الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةتقاريرالسودان بين دعوات السلام وصفقات السلاح

السودان بين دعوات السلام وصفقات السلاح

تقرير: جُبراكة نيوز

عيىسى دفع الله

في الوقت الذي تتجه فيه القوى الدولية المعنية بالصراع المسلح في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، الذي اندلع في 15 أبريل 2023 ويشارف على إكمال عامه الثالث، نحو خفض التصعيد والدفع باتجاه هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار يفضي إلى مفاوضات بين الطرفين، تعقد في المقابل حلفاء تلك الدول الكبرى صفقات سلاح تتدفق إلى ساحات القتال السودانية، ما يفاقم من حجم الكارثة الإنسانية.

وفيما تتصارع القوى على النفوذ والسلاح، يدفع المدنيون الثمن الأكبر من الجوع والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية في ظل أزمة وصفتها الأمم المتحدة بأنها أسوأ كارثة إنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، أي أكثر من نصف سكان السودان البالغ عددهم قرابة 50 مليون نسمة.

وتحول الصراع في السودان إلى ما يشبه “سوقًا مفتوحًا” للسلاح بين حلفاء الطرفين، كما أصبح ساحة اختبار للنماذج الجيوسياسية الجديدة، إذ تصطف القوى الإقليمية والدولية وفق مصالح متشابكة، من بينها الموارد الطبيعية التي يزخر بها السودان، إلى جانب موقعه الجيوسياسي الحيوي في منطقة القرن الأفريقي.

وفي هذا السياق، وقع الجيش السوداني صفقة عسكرية مع باكستان تقدر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، تشمل شراء طائرات مقاتلة، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي. وهو ما يسهم، بحسب مراقبين، في تأجيج الصراع وتوسيع رقعة القتال، الذي انتقل منذ سقوط مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر الماضي بيد قوات الدعم السريع، إلى إقليم كردفان غربي السودان.

إستنزاف مستمر

وقال المحلل السياسي أحمد خليل لـ”جٌبراكة نيوز” إن صفقة السلاح بين السودان وباكستان تؤدي إلى تأجيج الحرب عبر ضخ مزيد من “النيران” التي تحرق ما تبقى من السودان المثخن بالجراح. وأضاف خليل أن الطرف الذي حصل على السلاح الباكستاني، المعروف بقوته وتأثيره، كما ظهر في الصدام الأخير بين الهند وباكستان العام الماضي، يرى في نتائج تلك المواجهة التي كشفت عن فاعلية الأسلحة الباكستانية دافعًا رئيسيًا لعقد هذه الصفقة، بدعم من حلفائه، بقيمة مليار ونصف المليار دولار.

ويرى خليل أن السلاح قد وصل بالفعل، مستندًا إلى تصاعد العمليات العسكرية بشكل غير مسبوق في إقليم كردفان منذ يناير الماضي وحتى فبراير الجاري. وأكد أن الحرب لم تحسم عسكريًا، وأن المؤشرات جميعها تدل على أن السودان يقف، حتى الآن، على أعتاب العام الثالث من الحرب دون أفق حاسم.

هل تدار الحرب لإيقافها أم لإعادة إنتاجها؟

وأشار خليل إلى أن القوى الإقليمية تسعى لتحقيق مكاسب استراتيجية، إذ يدعم كل طرف الجهة التي تحقق له مصالحه، ويوفر لها الدعم اللوجستي بمختلف السبل. ورأى أن الخيار العسكري، رغم فشله في تجارب إقليمية سابقة مثل اليمن وليبيا، لا يزال خيارًا مفضلًا لتلك القوى؛ لأنه يضعف الأطراف المتحاربة عبر الاستنزاف البشري وتدمير البنية التحتية، كما يخدم مخططًا يهدف إلى منع قيام دولة سودانية قوية، بما يسهل التحكم في قراراتها وتوجيهها وفق المصالح الخارجية، والاستفادة من مواردها الاقتصادية، ولا سيما الطبيعية.

دور القوى المدنية

وأوضح خليل أن القوى المدنية نظمت مطلع العام الجاري جولات إلى عدد من الدول الأوروبية لشرح قضية السودان للفاعلين الدوليين، بقيادة التحالف الديمقراطي لقوى الثورة “صمود* برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. واعتبر أن هذه الجولات كانت مؤثرة، غير أن ضعف التأثير الأوسع للقوى المدنية يعود بحسب قوله إلى عرقلة مساندي الحرب من الطرفين لمثل هذه التحركات، عبر الوقفات الاحتجاجية والهجوم على ممثليها في عدد من الدول الغربية.

حرب بالوكالة واقتصاد صراع

من جانبه، قال المحلل السياسي والصحفي مجاهد عبد الله الفاطرابي لـ”جٌبراكة نيوز” إن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن حرب السودان لم تعد صراعًا داخليًا محضًا يمكن فهمه بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي، بل تحولت إلى نموذج صارخ لحروب الوكالة، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية مع اقتصاد الحرب، فتُحوَّل معاناة الشعوب إلى مورد مفتوح للقوى الإقليمية والدول الكبرى.

وأكد مجاهد أن معطيات الواقع تشير إلى انخراط قوى إقليمية عدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الصراع الدائر، وأن استمرار الحرب لا يمثل عبئًا عليها بقدر ما يشكل فرصة استراتيجية واقتصادية. وأضاف أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد أدوات ضغط سياسي، بل تحولت إلى تجارة مربحة، سواء عبر تدفق السلاح، أو الوصول غير المشروع إلى الموارد، أو إعادة هندسة النفوذ في مناطق ذات أهمية استراتيجية بالغة.

وأوضح أن السودان يقع في قلب هذه المعادلة بحكم موقعه الجيوسياسي الفريد، وامتلاكه موارد زراعية ونفطية ومعدنية هائلة، ما جعله تاريخيًا محل أطماع إقليمية ودولية. وأضاف أن نهضة السودان واستقراره الحقيقيين لا يخدمان مصالح كثير من القوى في الإقليم، لأن قيام دولة سودانية قوية ذات سيادة اقتصادية سيعيد تشكيل موازين القوى، وربما يكون على حساب دول تعتمد في استقرارها الاقتصادي والسياسي على اختلالات محيطها.

إعادة إنتاج الصراع

وأشار مجاهد إلى أن الخطاب الإقليمي المتكرر حول “الرغبة في وقف الحرب” يمكن قراءته بوصفه خطابًا مشروطًا، لا يستهدف إنهاء الصراع بقدر ما يسعى إلى إعادة إنتاجه في صيغة أقل كلفة سياسيًا، مع ضمان مخرجات تفضي إلى نظام حكم خاضع، أو على الأقل غير معادٍ لتلك المصالح. وأضاف أن المطلوب، في نظره، ليس سلامًا يقود إلى دولة مستقرة ونامية، بل تسوية تُبقي القرار السيادي السوداني قابلًا للتوجيه والاحتواء.

واعتبر أن الحديث عن دعم نظام سياسي مستقل يحقق رفاه الشعب السوداني غالبًا ما يندرج في إطار الاستهلاك السياسي أكثر من كونه التزامًا حقيقيًا، مشيرًا إلى أن تطلع السودانيين إلى حكم مدني ديمقراطي قائم على الإرادة الشعبية والتداول السلمي للسلطة والسيادة الكاملة على الموارد، يتعارض بنيويًا مع طبيعة أنظمة إقليمية سلطوية تخشى انتقال العدوى الديمقراطية.

وأضاف أن تحقيق إرادة الشعب السوداني يستلزم قرارًا وطنيًا مستقلًا وسيادة حقيقية على الأرض والموارد، وهو ما يهدد منظومات النفوذ التي بنتها بعض القوى الإقليمية عبر عقود من التدخل غير المباشر. لذلك بحسب قوله تسعى هذه القوى إلى هندسة المشهد السياسي في السودان، إما عبر فرض نظام عسكري صريح، أو نظام مدني شكلي تكون فيه السلطة الفعلية بيد المؤسسة العسكرية، على أن يكون هذا النظام حليفًا موثوقًا يضمن تدفق الموارد واستمرار الهيمنة.

ولم يستبعد مجاهد سيناريو عقد صفقات إقليمية تتجاوز الخلافات الظاهرة بين هذه القوى، للاتفاق على تقاسم النفوذ في السودان، وإنهاء الحرب بشروط تضمن استمرار استنزاف موارده بآليات أكثر تنظيمًا وأقل ضجيجًا، معتبرًا أن هذا السيناريو يصبح أكثر ترجيحًا كلما ظل القرار السوداني مختطفًا، وكلما غابت الإرادة الوطنية الجامعة القادرة على فرض مسار مستقل.

وأكد أن الواقع المأساوي الذي يعيشه السودان اليوم ليس فقط نتيجة صراع داخلي على السلطة، بل هو نتاج تراكمي لتشابك المصالح الإقليمية والدولية في ظل غياب دولة وطنية مكتملة السيادة، مشددًا على أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة لن يكون ممكنًا إلا باستعادة السودانيين لقرارهم الوطني، وفك ارتباط مستقبلهم السياسي بأجندات الخارج، وإعادة تعريف السلام بوصفه مدخلًا للسيادة والتنمية، لا مجرد هدنة لإعادة توزيع النفوذ.

نفي الصفقة وتشكيك في الرواية

في المقابل، يشكك بعض الأكاديميين في صحة الروايات المتداولة حول الصفقة الباكستانية حيث يقول المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، البروفيسور صلاح الدومة، لـ”جٌبراكة نيوز” إن صفقة السلاح المزعومة بين الجيش السوداني وباكستان “أكذوبة لا أساس لها من الصحة”، وتندرج ضمن عمليات التضليل التي تمارسها أطراف النزاع.

وأوضح الدومة أن الهدف من ترويج هذه الرواية هو بث الأمل في نفوس مناصري تلك الأطراف، وهم – بحسب قوله قلة تعاني من تآكل مستمر في حجم التأييد.

وأضاف أن القوى الإقليمية لا تصرّ على الحل العسكري، باستثناء دول عربية محدودة لديها مصالح مباشرة مع الجيش السوداني، وتسعى إلى ضمان دور سياسي في النظام القادم عبر نفوذ المؤسسة العسكرية، وهو ما استبعده الدومة واعتبره مجرد مساومة سياسية.

ورأى الدومة أن المبادرة التي تقدمت بها الرباعية الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة – تمثل السبيل الأمثل لإيقاف الحرب في السودان.

وأكد أن الفاعل المدني موجود وفاعل، لكنه استشهد بالمقولة: “ماذا نقول للذي في عينه رمد، وماذا نقول للذي في أذنيه صمم؟” في إشارة إلى صعوبة إيصال صوت العقل إلى أطراف لا تريد أن ترى أو تسمع.

إذن في ظل غياب قرار وطني مستقل، يتحرر من سطوة السلاح والمصالح الخارجية، سيظل السلام في السودان مؤجلًا، وستبقى الحرب قابلة لإعادة الإنتاج على حساب المدنيين، مهما تغيرت خرائط السيطرة وأسماء الفاعلين في المشهد.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات