الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةعالمإفريقياتفاهمات جديدة تختبر الاستقرار بين السودان وجنوب السودان

تفاهمات جديدة تختبر الاستقرار بين السودان وجنوب السودان

جُبراكة نيوز: مآب الميرغني

في ظل مرحلة إقليمية تتسم بتحديات سياسية وأمنية معقدة، أعادت التفاهمات الأخيرة بين السودان وجنوب السودان، منتصف الشهر الجاري، طرح ملف العلاقات الثنائية بوصفه أحد مفاتيح الاستقرار في المنطقة. الاتفاق، الذي شمل مجالات التعاون السياسي والاقتصادي، وتكوين لجنة اقتصادية عليا، وتسهيل حركة التجارة والنفط عبر ميناء بورتسودان، أثار اهتمام المراقبين والخبراء الذين أدلوا بإفادات لـ«جُبراكة نيوز»، قدّموا خلالها قراءات تحليلية لأبعاد هذه الخطوة وتداعياتها المستقبلية.

وتبرز تساؤلات محورية حول أهمية توقيت الاتفاق الحالي، والعوامل التي قد تحدد فرص نجاحه أو تعثره، لا سيما في ظل تجارب سابقة لاتفاقيات لم يُكتب لها الاكتمال.

النفط محور العلاقات

يوضح الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي أن السودان وجنوب السودان يشتركان في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، بحكم أنهما كانا دولة واحدة قبل الانفصال، ويجمعهما تاريخ متداخل وقرب جغرافي يفرض طبيعة خاصة للعلاقات بينهما. ورغم إرث الصراع وتقلبات العلاقات الثنائية في مرحلة ما بعد الانفصال، يظل التعاون في هذه الملفات يمثل الأساس لبناء علاقات مستقرة وبنّاءة، وتحقيق تنمية مستدامة في كلا البلدين.

ويشير هيثم، في حديثه لـ«جُبراكة نيوز»، إلى أن السودان يُعد شريكًا تجاريًا رئيسيًا لجنوب السودان، حيث يستحوذ على أكثر من 50% من صادراته ونحو 90% من وارداته، محذرًا من أن أي انقطاع في حركة التجارة أو طرق العبور ستكون له آثار سلبية مباشرة على اقتصادي البلدين.

ويضيف أن اقتصاد جنوب السودان يعتمد بشكل كبير على قطاع النفط، الذي يوفر نحو 95% من إيرادات العملات الأجنبية، لافتًا إلى أن السودان يلعب دورًا محوريًا في استقرار تدفق هذه الإيرادات، إذ يمر خط أنابيب تصدير النفط عبر أراضيه إلى البحر الأحمر، وهو ما يفسر حرص حكومة جنوب السودان على الحفاظ على علاقات وثيقة ومستقرة مع السودان.

نجاح مشروط

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي وأستاذ الجامعات د. إسماعيل الناير أن الزيارة الأخيرة بين السودان وجنوب السودان تمثل حدثًا دبلوماسيًا مهمًا، عكس حرص الطرفين على تعزيز العلاقات الثنائية في توقيت بالغ الحساسية، في ظل الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، والتحديات الأمنية والاقتصادية المستمرة في جنوب السودان.

وأوضح الناير، في حديثه لـ«جُبراكة نيوز»، أن مستوى التمثيل الرفيع في الزيارة، والذي شمل مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية ووزراء الخارجية والنفط والمخابرات، ولقاءهم بقيادات الدولة في السودان، يؤكد أن المباحثات تناولت ملفات ذات أولوية قصوى، أبرزها الأمن والنفط والدعم السياسي.

وأشار إلى أن الاتفاق جاء عمليًا وغير فضفاض، إذ تضمن آلية تنفيذية عليا، وركز على التعاون النفطي وتأمين وتشغيل الحقول المشتركة مثل هجليج وبامبو، إضافة إلى تخصيص منطقة حرة في بورتسودان لتسهيل تصدير نفط جنوب السودان، باعتباره شريان الحياة لاقتصاده. كما شمل التعاون الأمني والدبلوماسي، وتبادل الدعم في المحافل الدولية، ومعالجة قضايا الجاليات والهجرة.

