جُبراكة نيوز: تقرير
تذخر ذاكرة دارفور بتاريخ طويل من جرائم اختطاف المدنيين منذ اندلاع الحرب في عام 2003، غير أن نطاق هذه الجرائم وشكلها اتسعا بشكل غير مسبوق منذ بداية حرب 15 أبريل 2023.
وتطورت جرائم الاختطاف حتى أصبحت مغلفة بغطاء سلطات الأمر الواقع في الإقليم، الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع منذ أكتوبر 2023، خاصة بعد السيطرة على مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم المنكوب.
شهد إقليم دارفور موجات متكررة من جرائم الاختطاف منذ اندلاع الحرب في عام 2003، لكن الظاهرة اتخذت منحى أكثر تنظيماً وعنفاً بعد حرب 15 أبريل 2023، مع اتساع سيطرة قوات الدعم السريع وقدرتها على العمل كسلطة أمر واقع، خاصة منذ أكتوبر 2023 عقب سقوط الفاشر.
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ«جُبراكة نيوز» فإن جرائم الاختطاف قبل ثورة ديسمبر كانت بالعشرات، وغالبيتها كانت تستهدف موظفين في منظمات وطنية وأجنبية وتجاراً، بدوافع أمنية؛ إما لإبعاد أفراد من الإقليم، أو لإفقار رجال أعمال ترى السلطات الأمنية استهدافهم، أو حتى بغرض الاغتيال.
ويؤكد المراقبون أن التخطيط كان يتم داخل جهاز الأمن والمخابرات واستخبارات الجيش، بينما كانت قوات الدعم السريع تنفذ، باعتبارها اليد الغادرة للدولة آنذاك.
وعقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر نهاية أكتوبر الماضي، أبلغت عشرات الأسر عن فقدان أبنائها من الشباب، وسط مطالبات بدفع فدية مالية لإطلاق سراحهم.
شهادات الضحايا وذويهم
يقول صالح مهاجر: “قبل 10 أعوام، اختطف أخي عبدالرحمن مهاجر على يد مسلحين من الجنجويد، ولم نعثر عليه حتى الآن. كان هاتفه يعمل لمدة ستة أشهر بعد اختطافه، فتابعت الأمر مع شركات الاتصالات (زين، سوداني، وأريبا)، وتبين من خلال 67 مكالمة بين المختطفين أن العملية مخطط لها”.
وأضاف أنه تعرف على بعض المتهمين من خلال أرقام هواتفهم، بينهم ضباط في الدعم السريع، وعسكري يتبع للجمارك، وضابط شرطة، وامرأة تعمل في الأراضي ولها علاقات قوية بقيادات حكومية، إضافة إلى آخرين لم يتمكن من معرفة هوياتهم رغم وضوح مشاركتهم.
ويواصل صالح: “طالبت شركات الاتصالات عبر النيابة بتمليكي معلومات عن المتهمين فرفضوا وبعد مراجعات عديدة، قال لي مدير اريبا: (عشان ما تتعب ساي… الناس العايز معلوماتهم ديل كلهم جهاز أمن). ثم أضاف: “ونحن ما بنقدر نساعدك لأنك من القبائل المصنفة ضد الدولة”.
وبعد محاولات للوصول إلى مسؤول في الأمن الجنائي، تربطه صلة قرابة معه قال له المسؤول إن هاتفه نفسه مراقب وحاول التحدث معه بلغة محلية، إلا إنه رفض وأشار له قريبه المسؤول أن شعبة أمن القبائل لديها مترجمين يتابعون كل شيء. وبعد فترة، كشف له أن هاتف شقيقه في الأبيض، فقال له: “أمش هناك تابع… وما تجيب سيرتي”.
ويقول صالح إنه تمكن من القبض على المتهم الأول والثالث والرابع، لكن جرت عملية تهريب لهم من سجن نيالا شمال بعلم السلطات. وبعد ذلك بدأ تهديده عبر الهاتف، ومن ضمن الرسائل: “دارفور دي فوق الله وتحت الجنجويد… ولو قمنا نمسح باقي أسرتك من الوجود، أحسن تنسى الموضوع”.
ويوضح أنه حاول نقل القضية إلى الخرطوم، لكنه وجد مقاومة من رئيس الدائرة القانونية، الذي تربطه صلة قرابة بالمتهم الأول، وسهل إبعاد مدير شرطة نيالا شمال الذي كان يمسك بملف القضية.
مع اندلاع الحرب الأخيرة وسيطرة الدعم السريع على مدن واسعة، تحولت عمليات الخطف إلى مصدر تمويل للميليشيات، حيث أصبحت الفدية جزءًا من اقتصاد الحرب، وأداة لتغذية العمليات العسكرية وسداد رواتب العناصر المقاتلة.
ابتزاز مستمر
في 26 يوليو 2025، اختطف عباس تاج الدين ابن خال صالح على يد مجموعة مسلحة تابعة للدعم السريع من سوق نيالا الكبير. ورغم كل الجهود الرسمية والأهلية، ما يزال مصيره مجهولًا حتى اليوم، وسط موجات من الابتزاز من جهات عديدة تأخذ المال ثم تختفي.
كما اختطف ابن عمه بخيت نورالدين من متجره في سوق نيالا يوم 07/12/2025، ويتوقع أهله أن يتلقوا مطالبات مالية مقابل إطلاق سراحه.
ويشير صالح إلى أن غالبية المختطفين ينتمون إلى القبائل الإفريقية، وأن الخاطفين من القبائل العربية المسلحة المنضوية في ميليشيات تتبع للدولة، في إطار سياسة تستهدف خلق الفتن وتصفية المكونات الإفريقية.
تشير شهادات الضحايا والنشطاء إلى أن عمليات الاختطاف باتت تستهدف بشكل منهجي أفرادًا من القبائل الإفريقية، ما يعزز الاتهامات بممارسة التطهير العرقي والاضطهاد القائم على الهوية.
كما أدى انهيار المنظومة الأمنية والإدارية في دارفور إلى غياب شبه كامل للدولة، وعدم قدرة الأجهزة الرسمية على حماية المدنيين أو ملاحقة الجناة، مما فتح الباب أمام تمدد الميليشيات وازدهار الجريمة المنظمة.
مسؤولية الدعم السريع
يحمل الضحايا ومجموعات حقوقية قوات الدعم السريع وميليشياتها المسؤولية الكاملة عن الجرائم اليومية، بما فيها الانتهاكات ضد المكونات الإفريقية المصنفة ضمن الطابور الخامس.
وتقول المصادر إن عدد المختطفين كبير، بعضهم في سجون الدعم السريع في دقريس، وآخرون لدى جماعات مجهولة المصير.
مناشدات حقوقية ودولية
بينما يطالب الأهالي ومنظمات محلية كهيئة محامي دارفور ومنظمات دولية وصحفيين وحقوقيين بمراقبة أوضاع المختطفين والضغط لإطلاق سراحهم ومحاكمة المجرمين.
ضابط إداري مختطف
طالبت أسرة المختطف عبد العزيز سليمان، الضابط الإداري بمدينة الضعين، المختطف منذ فبراير الماضي رئيس الإدارة المدنية بولاية شرق دارفور بالتدخل العاجل للإفراج عنه.
ويقول شقيقه عبدالقادر سليمان إن عبد العزيز تم استدعاؤه في فبراير 2025 من سوق المواشي الضعين على يد شخصين بزي مدني، ومنذ ذلك اليوم لم يرد عنه أي خبر سوى تهديدات بالتصفية أو المطالبة بفدية كبيرة.
وأكدت الأسرة أنها التزمت الصمت لأشهر حفاظًا على النسيج الاجتماعي، لكنها لم تجد استجابة حتى الآن.
حادثة مقتل مواطن
ذكرت شبكة دارفور لحقوق الإنسان أن الشاب الفاضل عمر صالح (النول)، 25 عامًا، قتل بعد اختطافه أثناء عودته من لبدو إلى بليل بجنوب دارفور على يد مجموعة ترتدي زي الدعم السريع. وتكررت حوادث القتل خارج نطاق القانون والنهب المسلح يوميًا في جنوب دارفور، خصوصًا في موسم الزراعة.
ارتفاع الفدية إلى أرقام خيالية
قال الناشط الدارفوري المقيم في النرويج عبد الرحمن دقيس إن قوات الدعم السريع تمارس ابتزازًا ممنهجًا عبر تسجيلات مرئية وصوتية.
وكانت الفدية سابقًا تتراوح بين 2 إلى 5 ملايين جنيه، ثم ارتفعت إلى 50 مليونًا، لكنها الآن تبدأ من 100 مليون جنيه، وتزداد إذا اكتشفت الميليشيات أن للمحتجز أقارب في أوروبا أو أمريكا.
وقال: “أصبحنا لا نخاف على المحتجزين في سجون نيالا الرسمية بقدر خوفنا من المحتجزين في وديان دارفور الكبيرة”.
ووجه دقيس رسالة إلى بنك السودان وإدارة تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم بضرورة تتبع الحسابات البنكية التي تستخدم في تحويل الفدية، قائلاً إن ذلك ممكن فنيًا، حتى لو تحولت الأموال بين حسابات مختلفة.
جرائم حرب
اعتبر المحامي عبد الباسط الحاج أن عمليات الاختطاف تعد جريمة وفق القانون السوداني والقانون الدولي، خاصة إذا نفذتها جماعات مسلحة كالدعم السريع.
وأوضح الحاج في حديثه لـ«جُبراكة نيوز» أن طلب الفدية يعد جريمة ابتزاز، وممارستها خلال النزاع تصنف كجريمة حرب ضد المدنيين، وقد ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية إذا كانت ممنهجة وعلى نطاق واسع.
وأضاف أن توثيق الجرائم بشكل صحيح يتيح إمكانية محاسبة الجناة في المستقبل.
تطهير عرقي مستمر
وقال المحلل السياسي علي منصور حسب الله في حديثه لـ«جُبراكة نيوز» إن الفوضى الأمنية في دارفور جعلت عمليات الخطف ظاهرة يومية، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، مؤكدًا أن أغلب الضحايا من إثنيات إفريقية تستهدف ضمن منهجية تطهير عرقي غير معلنة.
وأضاف أن الفدية تستخدم لتمويل المجهود الحربي ورواتب المقاتلين.
وشدد منصور على أن الجرائم لم تعد مجرد حوادث منفصلة، بل أصبحت ممارسات ممنهجة تستغل غياب الدولة، بينما تعجز الأجهزة الأمنية عن التدخل، في ظل انهيار أمني كامل.
وقال إن أهالي الضحايا يطالبون المجتمع الدولي بالتدخل العاجل، وعلى السلطات السودانية اتخاذ إجراءات فعالة لاستعادة الأمن وفرض سيادة القانون قبل أن تتحول دارفور إلى مسرح مفتوح للجريمة المنظمة.
بينما تؤكد منظمات حقوقية وناشطون أن الوضع يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لضمان حماية المدنيين، ورصد الجرائم التي قد ترقى لجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، خاصة مع ازدياد عدد المختطفين وممارسة الابتزاز المالي عبر التسجيلات الصوتية والمرئية.




أحدث التعليقات