعات مسلحة تتبع للرعاة. وقالت إن شكاوى المزارعين غالباً لا تجد استجابة، ما يدفعهم للصمت أو هجر الزراعة. ولفتت إلى أن تلف المحاصيل قبل الحصاد يزيد من مخاطر الجوع والمجاعة في دارفور التي تعتمد أساساً على الزراعة المطرية.
ولفتت إلى أن انهيار الموسم الزراعي يعني اعتماداً أكبر على الإغاثة الإنسانية، التي أصبحت شحيحة وضئيلة.




أحدث التعليقات