جُبراكة نيوز: عيسى دفع الله
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار السودانيين والعالم نحو مدينة الفاشر المحاصرة منذ أكثر من عام، حيث تتصاعد الدعوات لإنقاذ عشرات الآلاف من المدنيين العالقين هناك، اندلع على نحوٍ مفاجئ نزاع دموي جديد في منطقة كرنوي بشمال دارفور بين فخذين من قبيلة الزغاوة، في مشهد يعيد إلى الأذهان جذور العنف الأهلي الذي لم يُطوَ بعد في الإقليم المنهك بالحرب.
نزاع قديم يعود إلى الواجهة
بحسب روايات محلية وشهود عيان، فإن الاشتباكات التي شهدتها كرنوي وضواحيها مطلع أكتوبر الجاري ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لنزاع تاريخي يعود إلى أكثر من سبعين عامًا بين فخذين من الزغاوة حول منصب الشرتاوية (الزعامة المحلية)، الذي انتقل من عشيرة إلى أخرى بقيادة الشرتاي آدم صبي.
ومنذ ذلك التاريخ ظل التوتر كامناً تحت الرماد، يتجدد بين الحين والآخر، خاصة مع التحولات التي شهدتها دارفور خلال العقدين الأخيرين، حيث باتت القبائل تمتلك ترسانات من الأسلحة وتتمتع بنفوذ عسكري وميداني يفوق أحيانًا سلطة الدولة.
شرارة الصدام
تعود بداية الأحداث الأخيرة – وفقًا لشهود – إلى حادثة سرقة إبل من ضواحي كرنوي اُتُّهم فيها أقرباء القائد السابق بخيت دبجو.
وإثر الحادث، أصدر وكيل الشرتاي آدم صبي تعليمات بملاحقة الجناة، لتندلع اشتباكات مسلحة أسفرت عن مقتل أحدهم.
لكن ما كان حادثًا جنائيًا محدودًا تحوّل سريعًا إلى اقتتال قبلي واسع النطاق، بعد أن أعلنت إحدى العشائر التعبئة العامة للثأر، لتندلع مواجهات خلّفت قتلى وجرحى من الجانبين، وأدخلت المنطقة في حالة من الفوضى والرعب.
دروس من دارفور القديمة
يرى مراقبون أن ما حدث في كرنوي لا يمكن فصله عن بنية العنف التي تأسست عليها الدولة السودانية الحديثة، إذ ظلت السلطة المركزية تعتمد على تجييش القبائل وتسليحها لمواجهة التمردات، قبل أن تتحول هذه القوة إلى عبءٍ على الدولة نفسها، بعدما أصبح السلاح يُستخدم لتصفية الحسابات داخل المكون الواحد، لا بين المكونات المتصارعة فحسب.
ويقول أحد أعيان المنطقة لـ«جُبراكة نيوز» – طلب حجب اسمه لدواعٍ أمنية –: «حين تمتلك كل القبائل السلاح، بل والطائرات المسيّرة، يصبح من الصعب ضبط الانفلات أو فرض القانون. أصبح كل فخذ يشعر أنه دولة قائمة بذاتها».
جهود للتهدئة ونداءات متكررة
بعد ساعات من اندلاع المواجهات، تدخلت القوات المشتركة العاملة في شمال دارفور، مدعومة بجهود مكثفة من القيادات الأهلية ووجهاء الزغاوة، في محاولة لاحتواء الموقف. وتمكنت الجهود من إبعاد الطرفين المتقاتلين وإعادة الهدوء النسبي إلى كرنوي، في حين خيّم الحزن والأسى على سكان المنطقة بعد يومٍ وصفه الأهالي بأنه الأكثر دموية منذ سنوات.
وفي بيان رسمي، وجه القائد العام لقوات التجمع وقائد عمليات القوات المشتركة، الفريق عبدالله بشر جالي (جنا)، نداءً عاجلًا إلى طرفي النزاع دعاهم فيه إلى الوقف الفوري لإطلاق النار وتحكيم صوت العقل، قائلاً: «إن الدم غالٍ، وإن الفتنة إذا اشتعلت لا تبقي ولا تذر. فلتكن الحكمة شعارنا، والصلح سبيلنا، والتآلف غايتنا، حفظًا لوحدة الصف وصونًا لكرامة الجميع».
كما شدد جالي على ضرورة التزام منسوبي القوات النظامية بعدم التدخل أو دعم أي طرف في النزاع ماديًا أو معنويًا، مؤكدًا أن القانون سيُطبّق على كل من يتجاوزه.
تحذيرات من تكرار المشهد
وحذر ناشطون ومراقبون من أن أحداث كرنوي تمثل ناقوس خطر بشأن مستقبل دارفور، خاصة مع غياب سلطة الدولة واستمرار الحرب بين الجيش والدعم السريع، ما قد يفتح الباب أمام نزاعات داخلية مدمرة بين أبناء القبائل الواحدة.
وقال أحد الأكاديميين من دارفور إن ما يحدث يُظهر أن الصراع – بعد أن كان بين الدولة والتمرد – بدأ يتحول إلى داخل النسيج القبلي نفسه، وهي مرحلة بالغة الخطورة.
نداءات إلى الحكماء
في ختام الأحداث، دعا وجهاء كرنوي وأبناء المنطقة داخل السودان وخارجه إلى نبذ التحريض القبلي ووقف حملات الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبين الحكماء والمثقفين بتكثيف جهود الوساطة من أجل رأب الصدع قبل أن يمتد الحريق إلى مناطق أخرى من الإقليم.
وختم أحد شيوخ المنطقة حديثه قائلاً: «دارفور لا تحتمل حربًا جديدة، خصوصًا حربًا بين أبناء العمومة»، وهو يحدق في الدمار الذي خلّفه القتال.
بدورها، أعربت هيئة شورى الزغاوة – فرع مصر عن بالغ حزنها وأسفها للأحداث الدامية التي شهدتها منطقة كرنوي مؤخرًا، والتي راح ضحيتها عدد من أبناء القبيلة من الجانبين، داعيةً جميع الأطراف إلى وقف العنف فورًا وضبط النفس والاحتكام إلى صوت العقل والحكمة.
وقالت الهيئة إن ما يجمع أبناء الزغاوة من روابط الدين والدم والمصير أعظم من أي خلاف أو نزاع محلي، مشددة على أن وحدة الصف وحفظ الدماء هما الأولوية القصوى في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الكيان.
وأكدت أن أي طرفٍ يتجاوز قرارات الكيان أو يعرقل مساعي الإصلاح سيُعرّض نفسه للمساءلة وفق ما تراه القيادة مناسبًا، لافتةً إلى أن المرحلة الحالية «مفصلية ودقيقة وتتطلب تحكيم صوت الحكمة والعقل».
وثمّنت الهيئة الجهود التي تبذلها لجنة الأجاويد برئاسة الملك داؤود خلال الأسابيع الماضية لاحتواء الأزمة، داعية أعضاء اللجنة إلى مواصلة مساعيهم دون تأثر بما جرى، ومؤكدة أن طريق الصلح والإصلاح هو سبيل الأنبياء والحكماء.
كما ناشدت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والنشطاء من أبناء الزغاوة إلى تجنب الخطاب التحريضي والتناول السلبي للأحداث، والاكتفاء بالدعوات إلى التهدئة وتطييب الخواطر، محذرة من أن نشر الشائعات والمعلومات المضللة قد يسهم في تأجيج الفتنة.
واختتمت الهيئة بيانها بالدعوة إلى جميع أبناء الزغاوة داخل السودان وخارجه للإسهام في جهود التهدئة والإصلاح، كلٌّ بحسب موقعه وعلاقاته، والعمل على رأب الصدع وإصلاح ذات البين، مشددة على أهمية توخي الدقة في تداول الأخبار وسد الثغرات التي «يمكن أن تنفذ منها الفتنة أو العدو المتربص».
وأكدت الهيئة أن وحدة الكيان وأمنه واستقراره مسؤولية جماعية، داعية العلماء وأئمة المساجد وحفظة القرآن إلى تكثيف الدعاء والدعوة إلى الصبر والعفو والإصلاح.




أحدث التعليقات