وأكد الجانبان الترابط الأمني بين البلدين، حيث أشار إلى حديث المسؤول الجنوب سوداني الذي أكد أن تحقيق السلام في جنوب السودان مرتبط بتحقيق السلام في السودان، في ظل اعتماد جوبا شبه الكامل على تصدير النفط عبر الأراضي والموانئ السودانية.

تقارب اقتصادي هش؟

يرى الصحفي والمحلل السياسي المهتم بشؤون شرق أفريقيا، فرانسيس مايكل قوانق، أن الزيارة تأتي في المقام الأول كمحاولة لإنقاذ اقتصاد البلدين، في ظل التدهور المتسارع الذي يواجهانه نتيجة الصراع المستمر في السودان، والسلام الهش في جنوب السودان.

ويمضي في حديثه لـ«جُبراكة نيوز» قائلًا إن جوبا تسعى من خلال هذه الزيارة إلى إرسال رسالة واضحة بأنها تقف إلى جانب مؤسسات الدولة السودانية في بورتسودان، وتُظهر نفسها في موقف الحياد، إلا أن الواقع يختلف عمّا يُعلن.

ويؤكد قوانق أن الهدف الرئيسي للزيارة هو ضمان استمرار تدفق النفط، خاصة بعد نجاح الطرفين في التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وجوبا، يهدف إلى حماية حقل هجليج النفطي الاستراتيجي. وتشير النقطة الأهم إلى أن الزيارة حملت تأكيدًا على أن سلام جنوب السودان لا ينفصل عن سلام السودان، ما يعني أن جوبا لم تعد تكتفي بدور المراقب، بل أصبحت شريكًا في محاولات استعادة الاستقرار في السودان.

أما فيما يتعلق بأهمية اللجنة الاقتصادية العليا والمنطقة الحرة في بورتسودان، فيرى قوانق أنها خطوة تصب في مصلحة حكومة بورتسودان لكسب دعم جوبا، وفي الوقت نفسه تحرص جوبا على توجيه رسالة مفادها أنه، رغم الحديث عن رغبتها في فتح مسار بديل للتجارة ونقل النفط عبر ميناء لامو، فإن البنية التحتية السودانية تظل ذات أهمية اقتصادية كبيرة.

ويُعد هذا الاتفاق مكسبًا استراتيجيًا مرحليًا، إذ يمنح جوبا منفذًا بحريًا لإدارة وارداتها وصادراتها غير النفطية، بعيدًا عن تعقيدات الجمارك والقيود التقليدية، خاصة بعد فرض الحكومة الكينية قرارات ضريبية يشكو منها تجار جنوب السودان، لما تمثله من قيود وتعقيدات على استيراد السلع.

ويشير إلى أن الربط بين استقرار جنوب السودان وسلام السودان يصب، من حيث المبدأ، في مصلحة الشعبين، إلا أن ما يبدو من الاتفاق هو أن جوبا وبورتسودان تربطان هذا الأمر بملف استمرار تدفق النفط أكثر من ارتباطه بملف السلام. ويأتي ذلك في ظل اعتماد جوبا بنسبة تصل إلى 90% على عائدات النفط، ما يعني أن توقف الإنتاج كليًا سيؤدي إلى انهيار ميزانية الدولة، وأزمة اقتصادية حادة في جوبا وبورتسودان على حد سواء.

ولفت قوانق إلى أن الخرطوم كانت قد سهلت لجوبا توقيع اتفاق سلام، إلا أنه اتفاق هش يعاني من ضعف في التنفيذ، فيما ردت جوبا ذلك باتفاق أدخل الخرطوم في أتون الحرب، دون أن تلعب جوبا دورًا كافيًا كضامن لتلك الاتفاقيات.

إقليميًا ودوليًا، يستبعد قوانق أن يكون للاتفاق تأثير كبير، نظرًا لأن الحكومتين تعانيان من عزلة إقليمية ودولية؛ إذ تُتهم بورتسودان بالرغبة في إطالة أمد الحرب، في حين فقدت جوبا ثقة المجتمع الدولي بسبب عدم الجدية في تنفيذ اتفاق السلام.

ورغم حالة التفاؤل المعلنة، إلا أن التحديات الأمنية الناتجة عن استمرار الحرب في السودان تهدد بفشل هذه الاتفاقيات، كما حدث في تجارب سابقة، لا سيما إذا تعرضت منشآت النفط أو مسارات التجارة للقصف أو التخريب. ويُضاف إلى ذلك الانهيار المستمر في قيمة العملة الوطنية، والنقص الحاد في النقد الأجنبي في البلدين، ما قد يعيق تفعيل القنوات المصرفية.

تحقيق مكاسب متبادلة

يعود الخبير الاقتصادي د. الناير للإشارة إلى ما يتعلق بالاتفاق من الناحية الاقتصادية، مؤكدًا أن الاتفاق سيحقق مكاسب اقتصادية متبادلة، حيث يوفر للسودان إيرادات عبور وخدمات وفرص استثمار، خاصة في المنطقة الحرة ببورتسودان، بينما يضمن لجنوب السودان استمرار تدفق عائدات النفط، وخفض تكاليف التصدير، وتنويع منافذ التجارة.

كما يعزز الاتفاق الاستقرار الإقليمي عبر تنسيق المواقف الدبلوماسية وتقليل الصراعات العابرة للحدود. ويؤكد أن تبادل الزيارات الرسمية يعزز الثقة بين المسؤولين، ويسهل حل الملفات الشائكة، ويساهم في تذويب التوترات التاريخية، بينما يؤدي التعاون الثنائي إلى توازن استراتيجي جديد قائم على الاعتماد المتبادل، ويعزز سلطة الحكومات مقابل الجماعات المسلحة، ويعيد رسم التحالفات الإقليمية.

غير أنه حذر، في المقابل، من تحديات أمنية وسياسية تعيق تنفيذ الاتفاق، من بينها استهداف البنية التحتية النفطية من الفاعلين المسلحين في هجليج، والتقلبات الداخلية في جنوب السودان، والتدخلات الإقليمية. وبجانب محدودية قدرات جوبا والخرطوم، فإن الاتفاق بين السودان وجنوب السودان مرشح لأن يبقى إطارًا سياسيًا هشًا لإدارة الأزمة، لا مشروعًا استراتيجيًا قادرًا على إنتاج استقرار مستدام.

حماية الإنتاج

أكد المحلل الاقتصادي والصحفي محمد سعيد حلفاوي أن الاتفاق بين السودان وجنوب السودان يهدف أساسًا إلى حماية منطقة هجليج النفطية، باعتبارها منطقة اقتصادية حيوية، وضمان عدم تأثر الإنتاج النفطي.

وأوضح، في حديثه لـ«جُبراكة نيوز»، أن الإنتاج متوقف حاليًا بسبب سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة، وأن الجيش وقوات الدفاع في جنوب السودان يشرفان على حماية مواقع محددة داخل الحقل لتأمين المنشآت وضمان عمل العمال.

وشدد حلفاوي على أن نجاح الاتفاق يعتمد بشكل أساسي على موافقة قوات الدعم السريع، التي طالما طالبت بحصص من الإيرادات النفطية منذ نهاية 2023، مؤكدًا أنه لا يمكن تنفيذ الاتفاق دون مشاركتها، وأنه ما لم يشارك الطرف الثلاثي، المتمثل في الدعم السريع والجيش وجنوب السودان، فستظل المخاطر كبيرة على المنطقة.

وأشار إلى أن النفط يمثل الشريان الرئيس لاقتصاد جنوب السودان، وأن جوبا تُعد الضامن الفعلي لاستمرار تصدير الخام عبر بورتسودان، من خلال علاقاتها الدبلوماسية الجيدة، خاصة أنها حافظت على موقف محايد خلال الحرب.

وأضاف أن جنوب السودان تأثرت بشكل كبير خلال العامين الماضيين بسبب توقف البروتوكولات الدولية، التي ظلت معطلة لما يقرب من تسعة أشهر بين عامي 2024 و2025، وأن استمرار تدفق النفط هو الوسيلة الوحيدة لتحسين الوضع الاقتصادي وتمويل الخدمات الأساسية.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات