الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةمقالاتجنوب السودان تحتفل بمرور 14 عامًا على الاستقلال

جنوب السودان تحتفل بمرور 14 عامًا على الاستقلال

نعمات الحاج 

مرّت أربعة عشر عامًا على انفصال دولة جنوب السودان عن جمهورية السودان، عقب حرب أهلية دامية استمرت نحو عقدين من الزمن. وقد أفضت اتفاقية السلام الشامل إلى منح مواطني الجنوب حق تقرير المصير، ما أسفر في عام 2011 عن إعلان استقلال جنوب السودان وتأسيس أحدث دولة في العالم.

تمر اليوم أربعة عشر عامًا على ميلاد دولة جنوب السودان، وهي لا تزال تتأرجح في محاولاتها للوقوف على أرضية صلبة. تتقاذفها الأزمات من كل صوب، وسط صراعات متعددة تغذيها القبلية، وساسة يقدّمون مصالحهم الضيقة على مصلحة الوطن.

في هذا المشهد المضطرب، يظل المواطن الجنوبي المغلوب على أمره يعيش في حالة تهميش مستمرة، لم تتغير كثيرًا منذ ما قبل الانفصال وحتى اليوم. فقد نُخرت عظام الدولة بالحروب قبل ولادتها، واستمر النزيف بعدها. أما المدارس، فقد أغلقت أبوابها لسنوات طويلة بسبب النزاعات، محرومة الأجيال من حقها في التعليم والحياة الكريمة.

دولة جنوب السودان لم تختلف كثيرًا عن الدولة الأم في الشمال، إذ ظلت تعيش متلازمة النخب وإدمان الفشل، وحكام ظلوا يقرأون من “نفس الكتاب” راجين التغيير. الحكام أنفسهم والأساليب ذاتها، وأنظمة الحكم نفسها، فقط بدلا عن دولة واحدة تعيش أزمة حكومات تبدل الحال إلى دولتين تعيشان الأزمة ذاتها.

أربعة عشر عامًا ولا يزال الجنوب يعاني من رهق الحروب والجوع، إلى رهق الحكام والانظمة، وساسة يمارسون لعبة النفوذ على حساب المواطن، وكأن الوقت يمضي بأمرهم والعالم ينتظرهم للعودة إلى الصواب.

أربعة عشر عامًا هو عمر معاناة الجنوب من تحديات كبيرة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي. الخلافات السياسية بين الرئيس سلفاكير ميارديت ورياك مشار، نائبه الأول، تعتبر واحدة من أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم الأوضاع في البلاد.. بدأت في عام 2013، بعد إقالة سلفاكير لرياك مشار من منصب النائب الأول، وتطورت هذه الخلافات حتى أدت إلى صراع مسلح وتسببت في مقتل آلاف الأشخاص، ونزوح آخرين، ودمرت البنية التحتية، وأدت إلى نزوح واسع للسكان، وانتشر الجوع والفقر بين المواطنين، وتزعزع الاستقرار السياسي والأمني، ورغم توقيع اتفاقية السلام في عام 2020، إلا أن التوترات بين الطرفين لا تزال قائمة وفي هذا العام فرض سلفاكير الإقامة الجبرية على رياك مشار.

أثرت هذه الخلافات على إدارة الدولة بصورة كبيرة، حيث عانت الحكومة من صعوبات في إدارة الموارد وتقديم الخدمات الأساسية للشعب. أما الاقتصاد في جنوب السودان فيعاني من تدهور كبير، حيث تعتمد البلاد بشكل كبير على النفط، الذي يشكل حوالي 90% من الإيرادات الحكومية. وتدهور أسعار النفط العالمية إضافة إلى الحرب الدائرة في السودان، حيث يمر نفط جنوب السودان عبر موانئ السودان، كل هذا أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، حيث تعاني الحكومة من عجز في الميزانية، كما تدهورت قيمة العملة المحلية وفقدت قيمتها أمام الدولار الأمريكي. هذا التدهور أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مما زاد من معاناة الشعب الجنوبي، وبحسب تقارير متطابقة فإن 82% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وبلغ معدل البطالة حوالي 13.5%، ويعاني حوالي 70% من السكان من انعدام الأمن الغذائي.

أما إيرادات الدولة في جنوب السودان تعتمد بشكل كبير على النفط، بالإضافة إلى بعض الإيرادات من الزراعة والرعي، حيث تغطي الزراعة حوالي 15% من إجمالي الناتج المحلي، ويعمل بها 80% من السكان ومع ذلك فإن هذه الإيرادات لا تكفي لتغطية احتياجات الدولة، مما يؤدي إلى عجز في الميزانية، كما تعاني البلاد من نقص في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

أربعة عشر عامًا هو عمر دولة جنوب السودان الجديدة، الذي من الممكن أن يكون عمر بناء وبحث عن موضع قدم بين الدول، ولكن عاشتها الدولة تتأرجح لأجا الوقوف، والمسؤولون يعيشون حالة رفاهية بعد استيلائهم على المال العام والتلاعب بالموارد الاقتصادية على حساب الشعب الجنوبي، وخلف هذا التلاعب فجوة كبيرة بين الطبقات الاجتماعية في جنوب السودان، إذ يعيش بعض المسؤولين والسياسيين حياة رفاهية في الخارج، بينما يموت الشعب جوعًا وفقرًا في الداخل. يمتلك بعض المسؤولين عقارات في كينيا وتنزانيا، في حين يفتقر الكثيرون في الداخل إلى الخدمات الأساسية.

 مواطنون ولدوا بالدولة الأم السودان وما أن حل عام 2011 وجدوا أنفسهم مجبورين على الرحيل إلى أرض اختاروها بالإرادة لتكون دولة جديدة، حياة جديدة يبحثون عنها في مهد الدولة الجديدة.

أربعة عشر عامًا من الحدود السياسية التي رسمت بين الدولتين اللتين انفصلتا حدوديًا ولكن ما يزال الرباط الوجداني باقٍ بين أبناء الشمال والجنوب ليحتفلوا اليوم معًا بميلاد أرض الأبنوس المستقلة.

أعلام ترفرف على رؤوس المواطنين بالعاصمة جوبا، وذبائح على الطرقات، والرقص طربًا على أهازيج الأغنيات التي تختلف باختلاف القبائل وآلاتهم الموسيقية التي تحكي قصة إرث تليد ممتد لقرون من الزمان، أمطار غزيرة تهطل على رؤوس المحتفلين كأنما السماء تريد مباركة هذا اليوم، أو تندد بتلك الممارسات التي ظل المواطنين يدفعون ثمنها منذ الميلاد.

هكذا مر اليوم التاسع من يوليو لعام عشرين خمسة وعشرين، تاريخ مولد جنوب السودان

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات