جبراكة نيوز: نيالا
في مدينة الفاشر التي مزقتها الحرب، تعيش الفتاة سجدة قصة من أشد القصص إيلاماً، قصة فقدان أعز الناس عليها في طرفة عين.
تروي سجدة، بصوت يرتجف من الألم، كيف بدأ كل شيء مع الهجوم المكثف والحصار على المدينة.
كان منزل عائلتها يقع في خط النار، فطلبت القوات المسلحة من السكان إخلاء منازلهم حفاظاً على سلامتهم. فتوجهت العائلة إلى منطقة شالا، جنوب غرب الفاشر ببضع كيلومترات، آملين في الأمان.
في يوم من الأيام – تقول سجدة لـ”جبراكة نيوز” – هاجمت قوات الدعم السريع المدينة من عدة محاور. احتمت العائلة بسور سجن شالا، لكن القوات حاصرتهم فجأة وبدأت في القبض على الأطفال والشباب بين 13 و16 عاماً.
وتضيف: “تفرقت العائلة في تلك اللحظة المرعبة، كنت مع أختي الصغرى، بينما والدتي مع أختنا الكبرى وأخينا ذو الثلاثة عشر عاماً”.
جمد الخوف أختها الصغرى، تروي سجدة وتضيف: بقيت معها وتظاهرنا بالموت بينما تمر العربات القتالية قربنا”، أما أخي فركض بلا توقف حتى وصل إلى منطقة شقرا، بينما ظلت والدتي واقفة دون انحناء، تدعو الله أن يحفظ أبناءها وأهل الفاشر من شرور الحرب”.
بعد تلك الليلة المرعبة، عادت سجدة مع من بقي من العائلة إلى حي آخر جنوب المدينة، واجتمعوا بأخيهم الذي نجا بالفرار. حمدوا الله على لم شملهم، لكن الفرحة لم تدم.
تواصل سجدة حكي قصتها لـ”جبراكة نيوز” وتقول: “في أمسية عادية، كنا مجتمعين مع أمي وأبي بعد زيارة عمي وأبنائه. كان القصف من قوات الدعم السريع مكثفاً ذلك اليوم، تجاوز المئتي قذيفة على الأحياء السكنية، وصلت إحداها إلى منزلنا، ودفعني انفجارها تحت السرير، لكنني في تلك اللحظة فقدت والدتي وأختي، ومعهم عمي وزوجته”.
لم ينجُ سوى والدها وأختها الصغرى، لكنهما كانا في حالة صدمة تامة. خرجت الأخت الصغرى إلى الشارع طلباً للمساعدة، وعادت مع الجيران الذين وجدوا خمس جثث باردة. أما سجدة، فظلت تحت الركام تصرخ حتى سمعها أحد المنقذين وأخرجوها فاقدة للوعي. نقلت إلى المستشفى السعودي، وبقيت في العناية المركزة ليلتين.
وتروي، أنها عندما استيقظت، رأت دموع والدها لا تجف، وأدركت حجم المصيبة. لم يستطع والدها إخبارها، ففعلت ذلك ابنة عمها. كانت ساقاها مليئتين بالجروح والشظايا، لكن جرح القلب كان أعمق بكثير.
بعد أيام، قررت سجدة مع أختها وأخيها مغادرة الفاشر، بينما رفض والدها الرحيل وفضل البقاء. تقول: “بدأنا رحلة معاناة طويلة، من الفاشر إلى قرني، ثم طويلة، ثم قولو في شرق جبل مرة، حيث مكثنا أكثر من شهرين في شاحنات كبيرة عبر طرق وعرة”.
قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، انقطع التواصل مع والدها. بحثوا عنه حتى علموا أنه أُسر ونُقل إلى نيالا. واصلوا الرحلة من قولو إلى نيرتتي (سبع ساعات على الأقل)، ثم إلى نيالا، حيث وجدوا أهلهم في انتظارهم. خففوا عنهم بعض الألم، لكن مصير الأب لا يزال مجهولاً.
قصة سجدة ليست إلا واحدة من آلاف القصص المؤلمة لنازحي الفاشر، الذين عانوا الظلم والخوف والفقدان على يد الحرب. إنها صرخة إنسانية تطالب بالسلام والاستقرار في السودان، قبل أن تبتلع النار المزيد من الأرواح البريئة.




أحدث التعليقات