تقرير: جُبراكة نيوز
بينما تتجه أنظار العالم نحو الصراع المتصاعد في إقليم كردفان، الذي تركّز القتال فيه بعد سقوط مدينة الفاشر في يد قوات الدعم السريع أواخر أكتوبر الماضي. ما زال إقليم دارفور يعيش فصلاً يعدّ من اصعب فترات في تاريخه الحديث.
فقد كشف تقرير صادر عن “شبكة مراقبة حقوق الإنسان – السودان” عن تفاصيل صادمة لأوضاع شهر نوفمبر 2025. حيث رسمت ملامح انهيار شامل طال الولايات الخمس، حيث حلّت المليشيات محل الدولة، وتحولت الموارد إلى وقود دائم للنزاع، وأضحى المدنيون رهائن في صراع مفتوح بلا ضوابط.
وأكدت الشبكة أن ما يجري في دارفور لا يمكن توصيفه كسلسلة حوادث معزولة، بل يمثل بنية صراع متكاملة تتداخل فيها هشاشة الدولة، التنافس على الموارد، وتآكل المؤسسات الرسمية والتقليدية معاً.
وبالمقابل، تفاقمت أزمة نزوح واسعة في إقليم كردفان المجاور، ما يزيد الضغط على الموارد الشحيحة ويدفع المنظمات الإنسانية إلى حافة العجز.
وحذرت الأمم المتحدة من أن التصعيد العسكري هناك أدى إلى نزوح أكثر من 50 ألف شخص منذ أواخر أكتوبر الماضى، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 100 ألف في حال استمرار القتال. وتعيش مدينة الأبيض، التي يقطنها نحو نصف مليون نسمة، تحت تهديد هجوم وشيك، ما ينذر بكارثة إنسانية جديدة تضاف إلى المشهد المنهك.
انهيار أمني وإنساني شامل في دارفور
يبرز التقرير صورة قاتمة لانهيار منظومتي الأمن والخدمات في دارفور خلال نوفمبر 2025، في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة وهيمنة “المليشيات والتشكيلات المسلحة” حسب نص التقرير.
وتصدرت ولاية شمال دارفور المشهد المأساوي بعد أن أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على طرق حيوية، فارضة حصاراً خانقاً على المجتمعات المحلية، ما أدى إلى عزل مدن وقرى بأكملها منذ أواخر أكتوبر.
ووثقت الشبكة نمطاً مقلقاً من العنف الجنسي الممنهج، حيث سُجلت 31 حالة اغتصاب في محيط محلية طويلة، استهدفت نساء نازحات في معسكر “دبة نايرة”. كما قُتلت أكثر من 270 امرأة أثناء محاولتهن الفرار من الفاشر باتجاه طويلة، في حين استقبلت المستشفيات الميدانية نحو 575 مصاباً بالرصاص والشظايا، غالبيتهم من النساء والأطفال.
اقتصاد حرب وانفلات منظم
في جنوب دارفور، وتحديداً مدينة نيالا، رصد التقرير تحوّل الجريمة من أعمال نهب فردية إلى اقتصاد حرب منظم، يقوم على الابتزاز المالي والسطو المسلح، إلى جانب تصاعد الصراعات بين المزارعين والرعاة. ولم يعد المواطن آمناً حتى داخل منزله، في ظل انفلات أمني منظم.
ويعكس اختطاف مدير المستشفى التركي، الدكتور رشيد محمد، استمرار استهداف الكوادر الطبية وتدهور بيئة العمل الإنساني تحت تهديد السلاح. كما سجل التقرير حوادث قتل داخل المنازل بغرض السرقة، من بينها مقتل الأستاذ التوم داوود أمام أسرته لسرقة جهاز “ستارلينك”، ما دفع كثيراً من الشباب إلى تبني وسائل حماية قاسية وغير آمنة.
وفي وسط دارفور، وتحديداً زالنجي، تحولت الطائرات المسيّرة إلى جزء من الحياة اليومية، محولة الإقليم إلى ساحة مفتوحة للسلاح. وأسفر قصف بطائرة مُسيّرة عن مقتل تسعة مدنيين في مشتل جبل مرة، كما تعرضت شاحنات إغاثة كانت في طريقها إلى الفاشر للتدمير.
عزلة وانتهاكات جسيمة
في غرب دارفور، فاقمت العزلة التامة الناتجة عن قطع شبكات الاتصالات منذ فبراير الماضي مناخ الإفلات من العقاب. ووثق التقرير جريمة اغتصاب جماعي بحق أربع فتيات قاصرات تتراوح أعمارهن بين 12 و14 عاماً في منطقة “أبو سروج”، ارتكبها مسلحون يمتطون الخيول، في ظل غياب كامل للمساءلة القانونية.
أما في شرق دارفور، بمدينة الضعين، فقد برز نمط جديد من الانتهاكات تمثل في ما وصفه التقرير بـ”الغرامات الانتقامية”، حيث استحدثت استخبارات الدعم السريع نظاماً عقابياً يفرض غرامات مالية باهظة على أسر يُشتبه في انتماء أبنائها للقوات المسلحة، مصحوبة بتهديدات بحرق قرى بأكملها.
وفي ظل هذا التصعيد، تواجه الجهود الإنسانية تحدياً وجودياً بسبب النقص الحاد في التمويل.
وكشف محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، أن أكثر من 109 آلف شخص فروا من مدينة الفاشر وحدها، إلا أن أعداداً كبيرة منهم لا تزال عالقة في القرى المجاورة بسبب العوائق الأمنية واللوجستية.
وأدى خفض التمويل الدولي إلى فقدان المنظمة نحو 83 مليون دولار، ما اضطرها إلى تقليص عملياتها بشكل كبير، وفرض “اختيارات قاسية” تتعلق بتحديد من يمكن إنقاذه ومن يُترك دون دعم.
وخلص التقرير في جانبه القانوني إلى أن الانتهاكات الموثقة، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، والتعذيب، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتصل في بعض المناطق إلى مستوى الإبادة الجماعية، نظراً لطابعها المنهجي واستهدافها المدنيين على أساس الهوية أو الجغرافيا.
ورغم هذا الواقع القاتم، يواصل المتطوعون والمنظمات المحلية عملهم وسط تضييق أمني وإداري خانق، وفرض جبايات مرهقة تشمل رسوم تسجيل مرتفعة واقتطاع نسب كبيرة من أي تمويل. ومع ذلك، تستمر غرف الطوارئ والمبادرات النسوية في توزيع “حقائب الكرامة” ومكافحة الكوليرا.




أحدث التعليقات