جبراكة نيوز
قصة ترويها: امتثال عبدالفضيل
لم تترك له الحرب خيارًا سوى أن يترجل عن سفينة حلمه المستقبلي، فلفظته الظروف القاسية لسوق العمل والمكابدة من أجل الرزق الحلال لأجل أسرته، فرضخ الفتى لمصيره في إحدى مدن السودان، وتحديدًا في الخرطوم، حيث يعيش الطفل يعقوب، البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا.
بين ليلة وضحى تبدد طموحه بعد أن كان محبًا للدراسة، ويحلم أن يصبح مهندسًا ليساعد أسرته المكوّنة من والديه وشقيقتيه، فهو الابن الأكبر بينهم.
كان في كل صباح يحمل حقيبته القديمة متجهًا إلى المدرسة، ممتلئًا بالأمل في مستقبلٍ مشرق، يسعى لتحقيق غايته، لكن ذلك الحلم أصبح عصي على التحقق، فقد أُصيب والده بمرض القلب الذي أقعده عن العمل، واضطرت والدته للخروج بحثًا عن لقمة العيش.
ومع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية جراء الحرب وغلاء الدواء وتزايد الأعباء، لم يعد دخل الأسرة كافيًا، بدأ يعقوب يلاحظ الإرهاق على وجه أمه، و الديون أثقلت كاهلهم.
وخلال فترة الحرب قبل أربعة سنين، حال الفتى كحال بقية أقرانه الذين فروا من جحيم الحرب، من الخرطوم إلى الولايات، وخلال تلك الفترة لم يحصل يعقوب على الدارسة، ثم ترك المدرسة.
لم يكن القرار خيارًا، بل ضرورة فرضتها ظروف الأسرة والحرب بعد عودتهم للخرطوم، إذ لم تكن الأوضاع الاقتصادية مستقرة حيث خرج الطالب إلى السوق بحثًا عن عمل.
في البداية، كان يحمل البضائع ويساعد التجار مقابل أجر بسيط، ورغم قلته، كان يشعر بالرضا لأنه يساهم في إعالة أسرته، ومع مرور الوقت، استطاع أن يجمع مبلغًا بسيطًا، واشترى صندوقًا صغيرًا، وبدأ يتجول به داخل السوق المركزي جنوبي العاصمة الخرطوم.
يخرج كل يوم في تمام السادسة صباحًا، ويعود عند الخامسة مساءً، ما عدا يوم الجمعة، حيث يعود قبل أذان الظهر ليقضي بعض الوقت مع أسرته، ويتراوح دخله اليومي بين ثلاثين إلى أربعين ألف جنيهًا، وهو مبلغ بالكاد يكفي في ظل الغلاء الطاحن، لكنه لم يتغيب يومًا عن العمل.
وفي أحد الأيام، مرّت مجموعة من الأطفال بزيهم المدرسي، يضحكون ويحملون حقائبهم، كأنهم يعبرون عن عالمٍ آخر لا يشبه عالمه، توقف يعقوب للحظة، رفع رأسه، تابعهم بعينيه، ثم عاد لحمل صندوقه دون أن يقول شيئًا، لم يخجل من عمله، لكنه كان يدرك بصمت ما فقده.
وبينما كان يعمل، لمح وجهًا مألوفًا… كان معلمه القديم أستاذ (أ. س. ي) يقف أمام أحد المحال، تردد يعقوب في الاقتراب، لكن المعلم سبقه قائلًا: “يعقوب، أين اختفيت كل هذه المدة؟” سكت يعقوب قليلًا، شدّ أطراف قميصه بيده، ثم قال بهدوء: “أصبحت أعمل هنا.” لم يكن في صوته شكوى، بل واقعٌ يرويه كما هو نظر إليه المعلم وقال: “مكانك ليس هنا.
لم يُجب يعقوب، واكتفى بنظرة سريعة، ثم حمل صندوقه ومضى. ويقول أحد المعلمين إن ما حدث مع يعقوب يتكرر كثيرًا، حيث يضطر عدد من التلاميذ لترك الدراسة بسبب ظروف أسرهم، خاصة عند غياب مصدر الدخل الأساسي.
يعقوب ليس حالة استثنائية، بل هناك آلاف الأطفال مثله، أجبرتهم ظروف الفقر إلى ترك مقاعد الدراسة والدخول إلى سوق العمل مبكرًا، حيث تتحول الطفولة إلى مسؤولية، ويصبح الحلم مؤجلًا إلى وقت غير معلوم. وتشير إفادات معلمين وأولياء أمور إلى تزايد حالات ترك الأطفال للمدارس في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتنطلق هذه القصة من فرضية مفادها أن مرض المعيل وغياب شبكات الحماية الاجتماعية يدفعان الأطفال في الأسر الفقيرة بالخرطوم إلى ترك التعليم والانخراط في العمل المبكر. ما يعيشه يعقوب لا يقتصر على معاناة فردية، بل يعكس واقعًا أوسع يواجهه كثير من الأطفال الذين وجدوا أنفسهم خارج أسوار المدارس، وداخل سوق العمل في سن مبكرة.
في المساء، حين يعود يعقوب إلى المنزل، لا يكون الحديث مع أسرته طويلًا، التعب يسبق الكلمات، والصمت يملأ المكان، تجلس والدته قربه، تنظر إلى يديه المتعبتين، وتقول بصوت منخفض: “نحن لا نريد لك هذا الطريق يا يعقوب… لكن ماذا نفعل؟” تحاول إخفاء قلقها، لكنها لا تنجح، فهي تعرف أن مكانه الحقيقي في المدرسة، لكنها تدرك أيضًا أن الواقع لا يمنحهم خيارات كثيرة.
أما والده، فيقف أحيانًا عند الباب، يراقبه بصمت، ثم يقول: “الله يجبر بخاطرك… تحمّلت أكثر من عمرك.”
ليست كلمات قاسية، لكنها ليست مطمئنة أيضًا، بين الرغبة في حمايته، والحاجة لما يقدمه، يقف الوالدان في منطقة صعبة، يسمع يعقوب ذلك كله، ولا يعلّق، فهو يعرف مثلهم أن الحكاية أكبر من مجرد قرار.
لم يكن يعقوب يخاف الفقر، فقد أصبح جزءًا من يومه: تعب الصباح، ثقل الصناديق، وقلة المال في المساء، لكن ما كان يخشاه حقًا هو المستقبل.
قال مرة بصوت خافت: “أخاف أن أكبر… وأبقى هنا.”، لم يكن يخاف يومه بقدر ما يخاف غده، أن تمر السنوات سريعًا، ويجد نفسه في نفس المكان، دون طريق آخر. ورغم ذلك، كان يدفع هذا الخوف بعيدًا، لأن القلق لا يطعم أسرته، ولا يخفف عبء يومه.
لم يكن تركه للمدرسة قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات صامتة داخل البيت، ومع تزايد الأعباء، لم يعد التعليم أولوية ممكنة، بل ترفًا يصعب تحمّله. شيئًا فشيئًا، تحوّل يعقوب من تلميذ يحمل حقيبته إلى طفل يحمل صناديق، لم يفقد فقط دروسه، بل فقد جزءًا من طفولته.
أن يكبر طفل مثل يعقوب بعيدًا عن المدرسة، لا يعني فقط حرمانه من التعليم، بل يعني أنه يكبر أسرع مما ينبغي، ويتحمّل مسؤوليات تفوق عمره، بين العمل وإعالة أسرته، يجد نفسه أمام معادلة قاسيةِِ:
إما أن يساعد أسرته اليوم.. أو يحافظ على مستقبله غدًا، وفي كثير من الأحيان، لا يكون أمامه خيار حقيقي.
ومع استمرار هذه الظروف، يبقى مستقبل هؤلاء الأطفال معلقًا بين الحاجة الآنية للعمل، وحقهم الأساسي في التعليم.
مع غروب الشمس، بدأ السوق يهدأ، تفرّق الباعة، وخفّت الأصوات، وبقي يعقوب يجمع ما تبقى من يومه الطويل، وعلى الطرف الآخر من الطريق، كانت بوابة المدرسة ما تزال مفتوحة.
نظر إليها طويلًا… كأنها تناديه، أو تذكّره بشيء لم يغادره. لم يقترب… ولم يبتعد، ظلّ واقفًا بين عالمين:
عالم يعيشه… وآخر يشعر أنه ينتمي إليه.
شدّ على ما في يده، ثم أكمل طريقه، لم يُحسم شيء بعد، لا مستقبله، ولا خياره، ولا حكايته.
توضح الطبيبة النفسية مروة محمد إبراهيم أن لعمالة الأطفال تأثيرات عميقة ومتعددة الجوانب، تمتد إلى النواحي الجسدية والنفسية والاجتماعية والتعليمية. فعلى المستوى الجسدي، لا يمتلك الأطفال القدر الكافي من الطاقة أو البنية الجسدية التي تمكّنهم من تحمّل مشاق العمل، مما يجعلهم أكثر عرضة للإجهاد والأمراض نتيجة بذل مجهود يفوق طاقتهم.
أما من الناحية النفسية، فالطفل يمر بمراحل نمو وتطور يحتاج خلالها إلى تنمية مهاراته الجسدية والعقلية والاجتماعية، لكن العمل المبكر يحرمه من هذه الفرص، لتتحول حياته إلى دائرة مغلقة من العمل المستمر من الصباح حتى المساء.
هذا الحرمان يؤدي إلى فقدان متعة الطفولة ويؤثر سلبًا على نموه الطبيعي وتوازنه النفسي.
اجتماعيًا، يعاني الطفل العامل من تدهور في علاقاته الاجتماعية، إذ يُحرم من التفاعل الطبيعي مع أقرانه، مما يعمّق شعوره بالعزلة ويؤثر على تكوينه الاجتماعي. وفيما يتعلق بالتعليم، غالبًا ما يُجبر الطفل على تحمّل مسؤوليات تفوق عمره، كما هو الحال مع يعقوب، مما يدفعه إلى ترك الدراسة أو محاولة التوفيق بين العمل والتعليم، وهو أمر بالغ الصعوبة وقد يشبه “الإنهاك البطيء”، حيث لا يستطيع تحقيق التوازن بين الاثنين. وحتى إن كانت لديه رغبة في العودة إلى الدراسة، فإن التأثير النفسي يكون شديدًا، خاصة عندما يرى أقرانه يواصلون تعليمهم ويحققون إنجازاتهم.
هذا الوضع يخلق صراعًا داخليًا متزايدًا، خصوصًا مع إدراكه أن فرص العمل المستقبلية غالبًا ما ترتبط بالمؤهلات التعليمية، مما يجعله يشعر بفقدان القدرة على المنافسة.
كما تتعقد مشاعره بسبب الضغوط الاقتصادية، خاصة في حالات مثل مرض أحد الوالدين، حيث يتحمل الطفل عبء إعالة الأسرة، رغم أن العائد المادي من عمله غالبًا لا يغطي الاحتياجات الأساسية. فنجد المحصلة، أن الطفل يعيش صراعًا قاسيًا بين واقع مفروض عليه وطموحات لم تتح له فرصة تحقيقها، ليجد نفسه قد خسر جزءًا كبيرًا من طفولته دون أن يعوّض ذلك بمستقبل آمن.
قال رئيس لجنة المعلمين السودانين ، سامي الباقر، إن ظاهرة تسرب الطلاب من التعليم كانت موجودة سابقًا، لكنها تفاقمت بشكل ملحوظ بعد الحرب، خاصة في مناطق اللجوء. وأوضح أن أعدادًا كبيرة من التلاميذ والطلاب اضطروا إلى ترك الدراسة لمساعدة أسرهم، مما أثر بصورة مباشرة على ارتفاع معدلات التسرب.
وأشار إلى أن السودان يسجل حاليًا أعلى نسب عدم الالتحاق بالتعليم في العالم، حيث يبلغ عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس نحو أكثر من ستة ملايين طفل، ويُقصد بعدم الالتحاق ضعف الاستيعاب عند دخول الصف الأول، وهو ما يشير إلى وجود قصور واضح في النظام التعليمي منذ البداية، وقد كان هذا القصور يُقدّر أيضًا بنحو ستة ملايين طفل في عام 2022.
وأضاف أن مشكلة التسرب لا تقل خطورة، إذ يصل عدد المتسربين إلى نحو أكثر من سبعة ملايين طفل، بينما تشير التقديرات إلى أن حوالي 12 مليون طفل التحقوا بالمدارس، لكن نسبة كبيرة منهم لم تتمكن من الاستمرار حتى الصف الثالث، حيث تصل نسبة التسرب إلى نحو 30%.
وأكد أن عودة الأطفال إلى التعليم ممكنة، لكنها تتطلب وجود نظام تعليمي مرن قادر على استيعاب الأعداد الكبيرة، خاصة مع اختلاف أعمارهم عن سن الالتحاق الطبيعي.
وأشار إلى أهمية تفعيل برامج محو الأمية والتعليم البديل، مثل برامج “تعليم الكبار” “والتعليم المعجل”، التي يمكن أن تسهم في استيعاب هذه الفئات إذا طُبقت بشكل واسع وفعّال داخل السودان، إلا أن ذلك يظل مرهونًا بوجود بيئة تعليمية مستقرة.
وأوضح أن أسباب التسرب متعددة، أبرزها الفقر وعمالة الأطفال، حيث تضطر الأسر إلى دفع أبنائها للعمل للمساهمة في توفير الاحتياجات الأساسية. كما تشمل الأسباب غياب المدارس في بعض المناطق، أو بُعدها عن أماكن السكن، إضافة إلى عدم توفر الداخليات ووسائل المواصلات، فضلًا عن بعض العادات الاجتماعية في بعض المناطق.
كما أشار إلى أن ضعف الإنفاق الحكومي على التعليم يُحمّل الأسر أعباء مالية كبيرة، ما يدفع الكثير من الأطفال إلى ترك الدراسة، وتُعد الامتحانات المرحلية في مرحلة الأساس أيضًا أحد العوامل التي قد تسهم في التسرب.
واختتم بالقول إن “يعقوب” يمثل نموذجًا واقعيًا لحال كثير من الأطفال السودانيين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين لترك مقاعد الدراسة والانخراط في سوق العمل نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أسرهم.
لكن السؤال بقي هناك… عند بوابة المدرسة: هل سيجد يعقوب طريقه إليها يومًا؟، أم أن العمل المبكر سيواصل رسم مستقبله بدلًا عنه؟.
في الضفة الأخرى نجد عجز الدولة بائن في السعي نحو حلول تحد من تسرب الطلاب، مع غياب الدور الحقيقي لوزارة التربية والتعليم التي طرقنا بابها للاستفسار، فكانت الأجوبة تمضي بنا نحو التعطيل وغياب من يدلي بالرأي حول مسألة تسرب الأطفال عن الدراسة وتدابير الحلول من قبل الوزارة المعنية، مسؤول يحيلنا لآخر، وآخر يطلب طرق تعجيزية في الحصول على إفادة رسمية.
بذلك يصبح الطفل يعقوب واحدًا من نحو ثمانية ملايين طفل غير ملتحقين بالمدارس في السودان، بحسب التقارير الموثقة، والحرب مستمرة في طحن أحلامهم وتصادر مستقبلهم وتحجب أشرعة الطموح عن تطلعاتهم.



أحدث التعليقات