الإثنين, أكتوبر 26, 2026
الرئيسيةاخبار السوداناقليم دارفورالفاشر: عام على الكارثة.. ناجون يحملون ذاكرة الموت إلى المنافي

الفاشر: عام على الكارثة.. ناجون يحملون ذاكرة الموت إلى المنافي

عيسى دفع الله

مجاهد الطاهر سعيد، 36 عامًا، خريج كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، ويحمل درجة الماجستير من جامعة السودان. يعمل رجل أعمال في مجال استيراد المعدات الطبية والأدوية، ويدير أعمالًا باسم (جورجارات) لاستيراد المعدات الطبية عبر شركة نيرفا العالمية للأنشطة المتعددة المحدودة. يقع المقر الرئيسي للشركة في الخرطوم، بينما كان مقر أعماله في مدينة الفاشر بشارع سوق المواشي.

سقوط الفاشر

سقطت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار دام 28 شهرًا، شهد خلاله تجويع المدنيين وقصفهم بالمسيّرات والمدافع، ما أدى إلى مقتل الآلاف وتشريد أكثر من مليون ونصف المليون.

ظل مجاهد موجودًا في الفاشر طوال فترة الحصار، حتى 18 أكتوبر 2025، وهو اليوم الذي غادر فيه المدينة، قبل سقوطها في 26 أكتوبر.

العمل خلال الحصار

خلال فترة الحصار، واصل مجاهد العمل من مقر شركته في توفير المعدات الطبية والأدوية وبيعها للصيدليات والمستشفيات، ولا سيما المستشفى الجنوبي والمستشفى السعودي، اللذان ظلا يعملان حتى سقوط المدينة. كما كان يوفر الأدوية والمعدات الطبية للأجسام العسكرية، بما فيها الجيش والشرطة والقوة المشتركة للحركات المسلحة، وللمواطنين، من خلال موظفين من الصيادلة. وكان مجاهد مسؤولًا عن الإدارة والاستيراد.

ويقول مجاهد إنه بعد فرض الحصار على المدينة، افتتح مستوصف الياسمين الطبي، وهو جزء من الشركة، بهدف توفير العلاج للجرحى والمصابين. ويضيف أن الموقع الرئيسي للمستوصف، الواقع في شارع سوق المواشي جنوب مسجد الشرطة، تعرض للقصف، ما اضطره إلى نقله إلى شارع المطار بالقرب من فندق نور الإيمان، حيث ظل يعمل حتى 18 أكتوبر.

أما المركز الطبي في شارع سوق المواشي جنوب المستشفى، فكان يقدم العلاج للمصابين من مختلف الأطراف، دون تمييز على أساس الجهة التي ينتمون إليها، مع تركيز خاص على المدنيين.

معاناة الأسرة

ويقول مجاهد إن معظم أفراد أسرته غادروا الفاشر بسبب القصف، بينما بقي جزء منهم وتعرض لمعاناة كبيرة، مشيرًا إلى أن لديهم أفرادًا مفقودين لا يعرفون مصيرهم حتى الآن. ويضيف: “بعد خروج الأسر وتفرقها، أصبحنا نحن الشباب نسكن مع بعضنا خلال فترة الحصار”.

ويقول: “لم يكن هناك مربع سكني في الفاشر يخلو من مصابين أو قتلى بسبب القصف. في أغلب الأحيان كانت المنازل تدمر، وأصبحت الفاشر مدينة أشباح”.

الوضع العسكري في المدينة

وبحسب مجاهد، كان الجيش ينتشر في وسط المدينة وغربها، بينما كانت قوات الدعم السريع تتمركز في الناحية الشرقية منذ بداية الحرب.

وقال إن الجزء الشرقي من المدينة تعرض لدمار واسع بسبب غارات الطيران الحربي التابع للجيش، والتي كانت، بحسب إفادته، تصل إلى أكثر من ثلاث غارات في اليوم، إضافة إلى هجمات الطائرات المسيّرة. وأضاف أن ذلك أدى إلى تدمير منازل المدنيين، خاصة أن قوات الدعم السريع كانت تتمركز داخل بعض المنازل وتنشئ ارتكازات وسط الأحياء السكنية، ما أجبر السكان على النزوح.

أما مناطق وسط وغرب المدينة، فيقول مجاهد إنها تعرضت للقصف من قوات الدعم السريع، التي كانت تستخدم مختلف أنواع الأسلحة، بما في ذلك المدافع والدبابات والطائرات المسيّرة، مضيفًا أن القصف كان يتم بكثافة خلال ساعات الصباح والنهار والليل. ويضيف: “كنت بين وسط المدينة وغربها، في مناطق سيطرة الجيش، وفقدنا أشخاصًا أعزاء علينا”.

ويقول مجاهد إنه قرر البقاء في الفاشر لخدمة المجتمع، بينما عانت أسرته حتى تمكن أفرادها من مغادرة المدينة. ويضيف: “هناك أسر كاملة أُبيدت في الفاشر بسبب القصف الذي استهدف منازلها. لدينا ثلاثة جيران قُتل جميع أفراد أسرهم، وكان معظم القتلى قد سقطوا قبل سقوط المدينة بسبب القصف”.

وبحسب مجاهد، أخلى السكان المدينة بسبب كثافة القصف، الذي وصفه بأنه لم تشهده منطقة في حرب السودان من قبل مثلما شهدته الفاشر.

مقاتلون من جنوب السودان

كما تحدث مجاهد عن وجود مقاتلين من جنوب السودان في المدينة. وقال إن بعضهم من أبناء الفاشر الذين قاتلوا إلى جانب الجيش، بينما قال إن آخرين جلبتهم قوات الدعم السريع من جنوب السودان. وأضاف أن بعض هؤلاء وقعوا أسرى في يد الجيش داخل الفاشر.

وأشار إلى أنه عرف هذه المعلومات من ضباط في الجيش، مضيفًا أنهم تحدثوا عن أسر مرتزقة من كولومبيا، وأنه شاهد صورًا لهم بالقرب من مسجد الفاشر العتيق في السوق الكبير.

الخروج من الفاشر

يقول مجاهد إنه خرج من الفاشر في 18 أكتوبر، بعد صلاة المغرب، من الناحية الغربية للمدينة. ويضيف أن الفاشر كانت محاطة بخندق ضخم يقع على بعد نحو ثلاثة كيلومترات غرب المدينة.

ويقول: “قررت الخروج غربًا لأن الجنوب كان تحت سيطرة الدعم السريع، بما في ذلك مخيم زمزم، وكذلك الشرق والشمال”.

وكان هدفه الوصول إلى طويلة، الواقعة في مناطق سيطرة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، على بعد 60 كيلومترًا. ويضيف: “خرجت مع صديقي، واتجهنا إلى جامعة الفاشر، ومنها غربًا إلى آخر ارتكاز للجيش. وجدنا عساكر، لكنهم لم يسألونا، لأننا كنا نحاول الخروج من المدينة”.

ويضيف أن الخندق الأول كان يحيط بالمدينة، وكان عرضه وعمقه نحو مترين، بحسب تقديره. ويقول: “إذا دخلت فيه، تجد شخصًا يسحبك إلى الخارج”.

ويقول إن نحو 20 شابًا تحركوا من جامعة الفاشر، وبعد قطع مسافة كيلومترين تقريبًا، وجدوا خندقًا آخر يحيط بالمدينة. وتمكنوا من عبوره بعد نحو ساعتين من المشي.

ويضيف: “وجدنا قوة صغيرة من الدعم السريع أطلقت علينا النار، فتفرقنا. أصيب وسقط جزء منا، لكنني أنا وصديقي لم نتفرق، وقررنا ألا نعود إلى الفاشر”.

اتجه بعض الفارين جنوبًا، بينما اتجه آخرون غربًا وشمالًا، وبقي مجاهد وصديقه معًا. ويقول: “كنا نحمل نحو لترين من الماء فقط. حتى داخل الفاشر كان الحصول على المياه صعبًا. كان الوضع قاسيًا؛ لم يكن هناك طعام سوى الأمباز، ووصل سعر الجوال منه في ذلك الوقت إلى ستة ملايين جنيه سوداني. لم تكن هناك فرصة للحياة. حتى معجون الأسنان لم يكن متوفرًا، وكنا نغسل الملابس بالصابون الذي وصل سعر القطعة منه إلى خمسة دولارات، بينما كان الناس يغسلون الملابس بأوراق شجرة اللالوب”.

ويقول:” قررنا أنه حتى لو متنا، فلن نعود إلى أكل الأمباز مرة أخرى”.

ويضيف أنهما واصلا السير طوال الليل، حتى جاء يوم 19 أكتوبر، حين أنهكهما التعب ونفد ما بحوزتهما من ماء، ولم يجدا مصدرًا قريبًا للمياه. ويقول:”اضطررنا إلى أكل جذور نبات الحسكنيت الرطبة لترطيب الحلق، وأكلنا كمية كبيرة جدًا منها. وبعد أن اشتدت حرارة الشمس، استلقينا تحت شجرة طندب لنحو ربع ساعة”.

الأسر على يد الخاطفين

بعد ذلك، بحسب روايته، وصل إليهما أربعة أشخاص يمتطون الجمال. ويقول: “نبذونا بكلمة (فلنقايات)، وهي مصطلح عنصري يُستخدم للإشارة إلى العبيد، وسألونا: من أين جئتم؟ قلنا لهم إننا من الفاشر ومتجهون إلى طويلة”.

ويقول إن صديقه، الذي ينتمي إلى قبيلة القذاذفة، لم يتعرض للاستجواب، بينما عندما أخبرهم بأنه زغاوي، قالوا له: “أنت المطلوب”.

وأضاف أن أحدهم أساء إليه، وقال إن والده قتل على يد شخص من قبيلة الزغاوة، وإنه عاش يتيمًا لمدة 40 عامًا. ثم فتشوا جيوبهما، فعثروا على هاتف مجاهد، وكانت شاشته مكسورة، فأخذوه، إضافة إلى 30 ألف جنيه سوداني، بينما أخذوا من صديقه 50 ألف جنيه.

ويقول مجاهد إن الرجال الأربعة كانوا يمتطون الجمال، بينما كان هو وصديقه يسيران أمامهم لمسافة استغرقت نحو خمس ساعات. ويضيف: “تعبنا، وكانت الأشواك تدخل في أرجلنا، وكنا نسقط وننهض، حتى وصلنا إلى وادٍ جاف. جلبوا لنا الماء، وأحضروا لنا عصيدة بملاح”.

ويقول إنه، منذ النقطة التي أُوقفوا فيها وحتى وصولهم إلى الوادي الجاف، وجدوا أشخاصًا كانوا معهم عند خروجهم من جامعة الفاشر وقد فارقوا الحياة. ويضيف:” تعرفنا عليهم من ملابسهم. قالوا لنا: هل تعرفونهم؟ فقلنا لهم: لا”. وأضاف أنهم قالوا لهما إنهم كانوا يتابعونهما وإن المجموعة التي خرجت من الجامعة كانت تضم أكثر من 20 شخصًا. ويقول: “قلنا لهم إننا خرجنا شخصين فقط”.

وفي الوادي الجاف، يقول مجاهد إن الرجال فرشوا لهم بساطًا، ونام الأربعة في أركان المكان، بينما وضعوه وصديقه في المنتصف. ويقول: “قالوا لي: أنت الزغاوي مجرم، ثم قيدوني من يدي ورجلي”.

وفي الصباح، وصلوا إلى منطقة مليئة بالحشائش، وطلبوا منهما الجلوس هناك، ثم ذهب الرجال للتشاور فيما بينهم. وبعد قليل عادوا وقالوا له: (أنت زغاوي) . إن هذا الرجل يحتاج إلى أن تدفع له دية والده الذي قتله زغاوي قبل 40 عامًا. إذا دفعت له سنطلق سراحك». أما صديقه، فقالوا له: “اذهب، نحن لا نريدك”. لكن صديقه رفض المغادرة، وقال لهم: «جئنا معًا، فإما أن تطلقوا سراحنا معًا أو تقتلونا معًا، لكنني لن أترك صديقي خلفي”.

ويقول مجاهد إنه أدرك حينها أنهم يريدون الحصول على فدية، فتفاوض معهم واتفق على دفع 30 مليون جنيه سوداني مقابل إطلاق سراحهما. ويضيف: “قالوا لي: يا مجاهد، أليس لديك أخ في أوروبا أو أمريكا يدفع لك؟ قلت لهم: ليس لدي. إذا قلت لهم إن لدي شخصًا في الخارج، فسيطلبون مبلغًا أكبر. قلت لهم إنني سأستدين من أصدقائي، وليس لدي حساب بنكي”.

 

ويقول إنهما قضيا اليوم في المكان نفسه، وأحضر الرجال لهما العصيدة مرة أخرى والماء، ثم واصلوا السير لمدة نحو ست ساعات، حتى وصلوا إلى وادٍ جاف آخر. ويضيف:”حفرنا في الوادي وأخرجنا الماء، ثم قيدوني بالسلاسل من رجلي ويدي مرة أخرى، وبتنا ليلتنا معهم”.

وفي الصباح، شربوا الشاي باللبن، ثم سألوه إن كان عسكريًا. ويقول: “قلت لهم: لا، أنا أستاذ حاسوب”. وسألوه عن اسمه، فأجاب: مجاهد الطاهر. ويقول إنهم بحثوا عن اسمه في وسائل التواصل الاجتماعي. وكان قد أغلق صفحته على فيسبوك مؤقتًا لمدة شهر قبل خروجه من الفاشر. ويضيف: “بحثوا في فيسبوك وتيك توك وغوغل، لكنهم لم يجدوا شيئًا”.

بعد ذلك، يقول مجاهد، أدخلوهما إلى مزرعة لحمايتهما من قوات الدعم السريع والمسافرين في السيارات القتالية. ويقول: “قالوا لنا: سنذهب بكم إلى مكان تحولون فيه لنا الأموال، وبعدها نطلق سراحكم”. ويضيف أنهما قضيا يومًا آخر بالسيناريو نفسه، دون أن يخبرهما الخاطفون بمكان وجودهما.

وسألوهما عن معرفتهما بالاتجاه المؤدي إلى منطقة طويلة، فأجابا بأنهما لا يعرفان المنطقة. ويقول: “ذهبنا مرة أخرى لنحو ثماني ساعات سيرًا على الأقدام وسط الجبال، حتى انقطع حذائي، فأعطاني أحدهم حذاءه”.

ويقول مجاهد إنه أدرك حينها أن الخاطفين كانوا حريصين على إبقائه حيًا لأنهم يريدون الحصول على المال، لكنه كان يخشى أن يؤدي دفع الفدية إلى تسليمه لقوات الدعم السريع. وأضاف أن هذا السيناريو استمر نحو أربعة أيام، قبل أن يصلوا في النهاية إلى منطقة صغيرة عرفوا لاحقًا أنها تسمى (أم جلباغ).

ويقول إن الخاطفين أحضروا عربة صالون صغيرة، وركب هو وصديقه في الخلف، بينما جلس اثنان من المسلحين معهما، وجلس اثنان في المقدمة. ويضيف: “أوقفتنا قوات الدعم السريع بالقرب من شجرة بها واي فاي. فتحوا الشبكة وقالوا لي: تكلم”. ويقول إنه اتصل بأخيه وقال له:” أنا عارف أن ظروفك سيئة، وأحتاج إلى بعض المال، ممكن تأخذها من الناس الحولك؟”. ويضيف أن شقيقه فهم قصده، لأنهما كانا قد رتبا مسبقًا لهذه الطريقة.

ويقول:” دفعت لهم 30 مليون جنيه. وحاليًا لدي رقم الحساب البنكي الذي استقبل الأموال عبر عشرة تحويلات، كل تحويل ثلاثة ملايين جنيه”. وبعد أن اتصل الخاطفون بصاحب الحساب الذي استقبل الأموال وأكد لهم وصول المبلغ، واصلوا السير لمدة نحو خمس ساعات. ويضيف: “بعدها قالوا لنا: تلك هي البوابة الرئيسية لمنطقة طويلة”.

ويقول إنهما واصلا السير لنحو نصف ساعة حتى وصلا إلى بوابة طويلة من الناحية الشمالية الغربية. ويضيف: “عندما وصلت إلى البوابة كانت ملابسي كلها قد تلفت. أحد أفراد الدعم السريع أخذ حذائي، فوصلت حافيًا، ولم أكن أرتدي سوى شورت قصير”.

وسألهم أفراد القوة في البوابة عن المكان الذي جاءوا منه، فأجابوا بأنهم لا يعرفون سوى أنهم قدموا من منطقة جبلية. وقال لهم أحد أفراد القوة إن المنطقة هي (أم جلباغ)، مشيرًا إلى أن كثيرين ممن يصلون إلى طويلة يأتون من هناك، وأن المنطقة تسكنها مجموعات اجتماعية موالية لقوات الدعم السريع.

من طويلة إلى تشاد

مكث مجاهد في طويلة يومين، ثم بحث عن صديقه ووجده في السوق. ويقول: “استقبلني، واشترينا معًا إبرة لاستخراج الأشواك من أجسادنا. وحتى اليوم توجد آثار الأشواك في رجلي”.

ويقول إن صديقه أخبره بأن قوات تابعة لحركة تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، المتحالفة مع الدعم السريع، كانت تأتي إلى المنطقة لتجنيد مقاتلين، وأن الناطق الرسمي باسم هذه القوات يُدعى فتحي محمد. وأضاف أن صديقه حذره من أن وجوده في المنطقة قد يعرضه للخطر، لأن تلك القوات تعرف موقفه المعارض لها.

بعد ذلك، توجه صديقه إلى خزان جديد ومنها إلى أم درمان، بينما ذهب مجاهد إلى بلدة مرتال، ثم إلى فنقا في قمم جبل مرة الشرقية، ومنها إلى روكيرو ثم قولو.

مكث مجاهد في قولو أسبوعًا، حيث التقى أحد أصدقائه، الذي أخبره بأن قوات الدعم السريع تأتي إلى المنطقة من كبكابية، وطلب منه مغادرة قولو. ويقول إن عناصر استخبارات تابعة للسلطة المحلية في المنطقة، والخاضعة لحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، حققوا معه عدة مرات.

بعد ذلك استقل دراجة نارية إلى منطقة جلدو، ومنها إلى منطقة شوفِيقو، ثم إلى نيرتتي بولاية وسط دارفور، ومنها إلى مدينة زالنجي، عاصمة الولاية. ويقول إنه أوقف في بوابة الخروج الغربية لمدينة زالنجي، وأُعيد إلى داخل المدينة بعد تفاوض. ويضيف: “قبل أن أصل إلى مكتب استخبارات الدعم السريع، لو وصلوني إليه كانوا سيعرفونني، لأنني خلال فترة الحصار كنت أكتب آرائي من الفاشر حول الحرب واعتداءات الدعم السريع على المدنيين، وكنت من المستهدفين”.

ويقول إنه دفع ثمانية ملايين جنيه عبر تطبيق (بنكك) التابع لبنك الخرطوم، وبعد ذلك أعادوه إلى البوابة.

استقل عربة صالون إلى مورني مقابل 40 ألف جنيه. وبعد وصوله، قام بتبديل مبلغ 200 ألف جنيه نقدًا في أحد مكاتب التحويلات، وحصل على 150 ألف جنيه، دفع منها 40 ألفًا لأجرة الطريق. ويقول: “الراكب من زالنجي إلى الجنينة كان بنفس التعريفة، لكنني لم أكن أريدهم أن يعرفوا خط سيري”.

ومن مورني، استقل عربة صالون أخرى إلى الجنينة، ووصل إليها بعد المغرب، ونزل وسط السوق. ويقول: “لم أكن أعرف أي شخص هناك، وأكلت”.

 

بعد المغرب، غادر الجنينة واستقل عربة متجهة إلى أديكون مقابل 30 ألف جنيه. لكنه أوقف مرة أخرى عند بوابة أديكون. ويقول:”لم يعرفوني، لكنهم قبضوا علي باعتباري عنصرًا غريبًا. قلت لهم إنني تاجر ذاهب لجلب بضائع، وقلت لهم إنني قادم من نيالا. وفي النهاية قالوا لي: أنت مشتبه فيه، اذهبوا به إلى المعتقل”. ويضيف أنه دفع لهم ثلاثة ملايين جنيه، وبعدها أطلقوا سراحه.

 

ويقول: “ذهبت إلى أديكون ونمت في الرمل في مكان قريب من أدري التشادية. لم أكن أعرف أي شخص هناك”. ويضيف أنه عندما وجد هاتفًا، دخل إلى صفحة أخيه من خلال صفحته الوهمية، وتواصل معه، ثم حذف التطبيق وسجل البحث.

في صباح اليوم التالي، يقول مجاهد إنه نام على بعد نحو 50 مترًا من بوابة لقوات الدعم السريع، ثم عبر الحدود ودفع مبلغًا من المال لأحد أفراد حرس الحدود التشادي، ودخل الأراضي التشادية. وبعد ذلك، واصل طريقه.

تشتت الأسرة

ويقول مجاهد إن أفراد أسرته تفرقوا بعد خروجهم من الفاشر، وانقسموا بين ثلاث دول هي مصر وليبيا وتشاد.

شهادة الرشيد الطاهر

أما الناشط في تكايا الطعام خلال الحرب في الفاشر، الرشيد الطاهر، الذي تمكن من النجاة قبل المحرقة، فقال إن هذه المدينة السلطانية، ومن موقعه الريادي في المقاومة والثورة عبر السنين، ظلت هي وأهلها يقاومون هذا القبح والسرطان النتِن منذ بداية الحرب.

وأضاف: “نعم، هذه المدينة قالت كلمتها بأنها لن تركع إلا على جثث أبنائها الشجعان، فوقفوا سدًّا منيعًا ضد الجنجويد ومليشيا الدعم السريع ومرتزقتها الأجانب. صمدوا طيلة ثلاثة أعوام وهم يقاومون، فانهالت المليشيا على المدينة بوابل من المدافع الثقيلة والطائرات المسيّرة بأنواعها، وبأكثر من 500 هجمة. ومع ذلك، وقفت النساء قبل الرجال والشباب مدافعين عن ذواتهم ووجودهم، وحافظوا على مدينتهم من هؤلاء الخُجر”.

 

وأضاف:” وانتصروا في كل المعارك التي شُنّت ضدهم، وكبّدوا الجنجويد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وغنموا منهم أسلحة والكثير من عربات دولة الشر الخليجي، وقُتل عدد كبير من قادة الصف الأول في الفاشر”.

 

وتابع:”وعندما علموا بأن هذه المدينة عصيّة عليهم، استخدموا أسوأ أنواع الحروب، وهي أساليب لم تحدث حتى في بعض الحروب العالمية والتاريخية والحملات الصليبية. فقد قاموا بقصف موارد المياه أولًا، ثم الأسواق والمستشفيات. ثم، في المرحلة الثانية، فرضوا على المدينة حصارًا أسوأ من القتل. فقتلوا الناس، ولم يستثنوا الأطفال ولا الشيوخ ولا النساء ولا الجرحى والمرضى، وزادوا من حدة قصفهم للمدينة، وكثرت طلعات الطائرات المسيّرة، واستهداف المساجد وتجمعات التكايا والمراكز الصحية، وحتى الأسواق البديلة داخل الأحياء. فتعب الناس وماتوا جوعًا، بعدما أكلوا أعلاف الحيوانات وجلودها”.

شهادة محمد بشير

أما الصحفي محمد بشير، فقال إن ما جرى في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور لا يجوز معه تزوير الحقائق أو اختزال المأساة في مفردات مثل” السقوط” أو”التحرير”، فهذه توصيفات قد تعكس روايات أطراف الحرب، لكنها لا تختزل حقيقة ما جرى، ولا تعكس حجم المأساة الإنسانية التي عاشها المدنيون.

وأضاف أن المجزرة التي أودت بحياة آلاف المدنيين في الفاشر، وغيرها من المآسي التي شهدتها مدن السودان وقراه وأريافه، لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للدعاية السياسية أو أداة لتسويق رواية بعينها، بعيدًا عن حقيقة ما جرى وحجم المعاناة التي تكبّدها المدنيون.

وفي هذا السياق، قال إن جميع أطراف الحرب استخدموا المدنيين دروعًا بشرية خلال المعارك، مؤكدًا أن حماية المدنيين يجب أن تظل أولوية لا تخضع لحسابات الصراع أو مصالح أطراف الحرب.

وشدد على أن المجازر لا تُقاس بمن انتصر أو خسر، بل بحجم المأساة، وحقوق الضحايا، ومدى تحقيق ا

لعدالة لهم. وأضاف أن دماء السودانيين ليست ورقة في صراع الروايات، وأن العدالة لا تتجزأ، والحقيقة لا ينبغي أن تخضع لحسابات أطراف الحرب.

 

المقالات ذات الصلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات