الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةتقاريرتقرير: رحلة الفرار من دارفور.. صرخات عطش في قلب الصحراء

تقرير: رحلة الفرار من دارفور.. صرخات عطش في قلب الصحراء

جُبراكة نيوز: مآب الميرغني

في صمت الصحراء القاتل، تجسدت واحدة من أبشع مآسي النزوح في السودان. كل يوم، يختار المئات طريق المجهول، تاركين خلفهم ويلات الحرب في دارفور، ليواجهوا خطرًا لا يقل فتكًا: العطش والموت تحت أشعة الشمس الحارقة.

القصة التي بين أيدينا ليست مجرد أرقام، بل هي صرخة 17 روحًا بريئة، قضت عطشًا في رحلة هروب يائسة، وشهادة على معاناة أسر بأكملها دفعت أغلى الأثمان بحثًا عن الأمان. إنها قصة تضعنا أمام حقيقة قاسية: أن الفرار من الموت قد يكون أحيانًا هو طريقًا إلى الموت ذاته.

محاولات للنجاة

في كارثة إنسانية مروعة، لقي 17 نازحًا، الأسبوع الماضي، مصرعهم بعد أن تقطعت بهم السبل في صحراء الولاية الشمالية، أثناء محاولتهم الهرب من المعارك الدائرة في دارفور. الناجون، وغالبيتهم من النساء والأطفال، وصلوا إلى مستشفى دنقلا العسكري وهم في حالة إنهاك وجفاف شديدين، بعدما أمضوا تسعة أيام في الصحراء بلا طعام أو ماء كافٍ.

ووفقًا لمفوض العون الإنساني بالولاية الشمالية، عبد الرحمن علي خيري، فإن القافلة كانت تضم 41 شخصًا سلكوا طريقًا صحراويًا وعرًا يمتد من مدينة الطينة في أقصى شمال دارفور حتى مدينة الدبة، في محاولة للوصول إلى بر الأمان بعد الهجوم عليهم من قبل قوات الدعم السريع.

وقال خيري في تصريح صحفي اطلعت عليه “جُبراكة نيوز”، إن قوات الدعم السريع فتحت النار على النازحين عند مغادرتهم الطينة، مما اضطرهم للتفرق في الصحراء ومواصلة الرحلة سيرًا على الأقدام، ما أدى إلى وفاة 17 منهم، بينهم أفراد من أسرة واحدة، بينما نُقل الباقون إلى مستشفى دنقلا العسكري، بينهم 10 نساء و13 طفلًا.

 

نداءات استغاثة في وجه الصمت

أعربت منظمة مشاد المعنية بحقوق الإنسان والنزوح، عن “بالغ أسفها وصدمتها” إزاء الحادثة التي راح ضحيتها 17 نازحًا أثناء محاولتهم الفرار من إقليم دارفور إلى الولاية الشمالية عبر طرق صحراوية، مؤكدة أن هذه الفاجعة “ليست استثناءً” بل تمثل جزءًا من “نمط متكرر” لرحلات النزوح القسري التي تفتقر لممرات آمنة وتفتقد للحماية.

وأوضح رئيس المنظمة أحمد عبد الله لـ”جُبراكة نيوز” أنها لم تتمكن من التدخل المباشر في عمليات الإسعاف، بسبب “الانهيار الأمني التام في مناطق العبور والقيود التي تفرضها الجماعات المسلحة”، لكنها تواصل العمل مع ناشطين محليين لتوثيق الحادثة وشهادات الناجين.

وأكد أن الوضع الإنساني للنازحين من دارفور إلى الشمالية “كارثي ويتفاقم يوميًا”، مشيرًا إلى وجود “عشرات الآلاف” من النازحين في العراء دون خدمات أساسية، وعلى رأسها المياه، والمأوى، والرعاية الصحية، والحماية من العنف الجنسي والاستغلال.

وانتقد رئيس المنظمة ضعف التنسيق الإنساني، رغم وجود تعاون محدود مع منظمات دولية مثل المفوضية السامية التابعة للأمم المتحدة ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مطالبًا بإنشاء غرفة طوارئ إنسانية مشتركة لمتابعة النزوح والاستجابة المنسقة.

وفي السياق ذاته، ذكر أحمد أن المنظمة تلقت “إفادات أولية من شهود عيان تفيد بتعرض القافلة لهجوم من قوات الدعم السريع في منطقة الطينة”، مؤكدًا أن فريق التوثيق القانوني يعمل على تحليل هذه الشهادات تمهيدًا لتقديمها للجهات الدولية المختصة.

وتابع: “نُحمّل كافة المكونات العسكرية المسؤولية، وعلى رأسها قوات الدعم السريع، المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة عن هذه المأساة. ونجدد التزامنا في المنظمة بمواصلة العمل الحقوقي والإنساني بكل الأدوات المشروعة، دفاعًا عن الحق في الحياة والكرامة والأمان لكل المدنيين في السودان”.

واختتم حديثه بدعوة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى “نشر فرق حماية، وتكثيف المساعدات، وفتح تحقيق دولي عاجل”، محملًا قوات الدعم السريع “المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة” عن المأساة، ومجددًا التزام المنظمة بالدفاع عن حقوق المدنيين.

مسارات النزوح وتحدياتها المتجددة

يروي منير تيراب، عضو الطوارئ الإنسانية بالغرفة المشتركة جنوب الصحراء، أن الطينة أصبحت محطة لوجهتين: شمال السودان، والوجهة الأخرى إلى ليبيا، وكان المواطنون يقصدون طريق المثلث. كاشفًا أن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها على هذا الطريق يُمات فيها عطشًا، والسبب معروف، وهو سقوط المثلث. بعد ذلك، بات أصحاب العربات يمشون مسافات بعيدة في الحدود الليبية ثم يعودون إلى دنقلا.

ويقول في حديثه لـ”جُبراكة نيوز”، إن العربة تعطلت في هذه الحادثة، وبعد موت النازحين، اختطفت قوات الدعم السريع ثلاث عربات أخرى تحمل شبابًا وأسرًا. مشيرًا إلى أنه تم إطلاق سراح النساء من قبل قوات الدعم السريع، إلا أن مصير المختطفين الآخرين ما زال مجهولًا.

ويضيف تيراب أنه بعد هذه الوقائع، لم يعد أصحاب العربات ولا المواطنون ولا السلطات يجرؤون على سلوك هذا الطريق.

ويتابع تيراب: “الطينة هي إحدى المحليات الواقعة في أقصى الشمال الغربي لولاية شمال دارفور. تعتبر الطينة وجهة رئيسية للنازحين الفارين من الفاشر، وذلك لأسباب أمنية، كونها منطقة تتواجد بها قوات الجيش ولم تسقط في الاشتباكات الدائرة، مما يجعلها آمنة نسبيًا حتى الآن”.

تغيّر الأوضاع بعد سقوط المثلث

وأشار منير إلى أن النازحين الفارين من الفاشر يواجهون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر مناطق متعددة قبل أن يصلوا إلى الطينة. تُعد الطينة محطة تجمع رئيسية للنازحين، ومنها يتوجهون إلى معسكرات شرق تشاد، وليبيا عبر الصحراء، أو كانوا يحاولون التوجه نحو منطقة المثلث والدبة قبل سقوط المثلث.

ويمضي منير تيراب في حديثه لـ”جُبراكة نيوز”: بعد سقوط منطقة المثلث، أصبحت الطرق مقفلة وصعبة للغاية، خاصةً وأن قوات الدعم السريع تتمركز على طول الشريط الصحراوي. أصبح الانتقال من الطينة إلى المثلث مستحيلًا. وأضاف: “بدأ النازحون يتجهون نحو الدبة داخل السودان، عبر طريق محفوف بالمخاطر والمجازفات. في الفترة الأخيرة، كثفت قوات الدعم السريع من انتشارها عبر ارتكازات ودوريات في الصحراء بين المثلث والدبة. تستوقف هذه الدوريات الركاب القادمين من الطينة والمتجهين إلى الدبة”.

لافتًا بالقول: “يتعرض النازحون الذين يتم إيقافهم للمساومة، حيث يُطلب منهم فدية مقابل إطلاق سراحهم، أو قد يتم قتلهم في بعض الحالات، لكن الغالب هو إطلاق سراحهم بعد دفع الفدية. غالبية المسافرين على هذا الطريق هم من الشباب، بالإضافة إلى بعض الأسر. ومن الأمثلة المأساوية، قصة أسرة كانت في طريقها من الطينة إلى دنقلا، وتوفيت على بعد 120 كيلومترًا فقط من وجهتها”.

مأساة الناجين وصيحات النجدة

في سياق الحادثة، قالت مسؤولة تنمية الأطفال في الولاية الشمالية، هيام عمر، إن أوضاع الناجين “صعبة للغاية”، مشيرة إلى أنهم يعانون من حالات إعياء شديد، وجفاف، وصدمة نفسية، بينهم أطفال ونساء، ويحتاجون إلى رعاية طبية وإنسانية عاجلة.

وأشارت إلى أن رحلة تيه النازحين في الصحراء امتدت إلى 9 أيام، مما تسبب في حدوث حالات جفاف وإعياء وانتهاك. وأفادت بأن من المتوفين أسرة كاملة، وفق ما أوردته صفحة مفوضية العون الإنساني بالولاية الشمالية على فيسبوك.

وتطرح هذه الحادثة المؤلمة تساؤلات ملحة حول فاعلية نظام الحماية للمدنيين، ومسؤولية الأطراف المتحاربة عن تأمين ممرات آمنة، إضافة إلى ضرورة تدخل المنظمات الإنسانية بشكل عاجل لتفادي مزيد من الوفيات في رحلات نزوح مشابهة.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات