الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةاخبار السوداناللاجئون السودانيون في ليبيا.. بين حملات التحريض ومزاعم التوطين

اللاجئون السودانيون في ليبيا.. بين حملات التحريض ومزاعم التوطين

تقرير: جُبراكة نيوز – عيسى دفع الله

اختفى من شوارع المدن الليبية، يوم الخميس 4 يونيو 2026، العمال من اللاجئين السودانيين ومن جنسيات أخرى الذين اعتادوا العمل في ساحات العمال العامة بمختلف المدن الليبية، وذلك بعد دعوات للتظاهر أمام مقر مفوضية شؤون اللاجئين بمنطقة السراج غربي العاصمة طرابلس، بالتزامن مع حملات اعتقال وإيداع في السجون نفذها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في عدد من المدن الليبية.

وجاءت هذه التطورات بعد ثلاثة أسابيع من دعوات تطالب بترحيل اللاجئين ومنع توطينهم في ليبيا، وفق مزاعم روج لها ناشطون وناشطات تحت اسم “حراك نشطاء طرابلس ضد التوطين”.

وخلال الأسابيع الماضية، نظم ناشطون في ميدان الشهداء وسط العاصمة طرابلس مظاهرات مناهضة للمهاجرين واللاجئين الأفارقة الذين يتخذون من ليبيا معبراً للوصول إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. ودعا المشاركون إلى ترحيل المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية ورفض أي مشاريع لتوطينهم داخل ليبيا.

توطين أم إعادة توطين؟

لكن هل توجد بالفعل خطة لتوطين اللاجئين في ليبيا، أم أن الأمر يتعلق ببرامج إعادة توطين تنقل اللاجئين من ليبيا إلى دول أخرى؟

اللاجئ هو شخص فرّ من الحرب أو الاضطهاد ويحتاج إلى حماية دولية، أما المهاجر فهو شخص انتقل من بلده لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها.

اتهامات بتسييس الحراك

قال أحمد حمزة، مدير المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، إن الذين خرجوا في مظاهرات بدعوى رفض التوطين “هم أشخاص خارجون عن القانون، ومثيرون للفوضى والشغب”.

وأكد أن “الهدف من هذه التحركات سياسي، وأن القضية جرى تسييسها، كما أن الغايات المشبوهة وراء هذا الحراك أصبحت واضحة”.

وأضاف: “يجب البحث في الجهات التي قادت هذا الحراك، ومن يقف وراء تمويله وتمويل الشعارات المطبوعة التي رُفعت خلاله، ومن قدم له الدعم الإعلامي، ومن تكفل بتوفير الحافلات التي نقلت المشاركين، إضافة إلى السترات الصفراء والقبعات التي ارتدوها”.

وقال أحمد: “نحمل وزارة الداخلية المسؤولية القانونية الكاملة عن عدم توفير الحماية اللازمة لمقرات البعثات الدبلوماسية، وعلى وجه الخصوص مقر بعثة الأمم المتحدة”.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، فر عشرات الآلاف من السودانيين إلى ليبيا، خاصة إلى مدن الكفرة وسبها وطرابلس، بحثاً عن الأمان أو باعتبارها محطة عبور نحو دول أخرى.

غير أن لاجئين سودانيين وتشاديين تحدثوا إلى “جبراكة نيوز” نفوا وجود أي رغبة لديهم في الاستيطان الدائم داخل ليبيا، مؤكدين أن معظمهم ينظر إلى وجوده في البلاد باعتباره مرحلة مؤقتة فرضتها ظروف الحرب أو البحث عن فرص عمل أو انتظار فرصة للانتقال إلى دولة أكثر أمناً.

وقال مهاجر سوداني (م.ص)، يبلغ من العمر 33 عاماً، وعاش في العاصمة طرابلس خمسة أعوام قبل مغادرته مؤخراً إلى المغرب، إن الحديث عن رغبة المهاجرين في الاستيطان داخل ليبيا “بعيد عن الواقع”، مشيراً إلى أن غالبية المهاجرين يعتبرون ليبيا محطة عبور أو مكاناً للعمل المؤقت.

وأضاف أن الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة تجعل فكرة الاستيطان غير جاذبة للمهاجرين، لافتاً إلى انتشار حالات الابتزاز والخطف والاستغلال في سوق العمل، فضلاً عن التمييز العنصري وصعوبة الوصول إلى بعض الخدمات الأساسية.

وأكد أن كثيراً من المهاجرين يواجهون أوضاعاً معقدة تحول دون تمكنهم من العودة إلى بلدانهم أو مواصلة رحلتهم نحو وجهات أخرى، ما يفسر بقاء بعضهم لسنوات داخل ليبيا، وهو ما قد يخلق انطباعاً خاطئاً لدى البعض بأنهم يسعون إلى الاستقرار الدائم.

تصاعد خطاب الكراهية والتحريض

ولم تقتصر التحذيرات من تصاعد الخطاب التحريضي على الأمم المتحدة، إذ أعربت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا عن “قلق بالغ” إزاء ما وصفته بحملات التحريض على العنف والكراهية ضد المقيمين الأجانب والمهاجرين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وقالت المؤسسة إن بعض المدونين والشخصيات العامة والصفحات الإلكترونية تنشر معلومات “مغلوطة ومضللة وزائفة” بشأن المهاجرين والوافدين، محذرة من أن هذه الحملات قد تعرض حياتهم وأمنهم وسلامتهم للخطر. كما دعت المجتمع الليبي إلى عدم الانجرار وراء الخطابات المحرضة على الكراهية والعنف، وطالبت السلطات المختصة بملاحقة المتورطين في نشر المعلومات الكاذبة والتحريض على العنف والعنصرية وفقاً للقوانين الليبية النافذة.

وأشارت المؤسسة إلى أنها تعتزم اتخاذ إجراءات قانونية بحق أشخاص قالت إنهم متورطون في نشر معلومات مضللة وتأجيج الرأي العام في ملف الهجرة، محذرة من أن استمرار التحريض قد يقود إلى أعمال عنف ويهدد الأمن والاستقرار داخل البلاد.

حملات إلكترونية

وفي المقابل، قال ناشط ليبي فضل عدم الكشف عن هويته لـ”جُبراكة نيوز” إنه رصد خلال الأشهر الماضية عشرات الحسابات والمنصات الإلكترونية التي تروج لمحتوى معاد للمهاجرين، معتبراً أن جزءاً من هذا المحتوى يعتمد على التعميم وإعادة تدوير مقاطع فيديو قديمة أو منشورة في دول أخرى وإعادة تقديمها على أنها أحداث جارية داخل ليبيا.

وأوضح أن بعض المنشورات تركز على ربط المهاجرين بالجريمة أو الأمراض أو تدهور الأوضاع الاقتصادية، بما يسهم في خلق صورة نمطية سلبية تجاه جميع المهاجرين، رغم أن أي تجاوزات فردية لا يمكن تعميمها على ملايين الأشخاص من جنسيات مختلفة.

وأضاف أن بعض الصفحات تنشر صوراً ومقاطع مصورة لمهاجرين وعاملات أجنبيات دون موافقتهم، أو تصور تجمعاتهم في الأماكن العامة وتقدمها باعتبارها دليلاً على أنهم يشكلون تهديداً للمجتمع الليبي، وهو ما يراه شكلاً من أشكال التحريض وإثارة المخاوف المجتمعية.

ورغم ذلك، شدد الناشط على أن الفرضيات المتعلقة بالجهات التي تقف وراء هذه الحملات، سواء كانت أطرافاً سياسية داخلية أو جهات خارجية، تبقى تحليلات تحتاج إلى أدلة إضافية لإثباتها.

تحذيرات من المعلومات المضللة

وفي مؤشر على تصاعد المخاوف من انتشار الخطاب التحريضي، أعربت الأمم المتحدة في ليبيا مؤخراً عن قلقها إزاء ما وصفته بعودة انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة والخطاب التحريضي الذي يستهدف أفراداً أو فئات محددة.

وحذرت البعثة الأممية من مخاطر تأجيج التوتر وانعدام الثقة والتمييز والعنف، وما قد يترتب على ذلك من تأثير على كرامة الأفراد وأمنهم وحياتهم اليومية. كما شددت على أن جميع الأطراف تتحمل مسؤولية مشتركة في الامتناع عن الخطاب الذي قد يحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف، داعية السلطات الليبية إلى التصدي للتحريض ونشر المعلومات الكاذبة الضارة بما يتوافق مع القانون الليبي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ماذا أظهر التحقق؟

وخلال عملية التحقق، لم تعثر “جبراكة نيوز” على أدلة موثوقة تثبت وجود برنامج رسمي أو دولي يهدف إلى توطين اللاجئين أو المهاجرين داخل ليبيا بصورة دائمة. كما لم تقدم الجهات أو المنصات التي تروج لهذه المزاعم وثائق أو قرارات رسمية تدعم ادعاءاتها.

وفي خضم تصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين واللاجئين، حذرت جهات حقوقية ونقابية سودانية من تداعيات هذه الحملات على أوضاع السودانيين المقيمين في ليبيا.

وأعربت نقابة الصحفيين السودانيين عن قلقها البالغ إزاء الأوضاع الأمنية والإنسانية التي يواجهها الصحفيون السودانيون المقيمون والعالقون في ليبيا، مؤكدة تلقيها خلال الأيام الماضية مناشدات وشهادات مباشرة من عدد من الصحفيين كشفت عن تعرضهم لمضايقات متزايدة وممارسات تمييزية وتهديدات تمس أمنهم الشخصي وسلامة أسرهم.

وقالت النقابة إن هذه الإفادات تعكس تنامي حالة الخوف وانعدام الاستقرار وسط الصحفيين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين تداعيات الحرب المستمرة في السودان والتحديات المتزايدة التي تواجه الأجانب في ليبيا. كما كشفت عن تلقيها شهادة من أحد الصحفيين السودانيين أفاد فيها بتعرضه وأفراد أسرته لمعاملة مهينة وتهديدات مباشرة أجبرته على مغادرة منطقة سكنه بصورة عاجلة خوفاً على سلامة أطفاله وأسرته.

ودعت النقابة المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة وحماية الصحفيين وحقوق الإنسان إلى إجراء تقييم مستقل وشامل لأوضاع الصحفيين السودانيين في ليبيا، وتوفير آليات حماية عاجلة لهم ولأسرهم، إضافة إلى تقديم الدعم القانوني والإنساني والنفسي للمتضررين والنظر في خيارات الإجلاء الإنساني أو إعادة التوطين للحالات الأكثر عرضة للمخاطر.

اعتقال لاجئين ومهاجرين

وفي السياق ذاته، قالت منظمة مناصرة ضحايا دارفور إنها تلقت شكاوى ومناشدات من لاجئين ومهاجرين سودانيين وأسرهم بشأن حملة اعتقالات نفذتها الأجهزة الأمنية الليبية في العاصمة طرابلس ومدن أخرى منذ الأول من يونيو 2026، وما تزال مستمرة بحسب المعلومات التي وردت إليها.

وأوضحت المنظمة أن الاعتقالات طالت عشرات الأشخاص من السودانيين وجنسيات أخرى، وأن عدداً منهم محتجزون في مراكز احتجاز مختلفة، من بينهم نساء وأطفال. وأضافت أن أسر المحتجزين أعربت عن مخاوفها بشأن أوضاع ذويها وظروف احتجازهم، في ظل محدودية المعلومات المتاحة حول أماكن وجود بعضهم.

وأشارت المنظمة إلى أنها تواصل رصد وتوثيق الحالات والتحقق من المعلومات الواردة إليها، داعية السلطات الليبية إلى ضمان احترام حقوق المحتجزين وفقاً للقوانين الوطنية والمعايير الدولية، وتمكينهم من التواصل مع أسرهم والحصول على المساعدة القانونية والإنسانية اللازمة.

كما ناشدت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين والمهاجرين التدخل لمتابعة أوضاع المحتجزين والعمل على إيجاد حلول تراعي الجوانب الإنسانية والقانونية، خاصة فيما يتعلق بالنساء والأطفال والفئات الأكثر هشاشة.

وتزداد مخاوف الحقوقية والنقابية جانباً من المخاوف المتزايدة وسط السودانيين المقيمين في ليبيا، في وقت تتصاعد فيه حملات التحريض ضد المهاجرين واللاجئين وتتزايد المخاوف من انعكاساتها على أمنهم وسلامتهم وحقوقهم الأساسية.

أين يكمن الخلط؟

ويبدو أن جزءاً من الجدل الدائر يعود إلى الخلط بين مفهوم “التوطين” داخل ليبيا ومفهوم “إعادة التوطين” الذي تشرف عليه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والذي يقوم على نقل لاجئين معترف بهم من دول العبور إلى دول ثالثة توافق على استقبالهم.

وكانت المفوضية قد نقلت خلال الفترة الماضية مجموعات من اللاجئين، بينهم سودانيون، إلى دول إعادة توطين خارج ليبيا في إطار برامج إنسانية معتمدة دولياً.

ملف الهجرة كورقة سياسية

ويرى محللون أن ملف الهجرة واللجوء تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ورقة سياسية داخل ليبيا، حيث يُوظف في النقاشات المتعلقة بالأمن والاقتصاد والسيادة الوطنية، في ظل الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد منذ عام 2011.

وفي حين تستمر المخاوف الليبية المشروعة المرتبطة بإدارة ملف الهجرة غير النظامية والأمن والموارد العامة، يرى حقوقيون أن تعميم الاتهامات على جميع المهاجرين واللاجئين أو تحميلهم مسؤولية الأزمات التي تعانيها البلاد يساهم في تغذية خطاب الكراهية ويزيد من مخاطر التمييز والعنف ضد فئات ضعيفة تبحث في الأساس عن الأمان أو فرص العيش.

تصاعد خطاب الكراهية

أعربت منظمة رصد الجرائم في ليبيا (رصد) عن قلقها البالغ إزاء ما وصفته بالتصاعد الخطير للانتهاكات الجسيمة وخطاب الكراهية والتحريض على العنف ضد المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء والعمالة الوافدة في ليبيا منذ مطلع يونيو 2026.

وقالت المنظمة، في بيان الخميس 4 يونيو 2026، اطلعت عليه “جبراكة نيوز” إنها وثقت حملات اعتقال جماعية واسعة النطاق استهدفت مهاجرين وعمالاً وافدين في مدن شرق وغرب ليبيا، بينها طرابلس وبنغازي وإجدابيا والبيضاء، مشيرة إلى أن من بين المستهدفين نساءً وأطفالاً. كما رصدت عمليات مداهمة لمساكن يقيم فيها مهاجرون وطردهم منها، إضافة إلى تعرض عدد منهم لاعتداءات جسدية ولفظية.

وأضافت المنظمة أن حملات الاعتقال تنفذها أجهزة أمنية وجماعات مسلحة تابعة للسلطات في شرق وغرب البلاد، من بينها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، وأجهزة أمنية أخرى تابعة للحكومتين المتنافستين، إلى جانب مديريات الأمن في عدد من المناطق.

وأشارت “رصد” إلى أنها تابعت أيضاً مشاركة أفراد مدنيين في بعض عمليات المداهمة والاعتداء، بالتوازي مع تصاعد حملات التحريض وخطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام المحلية، معتبرة أن هذه الحملات أسهمت في تأجيج العداء ضد المهاجرين وشجعت على استهدافهم.

ونقلت المنظمة شهادة مهاجرة سودانية أفادت بتعرضها وأسرتها للاعتداء على أيدي مسلحين ملثمين اقتحموا منزلهم، ووجهوا إليهم إهانات عنصرية قبل طردهم من المسكن والاستيلاء على ممتلكاتهم، ما أدى إلى تشريدهم دون مأوى أو حماية.

وحذرت المنظمة من أن استمرار هذه الممارسات من شأنه أن يفاقم العنف والتمييز ضد المهاجرين، ويخلق بيئة مواتية لمزيد من الانتهاكات، بما في ذلك الترحيل القسري والإعادة القسرية للأشخاص المعرضين للخطر، في مخالفة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وطالبت “رصد” السلطات الليبية في شرق وغرب البلاد بالوقف الفوري للانتهاكات المرتكبة بحق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وضمان حمايتهم من الاعتداءات والطرد القسري وخطاب الكراهية. كما دعت مكتب النائب العام إلى فتح تحقيقات مستقلة وفعالة في الانتهاكات الموثقة ومحاسبة المسؤولين عنها، واتخاذ إجراءات تكفل عدم احتجاز المهاجرين تعسفياً بسبب أوضاعهم القانونية المتعلقة بالهجرة أو اللجوء.

كما ناشدت المنظمة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمنظمة الدولية للهجرة، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين التدخل العاجل واتخاذ التدابير اللازمة لحماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء المعرضين للخطر داخل ليبيا.

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات